Fajr Press

امتحانات الشهادة السودانية بعد حرب 15 أبريل .. قضية عدالة لا قضية تعليم.

كتب - حسن مستشار

منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، دخلت البلاد في أزمة شاملة طالت مختلف جوانب الحياة. تعطلت مؤسسات الدولة، وتراجعت الأنشطة الاقتصادية، وتضررت الخدمات الأساسية، وكان قطاع التعليم من أكثر القطاعات تأثرًا بصورة مباشرة وعميقة.

وفي الوقت الذي انشغلت فيه القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والقطاعات المهنية بمتابعة التطورات العسكرية والسياسية، ظل آلاف الطلاب يعيشون معاناة صامتة، وهم يشاهدون أحلامهم ومستقبلهم الدراسي يتبددان يومًا بعد يوم.

ويُعد طلاب الشهادة السودانية من أكثر الفئات تضررًا من تداعيات الحرب، لأنهم يقفون عند مرحلة مفصلية تحدد مسارهم الأكاديمي والمهني. فالشهادة السودانية ليست مجرد امتحان ينتهي بالحصول على درجات، وإنما تمثل البوابة التي يعبر من خلالها الطالب إلى التعليم الجامعي وسوق العمل والمشاركة الفاعلة في بناء المجتمع والوطن. وعندما تُغلق هذه البوابة أمام أعداد كبيرة من الطلاب بسبب ظروف الحرب، فإن القضية تتجاوز حدود التعليم لتصبح قضية عدالة وحقوق أساسية.

لقد أفرزت الحرب واقعًا جديدًا يقوم على تفاوت الفرص وعدم المساواة بين الطلاب. فهناك أسر امتلكت الموارد المالية والإمكانات التي مكنتها من إرسال أبنائها إلى الولايات الآمنة أو إلى دول مجاورة لمواصلة الدراسة والجلوس للامتحانات. كما تمكنت هذه الأسر من تحمل تكاليف السفر والإقامة والدروس الخاصة، وتوفير بيئة تعليمية مناسبة لأبنائها حتى لا يتعطل مستقبلهم.

وهنا يبرز سؤال جوهري: أين دور الدولة؟

إنه سؤال ينبغي أن يشغل بال كل سوداني حريص على مستقبل بلاده. فقد أوجدت الحرب واقعًا مؤلمًا أصبحت فيه فرص النجاح والالتحاق بالتعليم العالي مرتبطة في كثير من الأحيان بالوضع الاقتصادي للأسرة أكثر من ارتباطها بقدرات الطالب واجتهاده. فكم من طالب متفوق حُرم من الجلوس للامتحانات لأن أسرته لم تستطع تحمل تكاليف الانتقال إلى مراكز الامتحانات، وكم من طالب كان يحلم بدراسة الطب أو الهندسة أو العلوم، لكن الحرب والفقر والنزوح وقفت جميعها حائلًا بينه وبين تحقيق طموحه.

إن استمرار هذا الوضع دون معالجة حقيقية يعني تكريس عدم المساواة داخل المجتمع السوداني. فبدلًا من أن يكون التعليم وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، يتحول إلى عامل يعمق الفجوة بين أبناء الوطن الواحد. وهذه نتيجة خطيرة لا تهدد مستقبل الأفراد فحسب، بل تهدد مستقبل السودان نفسه، لأن الأوطان لا تُبنى عندما تُتاح الفرص لفئة وتحرم منها فئة أخرى بسبب ظروف خارجة عن إرادتها.

ومن هذا المنطلق، فإن مسؤولية أي سلطة وطنية تتولى إدارة شؤون البلاد لا تقتصر على تنظيم الامتحانات فحسب، بل تشمل أيضًا معالجة الآثار والاختلالات التي خلفتها الحرب في العملية التعليمية. ومن أهم خطوات المعالجة توفير فرص بديلة وعادلة للطلاب الذين لم يتمكنوا من الجلوس للامتحانات بسبب النزوح أو انعدام الأمن أو الظروف الاقتصادية التي فرضتها الحرب.

كما ينبغي أن تحظى هذه الامتحانات البديلة باعتراف كامل من الجهات المختصة، وأن تتمتع بالقيمة القانونية والأكاديمية نفسها التي تتمتع بها الشهادة السودانية الرسمية، حتى لا يتعرض الطلاب لأي شكل من أشكال التمييز عند التقديم للجامعات أو المؤسسات التعليمية داخل السودان أو خارجه.

فالطلاب الذين حُرموا من الامتحانات ليسوا مسؤولين عن الحرب، ولم يختاروا النزوح أو اللجوء أو الفقر الذي فرضته عليهم الظروف. ولذلك لا يجوز أن يتحملوا وحدهم تبعات صراع سياسي وعسكري لم يكونوا طرفًا فيه. ومن واجب الدولة والمجتمع معًا حماية حقهم في التعليم وضمان عدم ضياع سنوات من أعمارهم بسبب ظروف قاهرة.

إن مستقبل السودان الحقيقي لا يصنعه السلاح ولا تحسمه ساحات القتال، بل تصنعه عقول أبنائه وبناته. وكل طالب يُحرم من حقه في التعليم يمثل خسارة للوطن بأكمله. لذلك فإن توفير امتحانات بديلة ومعترف بها ليس مجرد استجابة لمطلب طلابي، بل هو استحقاق وطني وأخلاقي، وخطوة ضرورية لتحقيق العدالة وإنقاذ جيل كامل من الضياع.

وإذا كان أبناء الأسر المقتدرة قد تمكنوا من إيجاد طرق لمواصلة تعليمهم، فإن الواجب الوطني والإنساني يقتضي ألا يُترك أبناء الأسر البسيطة لمواجهة مصير مجهول. فالعدالة الحقيقية تعني أن يحصل الجميع على الفرصة نفسها، وألا يكون الفقر أو النزوح أو آثار الحرب سببًا في حرمان أي طالب من حقه في مستقبل يستحقه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.