Fajr Press

الدعـ ـم السـ ـريع جماعة إرهابية.. قراءة في القانون الأمريكي .

كتب - عمار نجم الدين

القضية ليست في الدعـ ـم السـ ـريع…القضية في جهل وزارة الخارجية بالقانون الدولي ؟
يبدو أن وزارة خارجية بورتسودان قررت أخيراً أن تدخل معركة القانون الدولي… ولكن دون أن تتكلف عناء قراءة صفحاته. خرج البيان كأنه منشور تعبوي يصلح أكثر ليكون علفاً طازجاً لأتباعها منه وثيقة قانونية تخاطب العالم. في السطور الأولى يظن القارئ أن الدولة اكتشفت فجأة تعريفاً جديداً للإرهاب، ثم يكتشف سريعاً أن ما كُتب ليس قانوناً بل صدى قديم لذلك البلاء الأعظم الذي لازم الدولة السودانية منذ عقود: الأيديولوجيا حين تتنكر في هيئة قانون.
هذه ليست زلة قلم. إنها حلقة أخرى في مسلسل النكوص الذي قاد البلاد مراراً إلى التهلكة. فمنذ تناسل الإسلاميين منذ 1989 وصعود السياسيين الهواة المفتونين ببطولات حسن البنا والمودودي وأسامة بن لادن والظواهري، أصبح الخطاب السياسي يعيش على الحكايات أكثر مما يعيش على النصوص. أولئك الذين لهجوا بالثناء على كل العهود طالما بقيت السلطة قريبة من أيديهم، لا يرون في القانون سوى أداة للخصومة، لا معياراً للحقيقة.

لكن القانون الدولي ليس بياناً سياسياً. فتصنيف أي تنظيم كمنظمة إرهابية في النظام الأمريكي، الذي تحاول بورتسودان التذرع به، يخضع لنصوص واضحة في قانون الهجرة والجنسية الأمريكي. هذه النصوص تتحدث عن تنظيمات غير حكومية تمارس نشاطاً إرهابياً عابراً للحدود يشكل تهديداً لأمن الولايات المتحدة أو مصالحها. ولهذا صُنّفت القاعدة وداعش، لا الجيوش التي نشأت بقانون داخل دولها.

أما في النزاعات المسلحة الداخلية، فإن القانون الدولي لا يتعامل مع الأطراف بوصفها جماعات إرهابية، بل بوصفها أطرافاً في نزاع مسلح يخضع لقواعد القانون الدولي الإنساني. هذه القاعدة ليست رأياً سياسياً، بل نصوصاً مستقرة في اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها.

والمفارقة أن الدولة السودانية نفسها هي التي قننت وجود قوات الدعـ ـم السـ ـريع. فالقوة التي يطالب بيان بورتسودان اليوم بتصنيفها كجماعة إرهابية، نشأت أصلاً بقانون صادر عن البرلمان السوداني واعتُبرت جزءاً من المنظومة الأمنية للدولة. بل إن الخطاب الرسمي نفسه يصفها اليوم بأنها قوات تابعة للجيش السوداني تمردت عليه. وهذا وحده يكفي ليكشف التناقض: كيف تتحول قوة أنشأتها الدولة نفسها إلى تنظيم إرهابي بمجرد صدور بيان سياسي؟

وبالمثل، فإن الجيش السوداني نفسه لا يمكن توصيفه كتنظيم إرهابي وفق نفس المعايير القانونية. فالجيش، بحكم تعريفه في القانون الدولي، يمثل مؤسسة عسكرية تابعة للدولة، حتى وإن ارتكب بعض أفراده أو قادته انتهاكات جسيمة أو جرائم حرب. مثل هذه الجرائم لا تُعالج عبر إعادة توصيف الجيوش كتنظيمات إرهابية، بل عبر القانون الجنائي الدولي الذي يحاسب المسؤولية الجنائية الفردية للقادة والضباط.

وبالتالي فإن وحدات الجيش النظامية لا يمكن أيضاً توصيفها كتنظيمات إرهابية بالمعنى القانوني. وإذا كان منطق بيان بورتسودان يقوم على أن قوة عسكرية نشأت بقانون داخل الدولة يمكن وصفها كجماعة إرهابية، فإن هذا المنطق يقود إلى نتيجة عبثية: فبنفس المعيار يمكن وصف الجيش السوداني نفسه كجماعة إرهابية. لكن القانون الدولي لا يعمل بهذه الطريقة.

ولهذا فإن المشكلة لا تكمن في القانون، بل في فهمه. فإما أن وزارة خارجية بورتسودان تجهل قواعد القانون الدولي، أو أنها تدركها جيداً لكنها تفضل تقديم خطاب تعبوي يصلح كـ علف طازج لأنصارها أكثر مما يصلح حجة قانونية أمام العالم.

القانون الدولي يميز بوضوح بين أمرين: إمكانية اتهام قادة عسكريين بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو حتى الإبادة الجماعية، وبين محاولة توصيف الجيوش نفسها كتنظيمات إرهابية. الأولى مسألة قانونية يمكن أن تنظر فيها المحاكم الدولية، أما الثانية فمجرد شعار سياسي لا يستند إلى أي أساس قانوني معتبر.

ولهذا يمكن – من الناحية القانونية – اتهام قادة في الجيش السوداني أو في الدعـ ـم السـ ـريع بارتكاب جرائم جسيمة إذا توفرت الأدلة، لكن لا يمكن توصيف الجيش أو الدعـ ـم السـ ـريع كجماعات إرهابية وفق المعايير القانونية المعمول بها في النظام الدولي.

غير أن المشكلة أعمق من تناقض قانوني. إنها تعبير عن تضخيم الذات الذي قاد طويلاً إلى طموح غير مشروع، ثم إلى خيلاء فكرية يتوهم فيها بعضهم أنه مركز الكون وأن العالم يدور حوله. في مخيلتهم يهزمون أمريكا وروسيا وهم جالسون في مكاتبهم، بينما الواقع أكثر تواضعاً وسخرية: يقفون في مكانهم يمسحون زجاجة السمن بأيدٍ مرتعشة ثم يتزحلقون عليها.

تلك الخيلاء ليست جديدة. إنها عاهة فكرية قديمة جعلت كثيراً من العقائديين يتظنون عن يقين باطل أنهم مالكو الحقيقة الأوحد. ومن هنا يبدأ المنحدر: يركبون البغضاء منهجاً سياسياً، ويعلون قدر أنفسهم بالإيهام، ولا يميطون اللثام عن خواء الفكرة. إنهم في نهاية المطاف أشبه بما يسميه العالم اليوم buzzwords: حشرات طنانة تملأ الفضاء بالضجيج، لا تؤذي بقدر ما تزعج.

ومن هنا أيضاً ينشأ الاشتجار الدائم حول القيم الإنسانية المشتركة. المخالف في الدين يصبح خصماً، والمخالف في المذهب عدواً، والمخالف في السياسة هدفاً. فيمتطون منهج المودودي وسيد قطب في كراهية الآخر، ويستحضرون عقيدة الولاء والبراء كأداة لإدارة المجتمع. كراهية الآخر في الوطن، وكراهية الآخر في الدين، وكراهية الآخر في السياسة… حتى يبدو العالم كله عدواً إلا أنفسهم.

والمفارقة أن الأخلاق الدينية نفسها لا تؤيد هذا المنطق. فالمسيحية، على سبيل المثال، تضع الكراهية في خانة الخطيئة، وتدعو – كما يرد في إنجيل متى – إلى مقابلة الإساءة بالإحسان. لكن الأيديولوجيات المغلقة تعاني دائماً من عاهة دفينة في تصور الآخر؛ ترى نفسها مصدر الخير المطلق، وترى الآخر مصدر الشر الأوحد.

وهكذا تتراكم حلقات العنف السياسي. فاستعار الحروب الإخوانية وتراكم خطاب الكراهية ليسا سوى تجليات لذلك الإرهاب الفكري الذي دمّر الدولة نفسها. ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع سياسي، بل ذوبان الدولة تحت وطأة الأيديولوجيا والعنف.

وعندما تصل الدول إلى هذه اللحظة، يصبح الطريق واضحاً أمامها:
فكلا الداءين — العنف والإرهاب — يسيران بها لا محالة في طريق طُراد نحو الهاوية.

#السودان
#القانون_الدولي
#الحرب_في_السودان
#السياسة_السود

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.