بعد ان كشف فساده.. المؤتمر الوطني “يتأمر” لابعاد رئيس مجلس امناء منظمة الدعوة الإسلامية..؟!
بعد أن أفسد حزب المؤتمر الوطني الحياة السياسية في السودان وأثقلها بتجارب مريرة، تتجه محاولاته اليوم نحو العبث بمجال العمل الدعوي، في سلوك يعكس امتداد ذات النهج إلى مؤسسات يفترض أن تقوم على النزاهة وخدمة المجتمعات.
منظمة الدعوة الإسلامية، التي تأسست قبل أكثر من أربعين عاما، وظلت تضطلع بدور واسع في العمل الدعوي والإنساني والخيري عبر عدد كبير من الدول، تجد نفسها الآن في مواجهة أزمة داخلية حادة، على خلفية كشف ملفات فساد مالي وإداري تعود لفترات سابقة.
تبدأ الوقائع عقب وفاة المشير عبد الرحمن سوار الذهب في العام 2018، والذي كان يشغل رئاسة مجلس الأمناء، حيث تم انتخاب الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله آل محمود “قطري الجنسية” خلفا له.. ومع بداية مهامه، تلقى آل محمود من مدراء إدارات المنظمة في عدد من الدول ملفات تتضمن مخالفات مالية جسيمة وتجاوزات كبيرة ارتُكبت خلال فترات أمناء عامين سابقين.
وتشير المعلومات إلى أن هؤلاء الأمناء، الذين تعاقبوا على المنصب خلال العشرون عاما الماضية، باستثناء فترة محدودة تولى فيها موسى المك كور ينتمون للمؤتمر الوطني، ومن بينهم الراحل محمد علي الامين، المهندس عبدالله محمد سيد أحمد، د. عبد الرحيم علي، السفير عطا المنان بخيت، إضافة إلى الأمين العام الحالي
أحمد آدم محمد.
إزاء ذلك، بادر رئيس مجلس الأمناء بتشكيل بتتبع الامر ، وتمكن وفق ما ورد من رصد وتوثيق حجم الفساد والتجاوزات، وعلى ضوء هذه النتائج، دعا آل محمود إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمناء لعرض ملفات الفساد واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.
غير أن هذه الخطوة قوبلت باعتراض مباشر من الأمين العام الحالي، الذي رفض جدول أعمال الاجتماع، وتحرك في اتجاه موازٍ، حيث دعا إلى اجتماع آخر دون رئيس مجلس الأمناء، في محاولة استباقية لإعادة تشكيل المشهد قبل عرض تلك الملفات.. وقد انعقد الاجتماع بالفعل يوم امس، وتم خلاله اختيار السفير علي بن حسن الحمادي “قطري الجنسية” رئيسا لمجلس الأمناء.
في المقابل، ظل الاجتماع الذي دعا إليه آل محمود قائما في موعده اليوم السبت، ما عمّق حالة الانقسام داخل المنظمة.. وعلى إثر هذه التطورات، تقدم رئيس مجلس إدارة المنظمة النيجيري (بوقاجي) باستقالته.
وتذهب المعلومات المتداولة إلى أن الأموال التي تم التصرف فيها خلال الفترات السابقة وهي تقدر بمليارات الدولارات كانت تُوجَّه لدعم أنشطة المؤتمر الوطني، خاصة منذ تولي المهندس عبدالله محمد سيد احمد منصب الأمين العام، حيث بدأت مظاهر الفساد تتصاعد بشكل لافت.
مبررات المعارضين لرئيس مجلس الأمناء آل محموظ وهم عناصر المؤتمر الوطني داخل المنظمة، فتتمثل بحسب ما يُقال في أنه لا يستجيب بسهولة لتنفيذ مايريدونه ويقولون “راسه قوي” ولا يمرر القرارات دون تمحيص، وهو ما يعكس جوهر الخلاف الدائر بين نهج يسعى لكشف التجاوزات، وآخرون يحاول احتواءها وتجاوزها واستمراريتها.
لقد أُسست منظمة الدعوة الإسلامية لخدمة الفقراء والمحتاجين من ابناء المسلمين خاصة في أفريقيا، والعمل في مجالات الدعوة والإغاثة، غير أن ما يُثار اليوم يضع هذه الرسالة أمام اختبار صعب، ويثير تساؤلات عميقة حول كيفية إدارة مواردها وحماية أهدافها من أي انحراف.
المعلومة التي ينبغي أن يقف عليها الرأي العام السوداني بوضوح لا لبس فيه، هي أن داخل هذه المنظمة شبكة مصالح عائلية متشابكة، حيث يرتبط عدد من موظفيها بروابط قرابة، الأمر الذي يجعل أي محاولة للإصلاح شديدة التعقيد، إن لم تكن عسيرة المنال.
لقد تمسك حزب المؤتمر الوطني بالمنظمة وتغلغل في مفاصلها مثل “السرطان” بدافع الخشية من فقدان السلطة؛ إذ إن زوالها يعني انقطاع الموارد. فـ«منظمة الدعوة الإسلامية» تمتلك شركات ضخمة ذات عوائد مالية معتبرة، وهو ما يفسر هذا التشبث المحموم بها.
وفي خلفية كثير من الأزمات التي تعصف بالسودان، يبرز اسم علي كرتي، الأمين العام لما يُسمى بالحركة الإسلامية السودانية، وتشير المعلومات إلى أنه قام بتكليف الدكتور كمال عبيد، المدير الأسبق لجامعة أفريقيا العالمية، بالإشراف على المنظمة والجامعة معا. ولإحكام قبضته، أنشأ كمال عبيد “لوبي” داخل المنظمة، ظل عبره ممسكا بخيوط (اللعبة)..!!، رافعا تقاريره بصورة مستمرة إلى علي كرتي.
أما شركة «زادنا»، التي أصبحت حديث الناس وواحدة من أكبر الشركات الحكومية، فتفيد المعلومات المؤكدة أن علي كرتي، حين كان عضوا في مجلس إدارة المنظمة، كان في الوقت ذاته رئيسا لمجلس إدارة الشركة، فقام بنقل آليات ومعدات لصالح «زادنا» دون سداد قيمتها، وهو ما يراه بعض قيادات المنظمة نهبا صريحا حُرمَت بسببه من مواردها وإمكاناتها.
وتتوالى النماذج؛ إذ يُقال إن أمينا عاما سابقا للمنظمة “رحمه الله” استولى على عقار تابع للمنظمة «مدينة الطفل» في حي الرياض بالخرطوم، وقام برهنه لأحد البنوك للحصول على تمويل لمصلحته الخاصة.. كما تُتداول وقائع أخرى تشير إلى أنهم اي عناصر المؤتمر الوطني داخل المنظمة، كانوا يتعمدون وصف بعض الشركات والمؤسسات التابعة للمنظمة بأنها خاسرة تمهيدا لبيعها لأنفسهم، ليعيدوا تشغيلها لاحقا وتدر عليهم أرباحا طائلة.
وفي عهد السفير عطا المنان بخيت، قررت المنظمة إنتاج فيلم وثائقي عن الراحل المشير عبد الرحمن سوار الذهب، رئيس مجلس الأمناء السابق، بميزانية قُدرت بنحو 500 ألف دولار لتدفعها دول خليجية وفاءا وعرفانا لشخصية سوار الدهب، إلا أن عطا المنان اختار زوجته السورية لتنفيذ العمل، وبالرغم من تمويل إضافي قدمته دول الخليج، تم إنتاج الفيلم بتكلفة أقل بكثير من المبلغ المرصود، فيما استُخدم الفارق بحسب ما يُتداول في شراءه لفلل خاصة به في تركيا.
وتُروى كذلك حادثتان أخريان في عهده:
الأولى تحويل مبلغ (300) الف دولار إلى النيجر بدعوى إقامة مشاريع لصالح المنظمة، ليتبين لاحقا أن الأموال ذهبت إلى أحد أقاربه لمصلحة شخصية. والثانية تحويل (150) ألف يورو إلى السنغال عبر موريتانيا، وهي أموال لا يزال مصيرها مجهولا حتى اليوم.
ومن مظاهر الفساد أيضا أن بعض المسؤولين داخل المنظمة يديرون أعمالهم الخاصة وشركاتهم من داخل مقراتها، في تجاوز واضح للأعراف الإدارية والأخلاقية.
في المقابل، تحرك الشيخ عبد الرحمن آل محمود، رئيس مجلس الأمناء الحالي، عقب انكشاف هذه التجاوزات، معلنا في عام 2022 بلا مواربة وجود فساد كبير يستوجب التحقيق. ويُعد آل محمود من المؤسسين الداعمين للمنظمة منذ نشأتها، إذ أسهم في تمويلها بملايين الدولارات من ماله الخاص، وينتمي إلى الأسرة الثانية في قطر، ويتمتع بنفوذ كبير فيها، وقبول لدى الدول الداعمة.
ورغم ذلك، يسعى هولاء “الحرامية” إلى تقزيم دوره ومحاولة إبعاده، واستبداله بشخصية أخرى “عادية”!، في خطوة لا يُفسرها إلا عمى الفساد الذي غيّب البصيرة قبل البصر..!.
وتشير المعلومات إلى أن دول الخليج، باعتبارها من أكبر الداعمين للمنظمة، أحجمت عن تقديم الدعم لسنوات بسبب هذه التجاوزات، بينما انصب جهد آل محمود مؤخرا على استعادة ثقتها، وقد نجح إلى حد كبير في ذلك وفق ما تسرب من معلومات.
وهنا تبرز العبرة جلية.. لا يمكن للدول الداعمة أن تقبل باستمرار نهب أموال خُصصت لمساعدة المحتاجين حول العالم، وتحويلها إلى مصالح ضيقة أو أنشطة حزبية.. فذلك أمر لا يمكن السكوت عنه.
أما الحل، فليس معقدا كما يبدو، بل يكمن في فك الارتباط بين حزب المؤتمر الوطني والمنظمة فهذا الحزب اصبح “سرطانا” قاتلا..ففك ارتابطه يمر عبر خطوات عملية تبدأ فورا بنقل مقر الأمانة العامة خارج السودان إلى دولة أخرى..لان الوضع الراهن، في ظل الحرب، يجعل الحزب ممسكا بزمام الأمور، ولن يترك المنظمة تعمل باستقلالية لذا فإن خروج المقر في هذه المرحلة يعد خطوة ضرورية لإصلاح الحال وتصحيح المسار.. والخطوة الثانية هي تسريح جميع منتسبيه واخراجهم عنوة واقتدارا من ادارات المنظمة المختلفة، فذلك يعني العلاج من هذا المرض”السرطاني” الذي لو ترك فانه سيقتل هذه الدعوة الاسلامية اليوم قبل الغد.