حين تصبح الحدود مرآة للأزمة: التعدين الأهلي بين الاعتداء الخارجي وصمت الداخل.
كتب - أدم مكرم
ليست حادثة الاعتداء المزعوم على المعدنين السودانيين في المناطق الحدودية مع مصر مجرد واقعة أمنية عابرة، وليست كذلك نزاعاً حدودياً محدود الأثر. فالأحداث التي تتواتر من أطراف السودان تكشف في حقيقتها عن أزمة أعمق تتعلق بضعف الدولة، وتآكل السيادة، وانشغال أطراف الحرب بمعارك السلطة على حساب حماية المواطنين.
لقد تحولت مناطق التعدين الأهلي خلال سنوات الحرب إلى ملاذ اقتصادي لعشرات الآلاف من السودانيين الذين دفعتهم الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل إلى البحث عن لقمة العيش في صحارى الذهب. ومع تمدد النشاط التعديني في المناطق الحدودية، أصبح هؤلاء المدنيون يقفون في مواجهة مباشرة مع المخاطر الأمنية والعسكرية، بينما تتراجع قدرة الدولة على توفير الحماية أو فرض سيادتها على أطرافها البعيدة.
وإذا صحت التقارير المتداولة حول تعرض المعدنين السودانيين لهجوم واعتقالات داخل الأراضي السودانية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بالجهة المنفذة، بل بحقيقة الوضع الذي جعل المواطنين مكشوفين إلى هذا الحد. فالدولة التي تنشغل مؤسساتها العسكرية والأمنية بصراع داخلي طويل الأمد تصبح أقل قدرة على حماية حدودها، وأكثر عرضة لفرض الأمر الواقع من قبل القوى الإقليمية المحيطة.
لكن ما يثير القلق أكثر من الحادثة نفسها هو الصمت الذي يحيط بها. فبينما ينشغل طرفا الحرب بتبادل الاتهامات وتحقيق المكاسب العسكرية والسياسية، تتراجع قضايا السيادة الوطنية وحماية المدنيين إلى مرتبة ثانوية. لقد أصبح المواطن السوداني ضحية مزدوجة؛ ضحية للحرب في الداخل، وضحية للهشاشة الأمنية على الحدود.
أما القوى المدنية التي راهنت، بدرجات متفاوتة، على أحد طرفي الحرب أو على نتائج المعركة العسكرية، فتبدو اليوم أمام اختبار أخلاقي وسياسي صعب. فقد أضعفت الجغرافيا السياسية مواقف كثير من الفاعلين المدنيين، وأصبح الموقف من الانتهاكات يتأثر أحياناً بموقع الضحية أو الجهة المتهمة أكثر مما يتأثر بمبدأ الدفاع عن الحقوق وسيادة القانون.
إن أخطر ما أنتجته الحرب ليس الدمار المادي فحسب، بل إعادة تشكيل الوعي السياسي على أسس جغرافية وجهوية. ومع استمرار هذا المسار، تتزايد المخاوف من نشوء وقائع سياسية واجتماعية قد تدفع مستقبلاً نحو أشكال مختلفة من الانقسام والتفكك، حتى وإن لم يعلن أي طرف من أطراف الصراع تبنيه لمشروعات انفصالية بصورة مباشرة.
فالتاريخ يعلمنا أن الانفصال لا يبدأ دائماً بإعلان سياسي، بل يبدأ حين يفقد المواطن ثقته في الدولة الجامعة، وحين تصبح الحماية والهوية والفرص الاقتصادية مرتبطة بالجغرافيا أكثر من ارتباطها بالوطن. وعندما يشعر سكان الأطراف بأنهم متروكون لمصيرهم، بينما تتصارع النخب على السلطة في المركز، فإن بذور التشظي تكون قد زُرعت بالفعل.
إن حادثة المعدنين، مهما كانت تفاصيلها النهائية، يجب أن تُقرأ باعتبارها جرس إنذار جديداً. فالسودان لا يواجه فقط أزمة حرب، بل يواجه أزمة دولة ومشروع وطني. وأي تسوية سياسية لا تضع حماية المواطنين واستعادة السيادة وبناء عقد وطني جديد في صدارة أولوياتها، ستظل عاجزة عن وقف مسار التآكل الذي يهدد
وحدة البلاد ومستقبلها.
كمبالا ٢٥ يونيو٢٠٢٦م
engineermakram@gmail.com