Fajr Press

مشروع السودان التأسيسي .. حين يصبح الوعي الاجتماعي شرطاً للتغيير.

كتب - عبدالرحمن العاجب

لا يمكن لأي مشروع وطني كبير أن يحقق أهدافه ما لم يجد مجتمعاً يدرك فلسفته، ويفهم غاياته، ويستوعب طبيعة التحولات التي يسعى إلى إحداثها. ومن هذه الزاوية، لا تبدو قضية الوعي الاجتماعي مجرد موضوع فكري أو فلسفي، بل تتحول إلى قضية سياسية وثقافية ووطنية ترتبط مباشرة بمستقبل السودان، وبقدرة السودانيين على استيعاب مشروع تحالف السودان التأسيسي الذي يطرح رؤية لبناء سودان جديد على أنقاض السودان القديم، دولة تقوم على العدالة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون والشراكة الوطنية.

غير أن فهم هذا المشروع لا يتحقق عبر الشعارات أو الخطابات وحدها، وإنما يبدأ بفهم الكيفية التي يتشكل بها وعي المجتمع نفسه. فالوعي الاجتماعي ليس انعكاساً آلياً للواقع، كما أنه ليس فكرة مجردة تنشأ بمعزل عن حياة الناس، بل هو بنية معقدة تتكون من منظومة متداخلة من الأفكار والقيم والمعتقدات والخبرات التاريخية، تتفاعل جميعها لتنتج الإدراك الجمعي الذي يوجه سلوك المجتمع ومواقفه من قضايا الدولة والسياسة والعدالة.

ومن داخل هذه البنية تتجلى أشكال متعددة للوعي، لكل منها وظيفته الخاصة، لكنها جميعاً تنبع من أصل واحد هو الواقع الاجتماعي، ثم تعود لتؤثر فيه من جديد. فالوعي الأخلاقي يحدد معايير الخير والشر، ويصوغ الضمير الجمعي الذي يحكم العلاقات بين الأفراد والجماعات. والوعي السياسي يمنح المجتمع القدرة على فهم طبيعة السلطة والدولة والمشاركة العامة، ويحدد موقفه من قضايا الحكم والشرعية والإصلاح. أما الوعي الحقوقي فيرسخ مفهوم الحقوق والحريات وسيادة القانون، ويحول العدالة من أمنية أخلاقية إلى منظومة مؤسساتية تحمي الإنسان وكرامته.

ويأتي الوعي الديني بوصفه أحد أكثر مكونات الوعي الاجتماعي تأثيراً، إذ يساهم في تشكيل القيم والسلوك والتصورات العامة، لكنه يصبح أكثر قدرة على الإسهام في الاستقرار عندما يتفاعل مع بقية أشكال الوعي في إطار يحترم التنوع ويجعل المواطنة أساس العلاقة بين الدولة والمجتمع.

أما الوعي الفلسفي، فيمثل البعد النقدي الذي يراجع المسلمات، ويطرح الأسئلة الكبرى حول الحرية والعدالة والوجود والمعنى، ويمنح المجتمع القدرة على التفكير في المستقبل بدلاً من الاكتفاء بتكرار الماضي. ولا تعمل هذه الأشكال بصورة منفصلة، بل تدخل في شبكة معقدة من التفاعل المستمر.

الوعي السياسي يتأثر بالقيم الأخلاقية، كما أن الحقوق لا تستقر دون سند أخلاقي وثقافي، والدين يؤثر في الرؤية الأخلاقية، بينما تمنح الفلسفة الجميع القدرة على النقد والمراجعة وإعادة البناء. ومن هذا التفاعل تتشكل الرؤية العامة للمجتمع في كل مرحلة تاريخية، وتتحدد مواقفه من قضايا التغيير والإصلاح وبناء الدولة، ولهذا فإن المجتمعات لا تفكر بالطريقة نفسها عبر الزمن.

مفاهيم العدالة والحرية والمساواة والقيمة الإنسانية ليست ثابتة، وإنما تتطور مع تطور التجربة التاريخية وتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وما كان يُعد مقبولاً في مرحلة معينة قد يصبح مرفوضاً في مرحلة لاحقة، والعكس صحيح. إن التاريخ ليس فقط تاريخ الأحداث، بل هو أيضاً تاريخ تطور الوعي الذي يعيد تعريف الأولويات ويغير نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى مجتمعه.

ومن هنا تبرز أهمية مشروع السودان التأسيسي، ليس باعتباره مجرد تصور لإدارة الدولة، وإنما باعتباره مشروعاً لإعادة بناء الوعي الوطني نفسه.

السودان الذي أنهكته الحروب والانقسامات والأزمات يحتاج إلى مراجعة عميقة للأنماط الفكرية التي ساهمت في إنتاج أزماته، وإلى بناء ثقافة سياسية جديدة تقوم على الاعتراف بالتنوع، واحترام الحقوق، وترسيخ قيم المشاركة والعدالة والمساءلة.

إن نجاح أي مشروع تأسيسي لا يقاس فقط بقدرته على صياغة الوثائق أو إنشاء المؤسسات، وإنما بقدرته على إقناع المجتمع بفلسفته. فالمواطن الذي لا يدرك معنى الدولة الجديدة سيظل أسيراً لمفاهيم الدولة القديمة، مهما تغيرت القوانين أو تبدلت الحكومات. ولهذا يصبح نشر الوعي جزءاً أصيلاً من عملية التأسيس، وليس نشاطاً مكملاً لها.

إن الوعي الاجتماعي هو الحاضنة التي تستقبل الأفكار الجديدة، وتمتحنها، ثم تمنحها القبول أو الرفض. وكلما كان هذا الوعي أكثر نضجاً، أصبح المجتمع أكثر قدرة على إدارة اختلافاته بصورة سلمية، وأكثر استعداداً للدفاع عن الحقوق، وأكثر إيماناً بقيمة المؤسسات وسيادة القانون. أما حين يضعف الوعي، فإن الفراغ تمتلئه العصبيات والولاءات الضيقة والخطابات الإقصائية التي تعيق أي مشروع وطني جامع.

ومن هنا فإن الحاجة اليوم ليست فقط إلى شرح مشروع السودان التأسيسي، بل إلى فتح حوار مجتمعي واسع حول معانيه وأهدافه، وربط مفاهيمه بحياة الناس اليومية، حتى يتحول من وثيقة سياسية إلى ثقافة عامة وممارسة اجتماعية.

المجتمعات لا تتغير بالقوة وحدها، ولا بالتشريعات وحدها، وإنما تتغير عندما يتغير وعيها بذاتها وبمصالحها المشتركة.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن الوعي الاجتماعي ليس مجرد صدى للواقع المادي، بل هو القوة الناعمة التي تعيد تشكيل هذا الواقع وتحدد اتجاهات تغييره.

ومن خلاله تتغير القيم، وتتبدل المفاهيم، وتولد الأفكار الكبرى التي تصنع الأمم. ولذلك فإن بناء السودان الجديد يبدأ، قبل كل شيء، ببناء وعي اجتماعي جديد؛ وعي يؤمن بأن الدولة ليست ملكاً لفئة، وأن العدالة ليست امتيازاً، وأن الحرية ليست شعاراً، وأن المواطنة المتساوية هي الأساس الذي يلتقي عنده جميع السودانيين.

وعندما يصبح هذا الوعي جزءاً من الثقافة العامة، يكون مشروع السودان التأسيسي قد وجد الأرض الصلبة التي تمكنه من الانتقال من الفكرة إلى الواقع، ومن الحلم إلى الدولة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.