Fajr Press

هل ستعيد “شلة” الضعين ولاية شرق دارفور إلى عهد النظام البائد؟

كتب - عبدالرحمن العاجب

تعيش ولاية شرق دارفور في الفترة الراهنة حالة من الجدل السياسي المحتدم حول منصب والي الولاية، في ظل صراع واضح بين رؤى مختلفة بشأن مستقبل الإدارة والحكم المحلي.

غير أن خطورة هذا الصراع لا تكمن فقط في التنافس على موقع إداري، وإنما في طبيعة الأدوات المستخدمة لإدارة هذا التنافس، وفي محاولات بعض القوى إعادة إنتاج أنماط سياسية قديمة عانى منها السودان طويلاً.

وفي السياق يرى مراقبون للشأن المحلي في شرق دارفور أن ما يحدث يحمل مؤشرات على عودة تأثير عناصر محسوبة على النظام البائد إلى واجهة المشهد السياسي، عبر بوابة الانتماءات الضيقة وشبكات “خشوم البيوت”، بدلاً من الاحتكام إلى معايير الكفاءة والمواطنة والقدرة على إدارة المرحلة الانتقالية المعقدة التي تمر بها البلاد.

المشكلة الأساسية ليست في انتماء اجتماعي أو قبلي بعينه، فالمجتمع السوداني بطبيعته يقوم على تنوع كبير، وإنما في استخدام هذه الانتماءات كأداة للسيطرة السياسية وإقصاء الآخرين. فحين تتحول الروابط الاجتماعية إلى وسيلة لاحتكار السلطة، فإن النتيجة تكون تعميق الانقسامات وإعادة إنتاج صراعات الماضي التي دفعت ثمنها دارفور لسنوات طويلة.

وفي هذا السياق، تشير انتقادات متداولة إلى أن ما يعرف بـ”شلة الضعين” تسعى إلى فرض نفوذها على المشهد السياسي في الولاية، مستندة إلى دعم من بعض الشخصيات داخل الهيئة القيادية لتحالف السودان التأسيسي. وإذا صحت هذه المخاوف، فإن خطورة الأمر تكمن في نقل الصراع من مستوى التنافس السياسي الطبيعي إلى محاولة صناعة مركز نفوذ مغلق يعيد تعريف الحكم وفق الولاءات الضيقة.

ولقد شهدت الفترة الماضية محاولات متكررة لإضعاف رئيس الإدارة المدنية بولاية شرق دارفور، الأستاذ محمد إدريس خاطر، من خلال مساعٍ لسحب الثقة منه أكثر من مرة، إلى جانب اتهامات تتعلق بملفات فساد. غير أن التعامل مع هذه القضايا يتطلب الاحتكام إلى المؤسسات والوثائق والإجراءات القانونية، لا استخدامها كأدوات في الصراع السياسي.

وفي ما يتعلق بملف فساد الأراضي الذي أثير أخيراً، فإن تحميل رئيس الإدارة المدنية المسؤولية بصورة مباشرة يحتاج إلى تدقيق قانوني وإداري، إذ تشير المعطيات المتداولة إلى أن ملف توزيع ميدان “الزريبة” بمدينة الضعين مر عبر مؤسسات أخرى، من بينها مجلس التأسيس المدني الذي صادق على عملية التوزيع، ووزارة التخطيط العمراني التي أكملت الإجراءات المتعلقة بالملف. وبالتالي فإن أي تحقيق جاد ينبغي أن يتناول كامل سلسلة القرارات والجهات التي شاركت فيها، بعيداً عن الانتقائية أو تصفية الحسابات.

إن محاولة خلق سلطة موازية في شرق دارفور عبر تحالفات اجتماعية ضيقة أو عبر إعادة تدوير شخصيات مرتبطة بعهد النظام السابق قد تقود الولاية إلى مرحلة جديدة من الاستقطاب. فالولاية ليست بحاجة إلى صراع جديد حول النفوذ، وإنما تحتاج إلى إدارة مدنية ناضجة ورشيدة تعمل على معالجة قضايا المواطنين، وتحقيق الاستقرار، وبناء مؤسسات تقوم على العدالة والمساواة.

وفي هذا المنحى يحذر كثيرون من أن مشروع الهيمنة عبر “خشم بيت” محدد أو مجموعة اجتماعية بعينها لن يكون مقبولاً لدى قطاعات واسعة من سكان شرق دارفور، الذين يتطلعون إلى نموذج حكم يقوم على المشاركة الواسعة لا الإقصاء. فمحاولات صناعة واقع سياسي مغلق أو تأسيس مركز سلطة جديد لن تجد طريقها إلى النجاح في مجتمع يدرك تكلفة الانقسامات القديمة.

إن الحديث عن صناعة دولة “56” جديدة في شرق دارفور، أو إعادة إنتاج نموذج السلطة الذي ساد خلال العقود الماضية، يمثل بالنسبة لكثير من أبناء الولاية استفزازاً لتطلعاتهم نحو التغيير. فالمعادلة الجديدة في السودان لا يمكن أن تقوم على امتيازات تاريخية أو نفوذ مجموعات محددة، وإنما على عقد اجتماعي جديد يضمن الحقوق المتساوية لكل المواطنين.

ومن هنا تأتي أهمية مشروع السودان التأسيسي الذي يطرح مبادئ العدالة الاجتماعية، والمواطنة المتساوية، وبناء دولة المؤسسات، باعتبارها أساساً لمعالجة أزمات البلاد. فالمرحلة الحالية تتطلب تجاوز الحسابات الضيقة، والابتعاد عن منطق الغلبة، والبحث عن صيغة سياسية تستوعب الجميع دون إقصاء أو احتكار.

شرق دارفور أمام اختبار حقيقي: إما أن تختار طريق بناء المؤسسات وتعزيز قيم المواطنة، أو تنزلق مرة أخرى إلى صراعات النفوذ التي أنهكتها في السابق. والمسؤولية تقع على عاتق كل القوى السياسية والاجتماعية في الولاية لمنع عودة الماضي، والانحياز إلى مشروع يضع مصلحة المواطن فوق أي اعتبار آخر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.