Fajr Press

حركات الإسلام السياسي بين المشروع الأيديولوجي وإخفاق الدولة .. مسار التحولات التنظيمية: من الإخوان المسلمين إلى سلطة الدولة (2)

بقلم - أدم مكرم

لفهم تجربة الإسلام السياسي في السودان لا يكفي النظر إلى مرحلة الحكم التي بدأت عام 1989، بل يتطلب الأمر العودة إلى المسار التاريخي للحركة الإسلامية وتحولاتها التنظيمية والسياسية المتعاقبة. فمنذ بداياتها الأولى تحت اسم جماعة الإخوان المسلمين، ثم انتقالها إلى جبهة الميثاق الإسلامي، فالجبهة الإسلامية القومية، وصولا إلى ثورة الإنقاذ وما أعقبها من تأسيس الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، ثم الانقسام الشهير الذي أفرز المؤتمر الشعبي، ظلت الحركة تعيد إنتاج نفسها بأسماء وصيغ تنظيمية مختلفة في محاولة للتكيف مع المتغيرات السياسية والاجتماعية.
ويلاحظ في هذا المسار أن تعدد المسميات لم يكن مجرد تطور تنظيمي طبيعي، بل عكس في كثير من الأحيان أزمات داخلية ومحاولات متكررة لإعادة التموضع السياسي بعد كل مرحلة من مراحل الصراع أو الإخفاق. فقد انتقلت الحركة من خطاب المعارضة إلى خطاب المشاركة، ثم إلى احتكار السلطة، قبل أن تنتهي إلى انقسامات حادة داخل بنيتها القيادية نفسها.
وفي سياق الحرب الأهلية، وظفت الجبهة الإسلامية القومية قضية جنوب السودان باعتبارها إحدى أدوات التعبئة السياسية والأيديولوجية، مقدمة الصراع في كثير من الأحيان ضمن إطار ديني وثقافي أكثر من كونه أزمة وطنية مرتبطة ببناء الدولة وإدارة التنوع. غير أن النتيجة النهائية كانت انفصال الجنوب عام 2011، وهو الحدث الذي مثّل ضربة جوهرية للمشروع الذي رفع شعارات الوحدة والنهضة الحضارية.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، تكشف هذه التحولات المتلاحقة عن إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين التنظيم والسلطة. فبدلا من التدرج في بناء قاعدة اجتماعية واسعة وترسيخ مؤسسات سياسية مستقرة، بدا أن هاجس الوصول إلى السلطة ظل حاضرا بقوة في مسار الحركة منذ مراحل مبكرة. ويعزز هذا الانطباع أن التنظيم انتقل في فترات قصيرة نسبيا بين أشكال مختلفة من العمل السياسي، وصولا إلى السيطرة الكاملة على الدولة عبر الانقلاب العسكري، متجاوزا المسارات الديمقراطية التقليدية التي تقوم على التراكم المجتمعي والتنافس السياسي المفتوح.
كما ارتبطت هذه المرحلة بظهور أنماط من الاستقطاب الحاد داخل الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، حيث شهدت الساحة الطلابية مواجهات وصدامات سياسية متكررة بين التنظيمات المختلفة. وتحولت الجامعات، التي يفترض أن تكون فضاء للحوار والتنافس الفكري، إلى ساحات صراع سياسي وتنظيمي أسهمت في ترسيخ خطاب الإقصاء والعنف الرمزي وأحيانا العنف المباشر.
وقد بلغت الأزمة الداخلية ذروتها مع المفاصلة الشهيرة بين أقطاب السلطة والحركة الإسلامية في نهاية تسعينيات القرن الماضي. ولم يكن الانقسام مجرد خلاف سياسي عابر، بل كشف عن صراع عميق حول النفوذ والسلطة وآليات اتخاذ القرار داخل المشروع الإسلامي نفسه. وأنتجت تلك المرحلة خطابا متبادلا اتسم أحيانا بالتخوين والتشهير السياسي، كما أفرزت وثائق وسجالات كان أبرزها ما عُرف بـ الكتاب الأسود، التي سلطت الضوء على اختلالات توزيع السلطة والثروة داخل الدولة، وفتحت الباب أمام نقاشات واسعة حول التهميش والعدالة السياسية.
إن تتبع هذا المسار التاريخي يكشف أن أزمة الحركة الإسلامية في السودان لم تكن مرتبطة فقط بإدارة الدولة بعد الوصول إلى الحكم، بل كانت كامنة أيضا في بنية المشروع نفسه، وفي التناقض بين الطموح السريع للسيطرة على السلطة وبين متطلبات البناء المجتمعي طويل الأمد. فالتبدل المستمر في الأسماء والهياكل، والانقسامات المتكررة، والصراعات الداخلية، جميعها تعكس صعوبة الانتقال من تنظيم عقائدي يسعى إلى التعبئة والحشد إلى مؤسسة سياسية قادرة على إدارة دولة متعددة الأعراق والثقافات والمصالح.

كمبالا – 3 – يونيو 2026م.

engineermakram@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.