رد على تعقيب الأستاذ عبد المنعم عبد القادر: تكليفنا الأساسي.. هو التفكير!!
بقلم - د. عمر القراي
(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا)
صدق الله العظيم
الشكر للأستاذ عبد المنعم، على تعقيبه، على مقالي السابق (هل العبرة بالنص أم بفهم النص؟)، وما أورده من اعجابه بالأستاذ محمود محمد طه، كمفكر حر، وما ذكره من ان مقاله لم يكن (نقداً للفكرة الجمهورية في ذاتها كمشروع فكري مستقل بل انصب على ارتباطها بالنص الديني ومحاولة ترتيب دلالاته. أما كفكرة إنسانية تسعى الى تحقيق التعايش والكرامة فلا أجد حرجاً في قبولها من حيث المبدأ)!! ذكرني حديث عبد المنعم هذا، بسؤال أحد المواطنين، في محاضرة من محاضرات الأستاذ محمود، لعلها محاضرة “تطوير شريعة الأحوال الشخصية”، في مدينة كوستي. فقد قال إنه أعجب بالحديث عن المساواة، وتطوير التشريع، ليحقق كرامة الرجل والمرأة، في هذا العصر. وأنه يوافق على هذا الطرح تماماً، ثم قال (لكن ليه الكلام الجميل دا تقرأ لينا آيات وداير تجيبو لينا من الدين؟!) فكان جواب الأستاذ على ما اذكر (إذا انت الكلام عجبك ووافقت عليه وانه بيحقق المساواة والكرامة للرجل والمرأة ونحنا محتاجين ليه في وقتنا دا .. ليه انت مادايرو يجي من الدين؟ إنت مشكلتك مع المحتوى ولّا مع كلمة الدين؟!)
يقول الأستاذ عبد المنعم (يقول القراي ان اللغة لا تستوعب كل المعاني وأن التأويل ضرورة فإن السؤال يظل قائماً ما هي مرجعية التأويل؟) وقبل الحديث عن المرجعية، هل اتفق معي عبد المنعم، على أن اللغة لا تستوعب كل معاني القرآن، وحين تعجز، يصبح التأويل ضرورة؟ خذ مثلاً قوله تعالى (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا). في اللغة العربية إنما يجئ الغائب. فإذا قلت: جاء زيد الى البيت، فمعنى ذلك انه لم يكن قبلاً فيه. فهل هناك مكان الله غائب عنه، حتى يجئ إليه؟ أم ان الآية تحتاج الى تأويل؟! ولكن عبد المنعم ظن أن التأويل أمر سلبي، يسوق الى الضلال، وأنه لا يعلمه إلا الله، فلماذا نشغل أنفسنا به؟! وحتى يدلل على ما يقول، أورد قوله تبارك وتعالى (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) وقال (ارتبط اتباع المتشابه وابتغاء التأويل بالزيغ واسند علم التأويل الى الله بينما الراسخون في العلم يكتفون بالتسليم وهو ما يطرح سؤالاً جاداً حول حدود مشروعية التوسع في التأويل)
أول ما تجدر الإشارة اليه، في تصحيح مفهوم الأستاذ عبد المنعم، عن التأويل، هو أن التأويل يعني المعنى الأعمق للنص، أو المفهوم الخفي، والحقيقي، المراد من النص، أو المراد من الحدث، والذي لا يظهر بمجرد معرفة اللغة أو رؤية الحدث بالعين، وفي قصة سيدنا موسى والخضر جاء (قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)!! ونحن لا يمكننا الإحاطة بالمعنى المطلوب، إلا إذا جاء تأويله قال تعالى (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)!! ونحن لنعرف حقيقة ما يريد منا خالقنا، ننتظر أن نعرف التأويل، الذي تأتينا به رسل البشر، أو رسل العقول، اقرأ قوله تعالى (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ). والتأويل قد يشمل اللغة، والاحلام، والحديث، كقوله تعالى ليوسف الصديق (وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ). وهو بالطبع يشمل القرآن، لأن القرآن من الحديث، بل هو أحسن الحديث، اقرأ قوله تعالى (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ). أما في الآية التي أوردها عبد المنعم، فإنه لم يربط اتباع المتشابه بالزيغ، وإنما ربط بين الذين في قلوبهم مرض، ويقصدون الفتنة، باتباع المتشابه بغرض تأويله، ليخدم غرضهم، في تحقيق الفتنة. أما قوله لا يعلم تأويله الا الله، فمعناها لا يعلم كمال التأويل. وهذه مثل قوله لا يعلم الغيب الا الله. بينما النبي صلى الله عليه وسلم، تحدث عن أشياء تحدث في المستقبل، وهو انما سمي نبي، لأنه ينبئنا بالغيب، ولكنه لا يعلم كمال الغيب، ولا كمال التأويل، لأن كلاهما إشارة الى ذات الله. فمرجعية التأويل هي الله لأنه مصدر العلم.
في مقالي السابق أوردت الآية (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ)، كدليل على أن المرأة ما دامت مكلفة مثل الرجل، ومحاسبة مثله، فهي عند الله مساوية له، وإلا اختل ميزان العدل. ونحن يجب علينا، أن نطور قوانيننا، لنحقق تلك المساواة، في واقعنا، مصطحبين الآيات القرآنية، التي تدعم المساواة. ولكن الأستاذ عبد المنعم، انصرف عن كل هذا، ليطرح تساؤلاً جديداً، حول ما ظنه عدم مساواة، في قصة سيدنا صالح عليه السلام. فقال إن الذي عقر الناقة شخص واحد، ومع ذلك، عاقب الله كل أهل البلد!! وتساءل (هل المسؤولية فردية أم جماعية؟). أن اشكال عبد المنعم، هنا، لو كان صحيحاً، لا يواجه الفكرة الجمهورية، وإنما يواجه الإسلام نفسه، لكنني مع ذلك، سوف أطرح فهمي، الذي ربما اعان الأخ عبد المنعم. أولاً لم يحل العذاب بقوم صالح لأنهم ذبحوا الناقة. وإنما لأنهم رفضوا دعوة التوحيد، وأصروا على عباد الاصنام، ورفضوا ان ينهاهم صالح عما كان يفعل آباؤهم، وهو الشرك. ثانياً هم الذين طلبوا آية خارقة، كدليل على ان صالح مرسل من الله. فأخرج لهم الناقة من الصخر، أمام اعينهم. فلم يذعنوا للآية التي طلبوها، وحتى يمحو الدليل على صدق صالح، تشاور بعضهم، وقرروا ان يعقروا الناقة. وحين أقدموا على فعلتهم، لم يستنكر عليهم بقية القوم، ولم يحاولوا منعهم، ولم يقولوا لهم ان عملهم خطأ، إلا الذين آمنوا بدعوة صالح. ولما كان في عملهم كفر، وتجبر، وتحدي لله، جاءهم العذاب. اقرأ إن شئت (وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ * قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا ۖ أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ).
يقول الأستاذ عبد المنعم (حديث الدكتور عمر في مسألة الإرث والاستدلال بحديث “نحن معاشر الأنبياء لا نورث” لإسناد تصور عام يتجاوز نظام الإرث يثير إشكالين). فهل حقاً اعتمدت أنا على الحديث لنسخ الميراث؟! أم انني قلت (فالميراث لازمة من لوازم النظام الرأسمالي، فتنسخه الآية الداعية للاشتراكية مثل قوله تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)، والعفو ما زاد عن الحاجة. فإذا أنفق كل انسان ما زاد عن حاجته، سواء أن كان ذلك بصورة فردية، أو بالتنظيم الاشتراكي، لن يبقى له ما يورثه، ويكون متّبعاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة)). لماذا تحاشى كل ذلك وتمسك بالحديث؟ ألأنه ظن ان بالحديث إشكالين؟ والإشكالان هما: أن الحديث ليس متفق على صحته عند الفقهاء، وأنه يتحدث عن الأنبياء وهذه حالة خاصة. وصحة الحديث لا تلتمس عند رواة الحديث. وإنما بالفهم للقرآن، وروح الدين، ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم، فعلياً لم يترك شيء لورثة. وحين طالبت السيدة فاطمة رضي الله عنها، بأرض “فدك”، رفض أبوبكر الصديق رضي الله عنه، اعطاءها لها، اعتماداً على هذا الحديث. والانبياء ليس حالة خاصة، بل الواجب علينا الاقتداء، والـتأسي بهم، قال تعالى (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
وكان الأستاذ عبد المنعم، قد قال في مقاله الأول، ان النسخ لم يرد بصورة قاطعة، فأوردت له الآية (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، فكان رده انه لا يوجد اتفاق بين الفقهاء، على ان النسخ هنا لآيات القرآن، لأن منهم من قال المقصود الآيات الكونية!! ولم يوضح لنا الآية الكونية، التي نسخت، وكيف تم نسخها. والدليل على نسخ الآيات القرآنية، هو أن هناك آيات نزلت في مكة، كانت تدعو للإسماح، وحرية الاعتقاد، مثل قوله تعالى (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ). ثم نزلت في المدينة آيات تأمر بقتال المشركين، ومصادرة حقهم في اعتقادهم، مثل قوله تعالى (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وهذان حكمان متعارضان، لا بد ان ينسخ أحدهما الآخر. وما دل عليه الواقع أكبر الأدلة. فهل يريدنا ان نترك هذا ونتبع اجماع الفقهاء الذين قالوا المقصود الآيات الكونية؟! وما ظن عبد المنعم بقوله تعالى (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)؟!
في آخر مقاله يتساءل الأستاذ عبد المنعم (إذا كانت العبرة بالفهم وليس النص فما حاجتنا الى النص؟)، والجواب قريب، نحن نحتاج النص، لأنه يحمل لنا رسالة الرب. ولكن إذا غاب عنا الفهم الصحيح له، نصبح كالحمار يحمل اسفاراً. فالنص مهم، ولكن الفهم أهم منه. ومن أجل ذلك، جعل التفكير، العلة من إنزال القرآن، وتشريع التشريع، قال تعالى (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).
أما بعد، فإن ما طرحه الأستاذ عبد المنعم، تساؤلات ذكية، ومطلوبة، لتوضيح مضامين الفهم الديني، الذي تحتاجه البشرية، في وقتنا الحاضر. ولكنني لن أرد عليها بمقال، إذا جاءت في هذا المستوى. وإنما ادعو الأستاذ عبد المنعم، أن يشارك معنا، في منبر الحوار الأسبوعي، حيث يمكن ان يطرح اسئلته، وما يراه من إشكالات تواجه الإسلام، أو تواجه الفكرة الجمهورية، ويستمع الى أسئلة الآخرين، وآرائهم، وسيجد إن منها، ما هو قريب مما ذهب اليه.
30 أبريل 2026م