تمر علينا الذكرى السنوية لفض اعتصام القيادة العامة، تلك الجريمة التي شكلت واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في التاريخ السياسي السوداني الحديث، والتي لم تستهدف المعتصمين فحسب، بل استهدفت أيضاً الحلم الجماعي الذي صنعته ثورة ديسمبر المجيدة في بناء وطن الحرية والسلام والعدالة.
غير أن هذه الذكرى تحل هذا العام في ظل واقع مختلف تماماً. فالحرب المستمرة منذ الخامس عشر من أبريل لم تدمر البنية التحتية للدولة وحسب، بل أصابت المجال السياسي والمدني نفسه بحالة من التشظي والإنهاك، حتى باتت المناسبات الثورية الكبرى تمر دون ذلك الزخم الجماهيري الذي اعتاده السودانيون في سنوات الثورة الأولى. وبينما كانت ذكرى أكتوبر، وانتفاضة أبريل، والهبات الجماهيرية المختلفة تمثل مناسبات لاستنهاض الوعي وتجديد العهد مع أهداف التغيير، أصبحت هذه الذكريات اليوم أقرب إلى محطات لاستدعاء الماضي أكثر من كونها لحظات لإنتاج رؤية جديدة للمستقبل.
وهنا يبرز سؤال مشروع: هل تراجع بريق هذه المناسبات الثورية نتيجة ظروف الحرب وحدها، أم أنه يعكس أزمة أعمق داخل الحركة الثورية السودانية نفسها؟
لا شك أن الحرب فرضت واقعاً استثنائياً على القوى السياسية والمدنية. فقد توزعت الكوادر والقيادات بين مناطق سيطرة الأطراف المتحاربة، ووجد كثير من الناشطين أنفسهم في مواجهة تحديات تتعلق بالأمن الشخصي وضرورات البقاء، وهي ظروف لا يمكن التقليل من أثرها. لكن الاعتراف بهذه الحقائق لا ينبغي أن يحجب الحاجة إلى ممارسة النقد والمراجعة، فالثورات لا تحافظ على حيويتها عبر الاحتفال بالذكريات فقط، وإنما عبر التقييم المستمر لتجاربها وأخطائها.
ومن بين القضايا التي تستحق التوقف عندها في كل ذكرى لفض الاعتصام، قضية فض اعتصام نيالا الذي سبق جريمة القيادة العامة. فقد مثل ذلك الحدث، في نظر كثيرين، اختباراً مبكراً لمدى استعداد القوى الثورية للدفاع عن حق الجماهير في التنظيم والاحتجاج السلمي. وكان من الممكن النظر إليه باعتباره جرس إنذار مبكراً يكشف طبيعة القوى المضادة للثورة واستعدادها لاستخدام العنف ضد الحراك الشعبي. غير أن ردود الأفعال السياسية آنذاك لم ترتقِ إلى مستوى التحدي، ولم تُقرأ الواقعة باعتبارها مؤشراً خطيراً يستوجب تعبئة سياسية وجماهيرية واسعة.
ولا يتعلق الأمر هنا بإعادة كتابة التاريخ أو توزيع الاتهامات بأثر رجعي، بل بضرورة فهم كيفية تراكم الأخطاء السياسية التي مهدت الطريق لكوارث أكبر. فالثورات لا تُهزم عادة بضربة واحدة، وإنما بسلسلة من التنازلات والتقديرات الخاطئة والفرص الضائعة.
لقد كشفت السنوات الماضية عن أزمة داخل قطاعات من القوى التي قادت الحراك الثوري، تمثلت في ضعف المراجعة النقدية الجادة، والاعتماد المفرط على التوافقات السياسية قصيرة المدى، مقابل إهمال بناء أدوات الرقابة الشعبية والتنظيم الجماهيري القادر على حماية مكتسبات الثورة. كما أظهرت التجربة أن إسقاط رأس النظام لا يعني بالضرورة تفكيك البنى السياسية والاجتماعية والعسكرية التي يستند إليها النظام القديم.
واليوم، بينما يعيش السودان واحدة من أخطر لحظات تاريخه المعاصر، تكتسب عملية المراجعة أهمية مضاعفة. فالمطلوب ليس البكاء على الأطلال الثورية، ولا الاكتفاء باستدعاء صور الشهداء وشعارات الماضي، وإنما طرح أسئلة جوهرية حول أسباب تعثر الانتقال الديمقراطي، وأسباب عجز القوى المدنية عن بناء مركز موحد للمقاومة السياسية والاجتماعية، وكيف يمكن استعادة المبادرة الوطنية بعيداً عن الاستقطابات التي غذتها الحرب.
إن الوفاء الحقيقي لضحايا فض الاعتصام لا يتحقق عبر إحياء الذكرى فحسب، بل عبر تحويل الذاكرة إلى أداة للفهم والنقد والتجديد. فالثورة التي لا تراجع تجربتها محكوم عليها بتكرار أخطائها، أما الثورة التي تمتلك شجاعة النقد الذاتي فهي وحدها القادرة على تجديد مشروعها واستعادة دورها التاريخي.
وبين الذاكرة والحرب، وبين الحنين إلى الماضي وضرورات المستقبل، يبقى السؤال مفتوحاً أمام القوى الثورية السودانية: هل تتحول ذكرى فض الاعتصام إلى مناسبة للمراجعة وإعادة البناء، أم تبقى مجرد محطة أخرى في مسار اجترار الذكريات؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مصير الحركة الثورية، بل ربما تحدد أيضاً ملامح السودان الذي سيخرج من تحت أنقاض هذه الحرب.
كمبالا – 6 – يونيو – 2026
engineermakram@gmail.com