Fajr Press

حين تتوافق “الكتلة الديمقراطية” و “صمود” .. تشابه “البيض” و “الحميض”

كتب - عبدالرحمن العاجب

أثارت مخرجات الاجتماعات التشاورية التي عقدتها الآلية الخماسية في أديس أبابا كثيراً من الجدل في الأوساط السياسية السودانية، ليس فقط بسبب القوى التي شاركت فيها، وإنما أيضاً بسبب طبيعة التوافقات التي أُعلن عنها بين أطراف ظلت لسنوات تتبادل الاتهامات وتحمل رؤى متباينة حول جذور الأزمة السودانية ومستقبل الدولة. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو التوافق الذي جمع بين تحالف “صمود” والكتلة الديمقراطية، وهو توافق يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى حالة “تشابه البيض والحميض”؛ إذ يجمع بين أطراف تختلف في الخطاب لكنها تلتقي في كثير من الممارسات السياسية التي ساهمت في تعقيد المشهد السوداني.

لا شك أن أي جهد يهدف إلى وقف الحرب وإنهاء معاناة السودانيين يستحق الترحيب والدعم. فالبلاد تعيش واحدة من أسوأ أزماتها في تاريخها الحديث، والحاجة إلى حلول سياسية أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. غير أن نجاح أي عملية سياسية لا يقاس فقط بالشعارات التي ترفعها، وإنما أيضاً بمدى اتساق مواقف المشاركين فيها مع المبادئ التي يدعون إليها، وعلى رأسها الشمول وعدم الإقصاء واحترام التعدد السياسي.

ومن هذه الزاوية تحديداً تبرز مفارقة يصعب تجاهلها. فالكتلة الديمقراطية التي وقعت على التوافق السياسي في أديس أبابا جاءت إلى الاجتماعات وهي ترفض الجلوس مع تحالف “تأسيس”، وتعلن مسبقاً عدم قبول مشاركته في أي عملية حوار سياسي. وهذا الموقف يثير تساؤلات مشروعة حول الكيفية التي يمكن بها بناء عملية سياسية شاملة بينما يتم استبعاد أطراف رئيسية ومؤثرة في الصراع السوداني قبل بدء الحوار أصلاً.

الأكثر إثارة للانتباه أن الكتلة الديمقراطية نفسها ظلت خلال السنوات الماضية ترفع شعار الحوار الشامل وترفض الإقصاء السياسي، وكانت من أبرز المنتقدين لسياسات الاستبعاد التي مارستها قوى أخرى في مراحل مختلفة من الانتقال السياسي. لذلك يبدو من الصعب فهم كيف يتحول مبدأ الشمول الذي كانت تدافع عنه إلى موقف انتقائي يقبل بعض الأطراف ويرفض أخرى وفقاً للاعتبارات السياسية الآنية.

كما أن الكتلة الديمقراطية تواجه إشكالية سياسية وأخلاقية تتعلق بدورها في الأزمة التي سبقت اندلاع الحرب الحالية. فقد كانت مكونات رئيسية داخل الكتلة من أبرز المشاركين في اعتصام القصر الجمهوري خلال أكتوبر 2021، وهو الاعتصام الذي اعتبره كثير من السودانيين جزءاً من المناخ السياسي الذي مهّد لانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر. وبغض النظر عن التبريرات التي قُدمت لاحقاً، فإن ذلك الحدث مثّل نقطة تحول خطيرة في مسار الانتقال الديمقراطي، وأسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إضعاف المؤسسات الانتقالية وتعميق الانقسام السياسي الذي قاد البلاد لاحقاً إلى الانهيار الشامل.

ومن هنا فإن مطالبة الكتلة الديمقراطية اليوم بلعب دور الحارس على العملية السياسية وتحديد من يحق له المشاركة ومن يجب استبعاده تبدو محل نقاش مشروع. فالمنطق السياسي السليم يقتضي أن تعترف جميع الأطراف بمسؤوليتها عن الأخطاء التي أوصلت السودان إلى هذا المأزق، بدلاً من تقديم نفسها باعتبارها صاحبة الحق الحصري في تحديد مستقبل البلاد.

ولا يقتصر الأمر على الكتلة الديمقراطية وحدها، فالتوافق الذي جمعها مع تحالف “صمود” يكشف أيضاً عن تناقضات داخل معسكر القوى المدنية نفسها. فالأطراف التي كانت تتبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن فشل الانتقال الديمقراطي عادت لتجلس على طاولة واحدة عندما اقتضت الضرورة السياسية ذلك. وهذا في حد ذاته ليس أمراً سلبياً، بل قد يكون مطلوباً إذا كان الهدف هو الوصول إلى تسوية وطنية واسعة. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول التوافق بين هذه الأطراف إلى أداة لإقصاء قوى أخرى بدلاً من توسيع دائرة المشاركة الوطنية.

إن الأزمة السودانية الحالية أكبر من أن تُحل عبر تحالفات ظرفية أو تفاهمات بين مجموعات محدودة مهما كان وزنها السياسي. فالحرب التي مزقت البلاد خلقت واقعاً جديداً لا يمكن تجاوزه عبر إعادة إنتاج الأساليب القديمة نفسها التي قامت على الاحتكار السياسي والاستبعاد المتبادل. وإذا كانت القوى السياسية قد توصلت أخيراً إلى قناعة بأن الحوار هو الطريق الوحيد للخروج من الأزمة، فإن أول اختبار لصدق هذه القناعة هو قبول الجلوس مع المختلفين سياسياً، لا مع المتفقين فقط.

لقد أثبتت التجربة السودانية خلال العقود الماضية أن سياسة الإقصاء لا تنتج سوى مزيد من الأزمات. وكل طرف مارسها بالأمس وجد نفسه ضحية لها في مرحلة لاحقة. ولذلك فإن أي عملية سياسية جادة ينبغي أن تقوم على مبدأ المشاركة الواسعة، مع استبعاد من تثبت مسؤوليته القانونية عن الجرائم والانتهاكات عبر مؤسسات العدالة، لا عبر الأحكام السياسية المسبقة.

إن ما يحتاجه السودان اليوم ليس توافقاً بين “صمود” والكتلة الديمقراطية أو بين أي تحالفين سياسيين فحسب، وإنما توافق وطني أوسع يعترف بتعدد مكونات المشهد السوداني ويضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الحزبية الضيقة. أما استمرار بعض الأطراف في ممارسة حق الفيتو على الآخرين، بينما تتجاهل دورها في صناعة الأزمة، فلن يؤدي إلا إلى إعادة تدوير الفشل الذي دفع السودان ثمناً باهظاً له.

ولهذا فإن نجاح أي مسار سياسي جديد لن يقاس بعدد البيانات المشتركة التي تصدر من الفنادق وقاعات الاجتماعات، بل بقدرته على كسر الحلقة المفرغة التي ظلت تحكم السياسة السودانية لسنوات: التحالف من أجل الإقصاء، ثم الإقصاء باسم الديمقراطية. وعندما يحدث ذلك فقط يمكن القول إن السودان بدأ بالفعل طريق الخروج من أزمته التاريخية، وإلى أن يحين ذلك القوت يبقى فرز “البيض” من “الحميض” ضرورة وطنية حتى تتضح الحقائق أمام الشعب السوداني بعيدًا عن التضليل والالتباس. فتمييز الصادق من المدّعي، والمصلحة العامة من المصالح الضيقة، يساعد على بناء وعيٍ حقيقي يمكّن المواطنين من اتخاذ مواقف مستنيرة، ويعزز الثقة والشفافية في مسيرة الوطن نحو الاستقرار والتنمية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.