Fajr Press

“الخماسية”.. ماذا تريد؟!

كتب - د. عمر القراي

(فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ)
صدق الله العظيم

في الأيام الماضية، دعت “الخماسية” -والتي تتكون من: الهيئة الحكومية للتنمية “إيقاد”، والإتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة- كل القوى السودانية السياسية، في تجمعاتها الكبيرة، لاجتماع يعقد في اديس ابابا، في مطلع هذا الشهر. ولقد أعلنت “تأسيس” في بيان لها، أنها لن تحضر هذا الاجتماع، رغم تقديرها للجهود التي بذلتها “الخماسية” من قبل. وذلك لأسباب تتعلق بطريقة إدارة “الخماسية”، وكيفية تحديد مشاركة الأطراف، وما صاحبها من خلل، يستدعي مراجعة شاملة للعملية السياسية، وفق المرجعيات، والأسس الموضوعية لتصميمها.

كما أعلنت “صمود” أنها لن تحضر الاجتماع، ليس رفضاً لمبدأ الحوار، ولكن لما صاحب عمل “الخماسية”، من منهجية لا تؤدي الى عملية ذات مصداقية، لأن ما تطرحه “الخماسية”، ينتج حلولاً تكافئ من أشعل الحرب، وما زالوا يشجعون استمرارها. وأن “صمود” تؤكد على موقفها، الواضح الصريح، بأن المؤتمر الوطني، وواجهاته، لا ينبغي أن يكونوا جزءاً من العملية السياسية. كما صدر بيان باسم “قوى إعلان المبادئ السوداني”، يعلن أنه لن يحضر الاجتماع. وأنه يرى أن أي عملية سياسية جادة، يجب أن تكون سودانية الملكية والإرادة، يتولى السودانيون من خلالها تحديد أطرافها، وصياغة أجندتها، ورسم مسارها. ويذكر البيان، أنهم سبق ان قدموا ملاحظات، وتحفظات جوهرية، تتعلق بصميم العملية السياسية، وإجراءاتها للخماسية، ولكنها لم تستجب لها. كما أكدوا أن إطلاق عملية سياسية حقيقية، يتطلب مشاركة جميع القوى السياسية المدنية السودانية، صاحبة المصلحة في إيقاف الحرب، وتحقيق السلام العادل الشامل المستدام، مع تأكيد استبعاد المؤتمر الوطني، والحركة الإسلامية وواجهاتها. كما أصدر حزب الأمة القومي بياناً، يعلن فيه أنه لن يحضر الاجتماع. ويؤكد فيه على ما جاء في بيان قوى إعلان المبادئ. ويؤكد بأن العملية السياسية، يجب أن تكون لها ملكية سودانية كاملة، بحيث يكون السودانيون هم أصحاب القرار، في تصميمها، وإدارتها، بينما يكون دور الشركاء الإقليميين والدوليين، التسيير، والدعم، وضمان تنفيذ ما يتم التوافق عليه. كما أكد حزب الأمة، رفضه القاطع، لأي محاولات للالتفاف على المبادئ، التي تم التوافق عليها سابقاً. ويؤكد موقفه الثابت، الرافض لأي محاولة لإعادة انتاج نظام الثلاثين من يونيو، عبر اشراك المؤتمر الوطني، والحركة الإسلامية، وواجهاتها السياسية والتنظيمية، في أي عملية سياسية، لما يتحملانه من مسؤولية تاريخية، عن تقويض النظام الدستوري، وإشعال الحرب، والاستمرار في تأجيج الصراع.
لا يملك المرء إلا أن يشيد، بهذا الموقف الوطني الواعي، الذي وقفته كل هذه المجموعات، وحزب الأمة القومي، ورفضت به اجتماع “الخماسية”، حتى تراجع مواقفها، وأجندتها لمصلحة الوطن. على أن موقف حزب الأمة القومي الناصع، قد تشوه بظهور السيدة مريم الصادق المهدي، تقود وفداً من أعضاء في حزب الأمة القومي، وتذهب الى اجتماع “الخماسية”، كما وردت الأخبار يوم 4 أغسطس 2026م رغم رفض حزبها الواضح بالبيان الذي أشرنا إليه أعلاه!! ومريم الصادق، بالإضافة الى الانتهازية، وقصر النظر، تريد أن تثبت أنها الرئيس الفعلي لحزب الأمة، ولا تعبأ بما تصدر رئاسة الحزب من آراء، ثم هي لا تصبر عن اللحاق بمطامع السلطة، ولو بتزلف الإخوان المسلمين!!
السؤال هو: لماذا تصر “الخماسية”، على فرض البرهان، والمؤتمر الوطني، والحركة الإسلامية، على مستقبل الوضع السياسي في السودان؟! ولماذا لا تقبل “الخماسية” بيان “الرباعية” (الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية والامارات ومصر)، الذي وافقت عليه كافة المجموعات السياسية السودانية، والذي ذكر بالتحديد، ضرورة إبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتها، من مستقبل العمل السياسي في السودان؟!
لقد كان موقف مصر منذ البداية، هو دعم حكومة البرهان في الحرب، بل إن مصر مسؤولة عن قيام الحرب نفسها، لأنها اوعزت للبرهان، أن ينقلب على الحكومة المدنية، وكان قد زارها قبل ساعات، من اتخاذ قرار الانقلاب على الحكومة المدنية في 25 أكتوبر 2021م. ومصلحة مصر في استمرار الحرب واضحة، لأنها لن تجد نظاماً متهالكاً، ضعيفاً، خائفاً، يتسقط مساعدتها، ويغض الطرف، عن نهبها لموارد البلاد، بلا رقيب ولا حسيب، أفضل من نظام البرهان. ولقد حاولت مصر أن تسوق “الرباعية” لرؤيتها، ولكنها لم تستطع، ففضلت أن تصمت، وتحاول منفذاً آخر. فوجدته في “الخماسية”، فاستخدمت جامعة الدول العربية، وعلاقتها في الاتحاد الأفريقي، وساقت معها السعودية، وأثرت على “الخماسية”، وجعلتها تصر على البرهان ومعه حمولته من الإخوان المسلمين. أما السعودية، فقد بدأت مساندة للسلام في السودان. ولكن منافستها مع دولة الإمارات العربية المتحدة، التي رأت دورها الواضح، فيما تقدمه من مساعدات للسودان، جعلها تفكر في الاستفادة من السودان. ورأت كما رأت مصر، أن وجود حكومة مدنية ديمقراطية، تراجع العلاقات الخارجية، على أساس الندّية والمساواة، لن يحقق لها شيئاً من أطماعها. فوقعت في الفخ المصري، الذي زين لها نظام البرهان، وكيف أنهما يمكن ان يغضا الطرف، عن تأثير الاخوان المسلمين على حكومة البرهان، رغم أنهما يعتبرانهم مجموعة إرهابية، دون السماح للإخوان المسلمين داخل بلادهم. وهكذا دفعت السعودية الأموال، واشترت الدبابات الباكستانية الحديثة لحكومة البرهان، ودفعت أيضاً لقادة الدعم السريع لينشقوا منه، ويلحقوا بحكومة البرهان، في محاولة لإضعاف الدعم السريع، حتى ينتصر عليه جيش الحركة الإسلامية، الذي يدافع عن حكومة البرهان، التي لا زالت تبطش بالمدنيين من السودانيين.
لقد بدأت “الخماسية” مجموعة إقليمية، تسعى لإحلال السلام في السودان، من أجل مصلحة المواطنين السودانيين، ودول الإقليم، التي تتأثر بهذه الحرب الجائرة. ولكنها انتهت الى أن تكون أحد أطراف المؤامرة على الشعب السوداني، الساعية لإعادة تنظيم الإخوان المسلمين، وميليشياته المسلحة، ليظهر كمشارك في حكومة مدنية، ما يلبث ان ينقلب عليها بالجيش، الذي يسيطر عليه الآن بالكامل، وبالمليشيات المتعددة، ليعود حاكماً مطلقاً، يذيق السودانيين صنوف القتل، والعذاب، والاذلال، كما فعل لمدة ثلاثين عاماً، تحت حكم البشير المخلوع. وكما يفعل الآن، من قطع الرؤوس، وبقر البطون، ومحاكمة الأبرياء بالإعدام، بدعاوى التعاون مع الدعم السريع، ثم استقبال قادة الدعم السريع أنفسهم كأبطال حين يعودون للجيش!!
لقد استخدم جيش البرهان، وكتائب الإخوان المسلمين، خاصة كتيبة البراء، السلاح الكيميائي، المحرم دولياً، في هذه الحرب، واصابت به كثير من المدنيين، وشهد بذلك محققين فرنسيين، وأعلنته الولايات المتحدة الأمريكية، وطرحته في اجتماع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التابعة للأمم المتحدة. وباستخدام هذا السلاح الفتاك المحرم دولياً، والذي ظهر البرهان وياسر العطا، في تسجيلات فيديو، يسمونه السلاح المميت، أصبحت حكومة البرهان، وجيشها، وكتائب الإسلاميين، مرتكبي جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية. فكيف لا تستحي “الخماسية” من الدفاع عن مثل هؤلاء، وتريد أن تدخلهم كمشاركين في مصير البلد، الذي دمروه، وقتلوا أهله، واستخدموا ضدهم الأسلحة المحرمة دولياً؟!
لقد أجمع الشعب السوداني، على الحكم المدني الديمقراطي. وأطاح بحكومة الإخوان المسلمين، في ثورة ديسمبر المجيدة، بتضحيات جسام، حتى يحققه. والمؤتمر الوطني، والحركة الإسلامية، لا يؤمنان بالديمقراطية. ولذلك حكما السودان ثلاثين عاماً، ولم يجرباها مرة واحدة!! فهل نصدقهما الآن، إذا قالوا انهم يريدون المشاركة في حكومة مدنية ديمقراطية؟! إن استعادة شعارات ثورة ديسمبر، وهي حرية سلام وعدالة، تقتضي محاسبة من ارتكب جرائم ضد هذا الشعب، فهل يريد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، أن يفلتوا من المحاسبة، بدخولهم، ومشاركتهم، في المرحلة السياسية القادمة؟!
لقد أصبحت “الخماسية”، واجهة جديدة، لقوى الظلام. ولن تكف عن استعمال، كل ما تملك من ضغوط، وإغراءات، لتقنع “صمود”، و”قوى الإجماع الوطني”، على قبول العسكر والإخوان، ولن تتأخر مصر والسعودية، من الدفع ب”الخماسية” في هذا الطريق. ولن تتوقف المؤامرات، والكيد، الذي يقوم به التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وجماعة علي كرتي، ضد الشعب السوداني، بل هم يخططون من وراء كل ذلك لتقسيم السودان، وحكم جزء منه. ولكن الله لكيدهم بالمرصاد، اقرأوا إن شئتم (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ).

6 أغسطس 2026م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.