Fajr Press

حين ينقسم الضمير قبل الوطن: صمت المدافعين ومخاطر التشظي الوطني.

كتب - أدم مكرم

لا تبدأ الأوطان بالانقسام عند خطوط التماس أو حدود الجغرافيا، بل تبدأ لحظة انقسام الضمير الجمعي تجاه الألم الإنساني. فعندما يصبح الظلم الذي يقع في منطقة ما قضية وطنية، بينما يُقابل الظلم ذاته في منطقة أخرى بالصمت أو التجاهل، فإن الخلل لا يكون في الخطاب الحقوقي وحده، بل في الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه فكرة الوطن نفسها.
لقد تأسست مبادئ حقوق الإنسان على قاعدة جوهرية مفادها أن الكرامة الإنسانية لا تعرف عرقًا ولا جهةً ولا انتماءً سياسيًا أو جغرافيًا. غير أن الواقع يكشف أحيانًا عن حالة مقلقة من الانتقائية؛ حيث يرتفع صوت بعض المدافعين عن الحقوق عندما تقع الانتهاكات داخل دوائرهم الجغرافية أو الاجتماعية، بينما يخفت أو يغيب تمامًا عندما تتكرر المآسي ذاتها في مناطق أخرى بعيدة عن مجال اهتمامهم أو انتمائهم.

هذه الظاهرة ليست مجرد قصور مهني أو أخلاقي، بل تحمل في طياتها مخاطر بعيدة المدى على تماسك المجتمعات واستقرار الدول. فحين تشعر فئات من المواطنين بأن معاناتها لا تجد من يدافع عنها، وأن العدالة تُمنح وفقًا لمعايير القرب والهوية لا وفقًا لمعايير الحق والإنسانية، تتآكل الثقة في المؤسسات المدنية والحقوقية، وتتسع الفجوة النفسية بين مكونات الوطن الواحد.

إن أخطر ما يخلّفه الصمت الانتقائي أنه يرسخ شعورًا ضمنيًا بوجود مواطنين أكثر استحقاقًا للتضامن من غيرهم، ويصنع خرائط غير مرئية للانتماء والاهتمام، الأمر الذي قد يتحول مع الزمن إلى بيئة خصبة للمرارات التاريخية والاستقطاب الاجتماعي والتشظي الوطني.

فالمدافع عن الحقوق لا يُختبر في القضايا التي تحظى بالإجماع أو التغطية الإعلامية الواسعة، وإنما يُختبر في قدرته على الانتصار للمبدأ حين يكون الثمن أعلى، وحين يكون الضحايا خارج دوائر النفوذ والاهتمام. فالمصداقية الحقوقية لا تُقاس بعلو الصوت، بل بثبات الموقف.

إن الوطن الذي تتساوى فيه الآلام هو وطن قادر على البقاء، أما الوطن الذي تُصنف فيه المظالم وفق الجغرافيا والانتماءات، فإنه يفتح أبوابه تدريجيًا أمام الانقسام، حتى وإن ظلت حدوده السياسية قائمة.

ولهذا فإن المسؤولية الأخلاقية للمدافعين والناشطين اليوم تتجاوز توثيق الانتهاكات وإدانتها؛ إنها مسؤولية حماية المعنى العميق للوطن، عبر ترسيخ مبدأ أن كرامة الإنسان واحدة، وأن العدالة لا ينبغي أن تعرف اتجاهات البوصلة ولا خرائط النفوذ.
فالأوطان لا تنهار فقط بفعل الحروب والصراعات، بل قد تنهار أيضًا عندما يفقد أبناؤها الإحساس بأن آلامهم تحظى بالقيمة نفسها في ضمير المدافعين عنها.

كمبالا ٢٠يونيو٢٠٢٦ م
engineermakram@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.