(وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ) صدق الله العظيم
في يوم الأربعاء 17 يونيو 2026م، قام الطيران المصري، بضرب المعدنين الأهالي، داخل الحدود السودانية. وكانت هذه الغارة، التي قادتها أربع طائرات، قد قتلت العديد، من هؤلاء المواطنين، السودانيين، الأبرياء، العزل. ثم تابعتهم سيارات مصفحة، تحاول القضاء، على من لم تقتله الطائرات، وكأن الجيش المصري، يواجه إسرائيل، لا مجموعة مواطنين سودانيين، عزّل، يحاولون كسب رزقهم، في بلدهم، عن طريق التعدين، الذي ظلوا يعملون فيه، في الجبال القريبة، من قراهم، منذ عشرات السنين.
إن هذه الجريمة النكراء، يتحمل مسؤوليتها، الدكتاتور المتجبر، الطاغية، عبد الفتاح السيسي. وهي جريمة ضد الإنسانية، وضد كل علاقات حسن الجوار، وضد القانون الدولي، باعتبارها اعتداء على سيادة دولة أخرى، وقتل مواطنيها داخل أراضيها، دون اتهامهم بأي فعل، من شأنه أن يبرر هدر دمائهم. إن ما فعله السيسي من جرم، أقام جداراً من الدم، بيننا وبين المصريين، ستتأثر به العلاقة بين البلدين أبد الدهر. ونحن نعلم أن المصريين، في داخل مصر، يخشون بطش السيسي، والاعلام المأجور، يطبل له، ويحميه من النقد، فما بال المثقفين المصريين خارج مصر، ممن لا يطالهم بطش السيسي؟! لِمَ صمتوا على هذه الجريمة، ما عدا شخص أو شخصين؟!
أما حكومة البرهان، فقد بلغت حداً من الجبن، والخور، والوضاعة، جعلها حتى لا تتحدث عمّا جرى، وحين تحدثت، نتيجة الضغط الإعلامي، لم تذكر حتى الآن، عدد القتلى، والجرحى، والمصابين. لقد درجت حكومة البرهان، على عدم الاهتمام بأرواح السودانيين، لكنها كانت تبرر عدوانها عليهم، في مناطق مختلفة من السودان، بأنهم حاضنة للدعم السريع، وفي منطقته. فلماذا تهمل هؤلاء، وهم في مناطق سيطرتها، ولا علاقة لهم بالدعم السريع؟!
أما السيد أمجد فريد، المستشار السياسي للبرهان، فقد كان تبريره ينضح بالكذب، والعمالة. فقد قال (ان الاحداث المؤسفة التي وقعت بين القوات المصرية والمعدنيين السودانيين وما صاحبها من عنف وسقوط مؤلم للضحايا تستحق معالجة جادة ومسؤولة على أعلى المستويات بين حكومتي البلدين) فمن هو المعتدي، ومن هم الضحايا الذي سقطوا؟! فهو يحاول أن يصورها، وكأنها اشتباكات متكافئة، بل ذكر أن هذه الحادثة ليست الأولى، وانما حدثت قبلها سلسلة من الاحتكاكات، والاعتداءات المتبادلة، سقط فيها ضحايا من الجانبين!! وهذا كذب بواح، لأن المعدنين ليس لديهم سلاح، يواجه الجيش المصري. وبدلاً من أن يدين الطرف المصري المعتدي، أخذ يدين الذين احتجوا على جريمته، وأتهمهم بأنهم لثلاث سنوات، يبررون العدوان الاماراتي على السودان، ويدافعون عن الدعم الذي تقدمه الامارات للدعم السريع!!
وحتى لو كان ما قاله أمجد صحيح، فدعم الإمارات للدعم السريع، هو مثل دعم إيران، وتركيا، ومصر، والتقراي، لحكومة البرهان، وجيشها. ولكن الامارات لم تأت بطيران، وتقتل المواطنين السودانيين، داخل بلدهم، كما فعلت مصر. ومع ذلك، قامت حكومتك بشكوى الامارات، لمحكمة العدل الدولية، ولمنظمة الدول العربية، وأعلنت انها عدو للسودان، فلتفعل هذا الآن مع مصر، لو كانت تستطيع. ولعل البرهان، لم يقتنع بتبرير أمجد فريد، بل لاحظ انه واجه هجوماً، من كثير من المتابعين، فقرر أخيراً، أن يتدخل فقال (الناس ما يتعدوا الحدود ما يمشوا بي غادي عشان ما يجيبوا مشاكل لرقبتهم وما يجيبوا مشاكل للدولة.. سامعين أنو في ناس قطعوا وضربوهم وضربوا وما ضربوا نحن كدولة وكحكومة بنطلب من أخوانا ومن أهلنا انو الناس يلتزموا بالحدود مافي زول يقطع بي غادي الناس الهنا نحن مسؤولين عنهم مسؤولية تامة الناس البي غادي السودانيين القطعوا بي غادي برضو مسؤولين منهم نحن بنحقق ونتحرى فيما حصل للسودانيين الكلام المتناقض بأنو في سودانيين قطعوا بي غادي وضربوهم عشان كدا حقو نحافظ على رقبتنا نحافظ على مالنا نحافظ على أنفسنا) البرهان الكذوب، الخائف، يحاول ايهام الناس، بأن هؤلاء المعدنين، دخلوا مصر، ولذلك ضربوا، مع أن جبل “العقيدات”، الذي به التعدين، يقع على مسافة 20 كيلو متر، داخل الحدود السودانية!! وحتى لو دخلوا مصر، هل هذا مبرر كافي لقصفهم بالطيران، أم كان يجب القبض عليهم، وارجاعهم الى بلدهم، باعتبار ان دخولهم غير رسمي؟! والبرهان هنا يكذب، ويقول إنه مسؤول، حتى عن الذين قطعوا ودخلوا مصر، فماذا سيفعل إزاء ما حدث لهم؟! وبدلاً من أن يؤكد الخبر، أو ينفيه، كرئيس دولة مسؤول، لديه مخابرات ومعلومات، أخذ يقول (سامعين انو في ناس قطعوا وضربوهم وضربوا وما ضربوا) كأنه يستمع الى “ونسه” في بيت مأتم، بئس الخور، والتهالك.
أما المصريون، فلم يتحرجوا أن يفضحوا كذب البرهان، فهو لا قيمة له عندهم، الا بمقدار خدمة مصالحهم. فقد أعلن وزير البترول والثروة المعدنية المصري، المهندس كريم بدوي، في تصريح للإذاعة المصرية، عن نجاح بلاده، في ابرام عقود استثمارية، استراتيجية، ضخمة. وتشمل مربعات تعدين، بالغة الثراء، بموارد الذهب والمعادن النفيسة، في إطار شراكة كاملة، مع الحكومة السودانية. ثم ذكر أن هناك تحديات ميدانية، تواجه التنفيذ، على مواقع الامتياز. مشدداً على ضرورة وضع ضوابط صارمة، وحلول حاسمة، لصون الاستثمارات المشتركة، وحماية الثروات القومية، للأجيال القادمة. فهم إذاً ضربوا المعدنين السودانيين، داخل السودان، لأنهم ينقبون في أحد المربعات التعدينية، البالغة الثراء، والتي اتفقت حكومة البرهان، مع المصريين، على المشاركة فيها. وما لا يريد أن يعرفه المصريون، ويعرفه هؤلاء المعدنون السودانيون، هو أن حكومة البرهان، ليست حكومة شرعية، وإنما جاءت بانقلاب. وحتى لو كانت حكومة شرعية، منتخبة، فإنها لا تقرر، في ثروات باطن الأرض، دون الرجوع الى الشعب السوداني، لأنه هو صاحب الأرض، وليس الحكومة. ولهذا فإن اتفاقياتها باطلة، وشراكتها مع المصريين جريمة وليست شراكة. إنها مجرد استغلال لموارد السودان، لصالح مصر، واجيالها القادمة، كما قال الوزير المصري. بينما السودانيون اليوم يعانون من الجوع، والفقر، والعطالة، وهو ما دفع الأهالي، لحفر الحجر بأيديهم، ليجدوا ما يسد الرمق، فإذا بهم يُقتلون بدم بارد. وحكومة البرهان، حين تشارك المصريين في التعدين، في الأراضي السودانية، لا تعود بنصيبها، على قلته، لخزينة الدولة. وإنما لجيوب النافذين، وفي مقدمتهم البرهان نفسه. فإن شركة التعدين التي تسمى Deep Metals، والتي تقوم بالتعدين نيابة عن مصر، يملكها محمد الجارحي، المستثمر المصري، بنسبة 47.5% ويملك شريكاه مبارك اردول، وعمر النمير، باقي الأسهم. وهؤلاء ليس لهم مال، إلا ما يعطيهم له البرهان. وهو لا يعطيهم أموال الدولة، إلا لأن أخاه حسن البرهان، هو الشريك المهم، وإن حاولوا اخفاءه. فعائدات التعدين، ستعود على البرهان، وأخيه. وهم يعطون منها الفتات، لبعض المرتزقة، أمثال اردول. ومن أجل هذا النهب، المقنن، لأموال الشعب السوداني، لم يعترض البرهان على الحكومة المصرية، حين قام الجيش المصري، بقتل السودانيين. وهكذا أصبح البرهان بسبب اطماعه شريكاً في هذه الجريمة النكراء وخائنا لوطنه ولشعبه.
لقد قامت تجمعات السودانيين، ومعظم احزابهم، وبعض منظمات المجتمع المدني، والنقابات، والاتحادات، بإدانة قتل المعدنين السودانيين. ومن أجل بشاعة الحدث، وللوقوف بحق مع الضحايا الأبرياء، فإن الإدانة التي لا تسمي الجاني، ولا تنادي بعقابه، لا عبرة بها. ولعل واجب المجموعات، ذات العضوية الكبيرة، أكثر من مجرد الإدانة ببيان. ولذلك فإني أرى أن على “تأسيس” و “صمود”، مخاطبة الدول، والمؤسسات الإقليمية والدولية، ومنظمات حقوق الانسان، والمجتمع الدولي، لتحديد موقف، من هذه الجريمة النكراء، ومخالفتها للقوانين، والأعراف الدولية، خاصة وأنها لم تجد التغطية الإعلامية المرجوة. ومن ناحية أخرى، لا بد من التحري، لمعرفة عدد وأسماء الضحايا، والتواصل مع ذويهم، وطلب التفويض منهم، لرفع قضية ضد عبد الفتاح السيسي، في المحكمة الجنائية الدولية.
رحم الله أهلنا الأبرياء، الطيبين، من المعدنين، شهداء العيش الكفاف، وتقبلهم، وألزم أهلهم وذويهم، الصبر الجميل.
25 يونيو 2026م