Fajr Press

انطلاق إمتحانات الشهادة السودانية .. هزيمة ساحقة لمشروع حرمان الطلاب من التعليم.

نيالا - فجر برس

تمثل انطلاقة امتحانات الشهادة السودانية في المناطق الخاضعة لسيطرة تحالف تأسيس وحكومة السلام محطة مفصلية في مسار العملية التعليمية بالسودان، إذ تنظر إليها قطاعات واسعة من الأسر والطلاب باعتبارها انتصارًا لإرادة التعليم في مواجهة الحرب والانقسام السياسي الذي ضرب مؤسسات الدولة خلال السنوات الأخيرة.

وأعلنت حكومة السلام رسمياً انطلاق امتحانات الشهادة السودانية يوم الأحد الموافق 7 يونيو 2026، في 77 مركزاً رئيسياً وثمانية مراكز للطوارئ، بعد اكتمال الترتيبات الفنية والإدارية واللوجستية الخاصة بالامتحانات.

ويأتي ذلك في ظل أوضاع استثنائية فرضتها الحرب وتسببت في تعطيل المسيرة التعليمية لملايين الطلاب في مختلف أنحاء البلاد.

ويرى مراقبون أن مجرد نجاح الجهات المنظمة في الوصول إلى هذه المرحلة يمثل إنجازاً كبيراً بالنظر إلى التحديات الأمنية والإدارية والمالية التي صاحبت الإعداد للامتحانات. فعملية تنظيم امتحانات قومية في ظل الانقسام السياسي وتعطل العديد من مؤسسات الدولة تعد اختباراً لقدرة المؤسسات التعليمية على الاستمرار رغم الظروف المعقدة.

وخلال مؤتمر صحفي بمدينة نيالا، أكد وزير الإعلام والناطق الرسمي باسم حكومة السلام خالد دناع اكتمال جميع الترتيبات الخاصة بالامتحانات، مشدداً على أن الحكومة وضعت العملية التعليمية ضمن أولوياتها الأساسية، وأنها حريصة على ضمان جلوس الطلاب للامتحانات في بيئة آمنة ومستقرة.

وأوضح دناع أن الحكومة بذلت جهوداً مكثفة من أجل التوصل إلى صيغة توافقية لإجراء امتحانات موحدة على مستوى البلاد، إلا أن تلك المساعي لم تحقق أهدافها.

واعتبر أن فشل مبادرات توحيد الامتحانات دفع حكومة السلام إلى المضي قدماً في تنظيم الامتحانات حفاظاً على مستقبل آلاف الطلاب الذين ظلوا ينتظرون فرصة الجلوس للشهادة السودانية.

وتبرز أهمية هذه الخطوة في أنها توفر فرصة تعليمية لآلاف الطلاب من مناطق مختلفة تشمل دارفور وكردفان وجبال النوبة والنيل الأزرق والإقليم الأوسط، وهي مناطق تأثرت بشكل مباشر بتداعيات الحرب والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية.

من جانبه أكد رئيس اللجنة الإشرافية العليا لامتحانات الشهادة السودانية حافظ عمر اكتمال جميع الإجراءات الفنية المتعلقة بإعداد الامتحانات، موضحاً أن عمليات الكنترول والطباعة والتغليف والتأمين قد أُنجزت بصورة كاملة. كما أشار إلى أن الامتحانات تشمل المساقات الأكاديمية المختلفة، بما في ذلك العلمي والأدبي والصناعي والدراسات الإسلامية.

وتشير الأرقام المعلنة إلى أن أكثر من تسعة آلاف طالب وطالبة سيجلسون للامتحانات في هذه الدورة، وهو رقم يعكس حجم الطلب المتزايد على استئناف العملية التعليمية في المناطق المتأثرة بالحرب. كما أعلنت اللجنة عن تخصيص مراكز للطوارئ بهدف استيعاب أي طلاب قد يصلون إلى مناطق الامتحانات في اللحظات الأخيرة.

ولا تقتصر أهمية الامتحانات على بعدها الأكاديمي فحسب، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية وإنسانية أوسع. فالآلاف من الأسر السودانية ظلت تعيش حالة من القلق بشأن مستقبل أبنائها بعد سنوات من الاضطرابات التي عطلت الدراسة وأجبرت أعداداً كبيرة من الطلاب على النزوح والتنقل بين الولايات والأقاليم.

وفي هذا السياق، ينظر كثير من المهتمين بالشأن التعليمي إلى الامتحانات باعتبارها رسالة مفادها أن حق التعليم لا ينبغي أن يكون رهينة للصراعات السياسية أو العسكرية. ويؤكد هؤلاء أن استمرار العملية التعليمية يمثل أحد أهم عوامل حماية المجتمع من الآثار طويلة المدى للحرب، خاصة وسط الأجيال الشابة.

كما تعكس الخطوة إصرار المؤسسات التعليمية والعاملين في قطاع التعليم على مواصلة أداء دورهم رغم الصعوبات الهائلة. فقد تطلب الإعداد للامتحانات جهوداً كبيرة شملت تجهيز المراكز وتأمينها وتوفير الكوادر المشرفة وترحيل المواد الامتحانية إلى مناطق متباعدة جغرافياً.

ومن منظور أوسع، تمثل هذه الامتحانات اختباراً لقدرة السودانيين على حماية المؤسسات الوطنية الحيوية من الانهيار الكامل. فالتعليم ظل تاريخياً أحد أهم عناصر الوحدة الوطنية السودانية، وتعتبر الشهادة السودانية من أكثر المؤسسات التعليمية رسوخاً في الوجدان الوطني.

ويقول مؤيدو هذه الخطوة إن نجاح الامتحانات في مناطق سيطرة تحالف تأسيس يشكل هزيمة لكل السياسات التي أدت إلى تعطيل حق الطلاب في التعليم، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن مستقبل الطلاب يجب أن يظل فوق الخلافات السياسية والاستقطابات العسكرية. كما يرون أن تمكين آلاف الطلاب من الجلوس للامتحانات يفتح الباب أمام استعادة الأمل لدى جيل كامل تأثر بالحرب بصورة مباشرة.

ومع اقتراب موعد انطلاق الامتحانات، تتجه الأنظار إلى مراكز الامتحان المنتشرة في مختلف المناطق لمتابعة سير العملية الامتحانية ومدى نجاحها في تحقيق أهدافها المعلنة. وبينما يستعد آلاف الطلاب لدخول قاعات الامتحان، يبقى الأمل معقوداً على أن تشكل هذه الخطوة بداية لعودة أكثر انتظاماً للعملية التعليمية، وأن تسهم في حماية حق الأجيال السودانية في التعليم مهما كانت التحديات والظروف المحيطة.

وفي بلد أنهكته الحرب والانقسامات، تبدو عودة الطلاب إلى مقاعد الامتحانات حدثاً يتجاوز الأرقام والإجراءات الإدارية، ليصبح رمزاً لصمود المجتمع وتمسكه بحق أبنائه في التعليم ومستقبل أفضل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.