Fajr Press

الانشقاقات السياسية والعسكرية .. حين تتحول الأزمات إلى سوقٍ للدعاية لا إلى طريقٍ للحلول

كتب - أدم مكرم

في أزمنة الحروب الكبرى، لا تعود المعارك مقتصرة على البنادق والمدافع وحدها، بل تتعدد أدوات الصراع من الحرب التقليدية إلى الأسلحة التكنولوجية المتطورة، ومن المعارك الميدانية إلى الحروب الاستخباراتية والإعلامية والنفسية. وفي خضم هذا المشهد المعقد، تبرز ظاهرة الانشقاقات والانقسامات بوصفها واحدة من أكثر الأدوات التي يُروَّج لها باعتبارها “انتصارًا سياسيًا” أو “اختراقًا استراتيجيًا” ضد الخصم.

لكن السؤال الجوهري الذي ظل غائبًا عن كثير من الاحتفاء الإعلامي بهذه الظاهرة هو: هل تؤدي الانشقاقات فعلًا إلى إنهاء الحروب والأزمات، أم أنها في كثير من الأحيان تطيل عمر الصراع وتعمّق جذوره؟

منذ القدم، لم تكن الانقسامات السياسية أو العسكرية أمرًا جديدًا في تاريخ النزاعات البشرية. فكل الحروب تقريبًا شهدت انتقال شخصيات أو مجموعات من معسكر إلى آخر، سواء بدافع المصالح، أو الخلافات الفكرية، أو الحسابات الشخصية، أو حتى النجاة الذاتية. غير أن التجربة التاريخية نفسها تُظهر بوضوح أن الانشقاق، في حد ذاته، لم يكن يومًا مشروعًا كافيًا لبناء كيان مستقر أو تأسيس قوة سياسية قادرة على قيادة المستقبل.

فالمنشق غالبًا ما يخرج من رحم الأزمة محمّلًا بأدوات الهدم أكثر من امتلاكه لرؤية البناء. لذلك كثيرًا ما تتحول الانقسامات إلى مجرد أوراق دعائية تستخدمها الأطراف المتصارعة لإظهار ضعف خصومها، بينما تبقى الأزمة الأصلية قائمة بلا معالجة حقيقية.

وفي الحروب الحديثة، أصبحت هذه الظاهرة جزءًا من ماكينة الحرب النفسية والإعلامية. إذ تسارع الجهات المستقبِلة للمنشقين إلى تنظيم المؤتمرات والمهرجانات وإطلاق حملات الترويج السياسي، باعتبار أن كل انشقاق يمثل ضربة قاصمة للطرف الآخر. غير أن هذا الاحتفاء العابر يتجاهل حقيقة أكثر تعقيدًا؛ وهي أن تضخم الانقسامات داخل المجتمعات والدول قد يقود إلى تفتيت النسيج الوطني، ويخلق كيانات هشة ومراكز قوى متصارعة، الأمر الذي يطيل أمد الحرب بدل أن يقرب البلاد من الحسم أو السلام.

ولعل أخطر ما في الظاهرة أن بعض القوى تنظر إلى الانشقاقات بوصفها “غاية” لا “وسيلة”، فتستثمر فيها سياسيًا وإعلاميًا دون أن تطرح مشروعًا وطنيًا يعالج جذور الأزمة نفسها؛ من غياب العدالة، واحتكار السلطة، والتهميش، وانهيار مؤسسات الدولة، وفشل إدارة التنوع السياسي والاجتماعي.

إن الأزمات الكبرى لا تُحل عبر استقطاب الأفراد من معسكر إلى آخر، بل عبر بناء مشروع وطني شامل يعيد تعريف الدولة على أساس المواطنة والعدالة وسيادة القانون. أما تحويل الانشقاقات إلى احتفال دائم، فهو في كثير من الأحيان تعبير عن عجز القوى السياسية عن إنتاج حلول حقيقية.

التاريخ كذلك يُعلّمنا أن الكيانات التي تنشأ من رحم الانقسامات وحدها نادرًا ما تعيش طويلًا، لأنها تقوم غالبًا على رد الفعل لا على الرؤية، وعلى الخصومة لا على المشروع. ولهذا سرعان ما تدخل تلك الكيانات نفسها في دوامات جديدة من الانشقاقات والصراعات الداخلية، فتكرر الأزمة بدل أن تنهيها.

وفي ظل عالم تتطور فيه أدوات الحرب بوتيرة مرعبة، حيث لا تمييز أحيانًا بين عسكري ومدني، ولا حماية للبنية التحتية أو الأرواح البريئة، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا للانتقال من عقلية “كسب النقاط السياسية” إلى عقلية البحث الجاد عن السلام المستدام.

فالأوطان لا تُبنى بالاحتفال بانهيار الخصوم، وإنما ببناء الثقة الوطنية، ومعالجة أسباب النزاع، وفتح أبواب الحوار، وإعلاء قيمة الإنسان فوق حسابات الحرب والدعاية.

إن الانشغال المفرط بظاهرة الانقسامات قد يمنح بعض الأطراف انتصارًا إعلاميًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع مستقبلًا مستقرًا. أما الطريق الأصعب — والأكثر جدوى — فهو البحث عن حلول شجاعة تخاطب جذور الأزمة، لا أعراضها، وتؤسس لدولة قادرة على تجاوز الحرب لا إعادة إنتاجها بأشكال جديدة.

١٨ مايو ٢٠٢٦م
engineermakram@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.