Fajr Press

الدكتور زهير بشار وزير التنمية الاجتماعية .. من المعرفة النظرية إلى الممارسة العملية.

متابعات - فجر برس

في لحظةٍ تتطلب فيها المرحلة التأسيسية في السودان تضافر الخبرات الأكاديمية مع التجارب الميدانية، يبرز اسم الدكتور زهير محمدي بشار كأحد الوجوه التي تجمع بين المعرفة النظرية والممارسة العملية. اختياره وزيرًا للتنمية الاجتماعية في حكومة السلام والتنمية “تأسيس” لم يأتِ من فراغ، بل يستند إلى مسيرة علمية ومهنية حافلة، تمتد عبر السودان وخارجه، وتتشابك فيها قضايا فض النزاعات وبناء السلام مع هموم المجتمعات المحلية.

وُلد الدكتور بشار في منطقة عديلة بولاية شرق دارفور، وهي بيئة عُرفت بتعقيداتها الاجتماعية وتحدياتها المرتبطة بالنزاعات القبلية وشح الموارد. في تلك البيئة تشكل وعيه المبكر، حيث عايش عن قرب تأثير النزاعات على النسيج الاجتماعي، وهو ما انعكس لاحقًا على توجهه الأكاديمي والمهني.

تلقى تعليمه الأساسي والمتوسط والثانوي في دارفور، قبل أن يلتحق بجامعة الخرطوم، واحدة من أعرق المؤسسات التعليمية في السودان، حيث تخرج من كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في قسم العلوم السياسية بمرتبة الشرف.

لم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل واصل مسيرته العلمية محققًا درجتي ماجستير من جامعة الخرطوم، الأولى في الدراسات الأفريقية والآسيوية، والثانية في الترجمة (عربي/إنجليزي)، ما أتاح له الجمع بين الفهم العميق للسياقات الإقليمية والقدرة على التواصل المعرفي عبر اللغات. كما حصل على دبلوم عالٍ في مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، قبل أن ينال درجة الدكتوراه من جامعة برادفورد في المملكة المتحدة، متخصصًا في فض النزاعات والمصالحات، وهو مجال أصبح لاحقًا محورًا رئيسيًا في مسيرته المهنية.

على المستوى الأكاديمي، عمل الدكتور بشار محاضرًا وباحثًا في عدد من الجامعات، من بينها جامعة غرب كردفان داخل السودان، وجامعتا مانشستر وسالفورد في المملكة المتحدة. هذا التنوع في البيئات الأكاديمية أتاح له الاطلاع على مدارس فكرية مختلفة، وأسهم في صقل أدواته البحثية وتعزيز قدرته على تحليل القضايا الاجتماعية من زوايا متعددة.

أما على الصعيد العملي، فقد انخرط الدكتور بشار في العمل مع منظمات محلية ودولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، حيث شارك في برامج تتعلق ببناء السلام وحقوق الإنسان. كما عمل في بيئات متعددة داخل السودان وخارجه، بما في ذلك بريطانيا وتشاد، ما أكسبه خبرة ميدانية واسعة في التعامل مع مجتمعات متباينة ثقافيًا واجتماعيًا.

وتتجلى مساهماته الفكرية في عدد من الأبحاث المنشورة، أبرزها كتابه “المقاربات المحلية لفض النزاعات في دارفور”، الذي يعكس اهتمامه بإيجاد حلول نابعة من داخل المجتمعات المحلية بدلًا من فرض نماذج خارجية. هذا التوجه يُعد من أبرز نقاط قوته، خاصة في بلد مثل السودان، حيث تلعب الأعراف والتقاليد دورًا محوريًا في إدارة النزاعات.

إلى جانب عمله الأكاديمي والمؤسسي، كان الدكتور بشار ناشطًا في العمل الطوعي، لا سيما في بريطانيا، حيث عمل وسط مجتمعات اللاجئين، ساعيًا لتعزيز التعايش والاندماج بين المجموعات العرقية المختلفة. هذه التجربة تمنحه فهمًا عميقًا لقضايا الهجرة والاندماج الاجتماعي، وهي قضايا ذات صلة مباشرة بعمل وزارة التنمية الاجتماعية.

اليوم، ومع توليه حقيبة التنمية الاجتماعية، تبرز تساؤلات حول كيفية توظيف هذه الخلفية المتنوعة في معالجة التحديات التي تواجه الوزارة. فالسودان يمر بمرحلة حساسة تتطلب إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، والتعامل مع آثار النزاعات الممتدة.

يمكن القول إن خبرة الدكتور بشار في فض النزاعات تمثل رصيدًا استراتيجيًا للوزارة، حيث يمكن توظيفها في تصميم برامج تهدف إلى المصالحات المجتمعية، خاصة في المناطق المتأثرة بالصراعات. كما أن فهمه العميق للبيئات المحلية يمكن أن يساعد في تطوير سياسات اجتماعية أكثر استجابة لاحتياجات المجتمعات، بدلًا من الاعتماد على نماذج مركزية قد لا تراعي الفروقات الإقليمية.

كذلك، فإن تجربته في العمل مع المنظمات الدولية تتيح له بناء شراكات فعالة مع الجهات المانحة، واستقطاب الدعم الفني والمالي لتنفيذ برامج التنمية الاجتماعية. وفي ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها السودان، فإن هذه القدرة على بناء العلاقات الدولية تُعد عنصرًا حاسمًا في نجاح الوزارة.

من ناحية أخرى، يمكن الاستفادة من خلفيته الأكاديمية في تعزيز دور البحث العلمي داخل الوزارة، عبر إنشاء وحدات للدراسات والتقييم، تسهم في تطوير السياسات بناءً على بيانات دقيقة وتحليلات علمية. كما أن خبرته في الترجمة والتواصل قد تساعد في تحسين الخطاب المؤسسي للوزارة، وتعزيز تواصلها مع مختلف الشركاء محليًا ودوليًا.

في المحصلة، يمثل الدكتور زهير محمدي بشار نموذجًا للمسؤول الذي يجمع بين الفكر والممارسة، وبين المحلي والعالمي. نجاحه في وزارة التنمية الاجتماعية سيعتمد إلى حد كبير على قدرته على تحويل هذه الخبرات المتراكمة إلى سياسات وبرامج ملموسة، تسهم في تحسين حياة المواطنين وتعزيز التماسك الاجتماعي في السودان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.