في خطوة تعكس توجهات حكومة السلام نحو إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية وتعزيز الاستقرار النقدي خلال المرحلة الانتقالية، أصدر رئيس مجلس وزراء حكومة السلام الأستاذ محمد حسن عثمان التعايشي القرار رقم (25) لسنة 2026، القاضي بتعيين الخبير الاقتصادي حامد جبريل حامد النور رئيساً لمجلس العملة الانتقالي، وذلك استناداً إلى أحكام المادة (73) الفقرتين (ب) و(د) من الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لسنة 2025.
ويأتي القرار في توقيت بالغ الحساسية، حيث تواجه البلاد تحديات اقتصادية ونقدية معقدة تتطلب قيادة فنية تمتلك خبرة عميقة في إدارة السياسات المالية والنقدية، وهو ما دفع حكومة السلام التابعة لتحالف السودان التأسيسي “تأسيس” إلى اختيار شخصية اقتصادية ذات سجل مهني طويل في مجالات النقد الأجنبي، السياسات المالية، والعلاقات الاقتصادية الدولية.
ويُنظر إلى تعيين حامد جبريل باعتباره أحد أبرز القرارات الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة الانتقالية خلال الفترة الأخيرة، في ظل التوجه نحو تأسيس مؤسسات نقدية انتقالية قادرة على استعادة الثقة في النظام المالي، وإعادة تنظيم سوق النقد، وتهيئة البيئة الاقتصادية لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
ويمتلك حامد جبريل حامد النور خبرة مهنية تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، تنقل خلالها بين عدد من الإدارات والمؤسسات الاقتصادية والمالية ذات الصلة المباشرة بصناعة القرار النقدي والمالي في السودان. وقد تدرج في مواقع مهنية متعددة أكسبته معرفة واسعة بتفاصيل الاقتصاد السوداني وتعقيدات إدارة النقد الأجنبي والسياسات المصرفية.
وتعود بداياته المهنية إلى الإدارة العامة للأسواق المالية، حيث عمل في إدارة العلاقات الخارجية بقسم القروض الأجنبية خلال الفترة من 1994 وحتى 2002، وشارك آنذاك في متابعة ملفات التمويل الخارجي والتنسيق مع المؤسسات المالية الدولية، إلى جانب إعداد التقارير والتحليلات الخاصة بالقروض الأجنبية وبرامج التمويل.
ومع تصاعد التحديات المتعلقة بإدارة النقد الأجنبي في السودان خلال سنوات الألفية الأولى، انتقل للعمل بالإدارة العامة لموارد النقد الأجنبي في قسم السياسات بين عامي 2002 و2006، حيث ساهم في إعداد سياسات النقد الأجنبي وتحليل حركة العملات والأسواق المالية، إضافة إلى تقديم الدعم الفني لصناع القرار في ملفات التمويل والسياسات النقدية.
ويمثل الجانب الأكاديمي إحدى المحطات المهمة في مسيرته المهنية، إذ حصل على درجة الماجستير في الاقتصاد والإدارة العامة من جامعة كولومبيا عام 2008، بعد حصوله على منحة مشتركة من البنك الدولي وحكومة اليابان. كما تلقى تدريباً عملياً في الإدارة الأفريقية بالبنك الدولي في واشنطن، الأمر الذي أتاح له الاطلاع على تجارب الإصلاح الاقتصادي وإدارة السياسات النقدية في عدد من الدول.
وقبل ذلك، نال درجة بكالوريوس الاقتصاد البحت بمرتبة الشرف من جامعة الخرطوم عام 1994، إلى جانب دبلوم الدراسات المالية والمصرفية من المعهد العالي للدراسات المالية والمصرفية بالخرطوم عام 1998.
وعقب عودته من الولايات المتحدة، واصل نشاطه المهني في الإدارة العامة للسياسات والبحوث والإحصاء، حيث عمل في قسم سعر الصرف خلال الفترة من 2008 وحتى 2013، وشارك في إعداد دراسات متخصصة حول أسعار الصرف والتضخم والسياسات النقدية، كما ساهم في تطوير أدوات المتابعة والتقييم الاقتصادي وتحليل المؤشرات المالية.
ويصف مقربون من دوائر الاقتصاد السوداني حامد جبريل بأنه من الكفاءات المتخصصة في إدارة ملفات سعر الصرف والنقد الأجنبي، وهي ملفات تُعد من أكثر القضايا حساسية في الاقتصاد السوداني، خاصة في ظل التذبذب المستمر في قيمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم خلال السنوات الأخيرة.
كما شغل منصب نائب مدير فرع سنار بين عامي 2013 و2017، حيث تولى الإشراف على العمليات الإدارية والمالية ومتابعة الأداء المؤسسي وتحسين كفاءة العمل الإداري، وهي تجربة عززت من خبراته في الإدارة التنفيذية والحوكمة المؤسسية.
وفي مرحلة لاحقة، تولى إدارة المنظمات الدولية بالإدارة العامة للمنظمات الإقليمية والدولية خلال الفترة من 2017 إلى 2019، حيث أشرف على ملفات التعاون مع المؤسسات والمنظمات الإقليمية والدولية، وشارك في تمثيل المؤسسة في عدد من الاجتماعات والملتقيات الاقتصادية الخارجية.
وخلال الأعوام من 2019 وحتى 2023، عمل مديراً لإدارة التخطيط والتطوير بالإدارة المالية التابعة لقوات الدعم السريع، حيث قاد برامج التخطيط الاستراتيجي والتطوير المؤسسي، وأشرف على تحديث نظم المتابعة والحوكمة المالية.
كما اكتسب خبرات إضافية من خلال عضويته في مجالس إدارة عدد من المؤسسات المالية والخدمية، من بينها بنك الخليج وشركة الرواد للخدمات المالية، وهو ما وفر له تجربة عملية في الإدارة المصرفية والاستثمارية والرقابة المؤسسية.
وعلى المستوى المهني الدولي، شارك حامد جبريل في عدد من البرامج والدورات المتخصصة، من بينها دورة التنبؤ بالتضخم والسياسة النقدية في سويسرا عام 2008، وبرنامج البرمجة المالية الذي نظمه صندوق النقد الدولي في واشنطن عام 2009، وهي برامج تُعد من أهم المسارات التدريبية المتقدمة في مجالات الاقتصاد الكلي والسياسات النقدية.
ويرى مراقبون أن تعيينه على رأس مجلس العملة الانتقالي يحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة، أبرزها اتجاه حكومة السلام إلى إسناد الملفات الاقتصادية الحساسة إلى شخصيات ذات خلفية فنية وتخصصية، بعيداً عن المعايير السياسية التقليدية.
ومن المتوقع أن يضطلع مجلس العملة الانتقالي بأدوار محورية خلال المرحلة المقبلة، تشمل الإشراف على السياسات النقدية، وإدارة الاستقرار المالي، ووضع أطر إصلاح القطاع المصرفي، إلى جانب التنسيق مع المؤسسات الاقتصادية المحلية والإقليمية والدولية لدعم جهود التعافي الاقتصادي.
ويواجه المجلس تحديات كبيرة، في مقدمتها استعادة الثقة في النظام النقدي، والسيطرة على معدلات التضخم، وتنظيم سوق الصرف، فضلاً عن تطوير سياسات مالية قادرة على تحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي في ظل الظروف الانتقالية المعقدة التي تمر بها البلاد.
ومع ذلك، فإن خبرة حامد جبريل الطويلة في مجالات السياسات النقدية وإدارة العلاقات المالية الدولية تمنح الحكومة الانتقالية رصيداً فنياً يمكن البناء عليه في إدارة واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية حساسية في تاريخ السودان الحديث.
ويبدو أن حكومة السلام، عبر هذا التعيين، تسعى إلى إرسال رسائل طمأنة للداخل والخارج بأنها ماضية نحو بناء مؤسسات اقتصادية تعتمد على الخبرة المهنية والكفاءة الفنية، في محاولة لفتح صفحة جديدة في إدارة الاقتصاد السوداني خلال المرحلة الانتقالية.