بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية .. واشنطن تُضيّق الخناق على سلطة بورتسودان.
متابعات - فجر برس
في خطوة تعكس تصعيدًا جديدًا في مسار العلاقات المتوترة بين واشنطن وسلطة بورتسودان، فرضت الولايات المتحدة جولة ثانية من العقوبات على السودان، مستندة إلى قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الاستخدام الحربي لها، وذلك على خلفية اتهامات أميركية باستخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية خلال النزاع الدائر في البلاد.
وتأتي هذه العقوبات بعد أسابيع من إعلان الإدارة الأميركية، في الثاني والعشرين من مايو 2025، فرض حزمة أولى من الإجراءات التقييدية شملت الحد من الصادرات الأميركية إلى السودان وتقييد وصوله إلى خطوط الائتمان، في خطوة اعتُبرت آنذاك مؤشراً على تحول لافت في الموقف الأميركي تجاه الأزمة السودانية.
وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية، السبت، أن العقوبات الجديدة تتضمن معارضة الولايات المتحدة تقديم أي قروض أو مساعدات مالية أو تقنية للسودان عبر المؤسسات المالية الدولية، إلى جانب فرض قيود إضافية على الصادرات الأميركية، ومنع شركات الطيران المملوكة للدولة السودانية من العمل داخل الولايات المتحدة.
وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، إن هذه الإجراءات تأتي تطبيقًا لقانون مراقبة الأسلحة الكيميائية، بعد أن خلصت واشنطن إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في سياق الحرب المستمرة، وهو اتهام تنفيه الخرطوم بصورة قاطعة.
وتحمل العقوبات الجديدة أبعادًا تتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ تستهدف تضييق هامش الحركة أمام الحكومة السودانية على المستويين المالي والدبلوماسي، من خلال عرقلة حصولها على التمويل الدولي، وهو ما قد ينعكس على قدرة الدولة في التعامل مع الأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي تعانيها البلاد منذ اندلاع الحرب.
ويشير مراقبون إلى أن معارضة الولايات المتحدة لأي مساعدات أو قروض من المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، قد تؤثر بصورة مباشرة على فرص السودان في الحصول على برامج دعم أو إعادة إعمار مستقبلية، خاصة في ظل التحديات الإنسانية والاقتصادية غير المسبوقة التي يعيشها.
كما أن القيود الجديدة على الصادرات الأميركية قد تزيد من صعوبة وصول السودان إلى بعض التقنيات والمعدات ذات الاستخدام المدني والعسكري، فيما يمثل حظر تشغيل شركات الطيران الحكومية داخل الولايات المتحدة بعدًا إضافيًا من العزلة الدولية، وفي المقابل، واصلت الحكومة السودانية رفض الاتهامات الأميركية باستخدام أسلحة كيميائية، مؤكدة تعاونها مع المجتمع الدولي لإثبات موقفها.
وكان السودان قد سمح، في وقت سابق، لفريق أميركي بزيارة عدد من المواقع التي أثيرت بشأنها مزاعم استخدام أسلحة كيميائية، حيث أجرى الفريق جولات ميدانية وجمع عينات من أربع مناطق بهدف إخضاعها للفحص والتحليل.
وتعتبر سلطة بورتسودان هذه الخطوة دليلاً على استعدادها للتعاون والشفافية، فيما لم تُعلن حتى الآن نتائج رسمية للرأي العام بشأن العينات التي جُمعت خلال الزيارة.
ويرى محللون أن استمرار فرض العقوبات قبل إعلان نتائج أي تحقيقات فنية مستقلة قد يثير تساؤلات بشأن المسار السياسي والقانوني الذي استندت إليه الإدارة الأميركية في اتخاذ قراراتها.
وتزامن الإعلان عن العقوبات الجديدة مع خطوة أميركية أخرى استهدفت أطرافًا مرتبطة بالنزاع السوداني.
فقد فرضت الولايات المتحدة، الجمعة، عقوبات على ثمانية أفراد وكيانات، قالت إنهم يساهمون في تزويد كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بالأسلحة والمتفجرات والمقاتلين الأجانب.
ووفقًا لواشنطن، فإن هذا الدعم أسهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد جهود التسوية السياسية، كما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية التي تصنفها الأمم المتحدة باعتبارها واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، فضلًا عن توفير بيئة مواتية لنشاط الجماعات المتطرفة.
ويعكس هذا التوجه حرص الإدارة الأميركية على توسيع دائرة الضغوط لتشمل الجهات التي ترى أنها تؤدي دورًا في استمرار النزاع، بغض النظر عن انتمائها لأي من طرفي الصراع.
ويرى خبراء في الشأن السوداني أن الجولة الثانية من العقوبات تمثل مرحلة أكثر تشددًا في السياسة الأميركية تجاه سلطةبورتسودان، وقد تفتح الباب أمام مزيد من الإجراءات إذا استمرت الخلافات بشأن ملف الأسلحة الكيميائية أو تطورات الحرب الداخلية.
كما يُتوقع أن تؤثر هذه العقوبات في مسار العلاقات بين السودان والمؤسسات المالية الدولية، وربما تزيد من تعقيد جهود استعادة الاقتصاد السوداني لعافيته، في وقت يحتاج فيه ملايين السودانيين إلى مساعدات إنسانية عاجلة وإلى برامج إنعاش اقتصادي واسعة.
وفي المقابل، قد تدفع هذه التطورات الحكومة السودانية إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية لإقناع المجتمع الدولي برفض الاتهامات الموجهة إليها، والسعي إلى إجراء تحقيقات مستقلة يمكن أن تسهم في حسم الجدل حول مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية.
وبينما تؤكد الولايات المتحدة أن إجراءاتها تأتي في إطار تطبيق القوانين الدولية الخاصة بمنع استخدام الأسلحة الكيميائية، تصر الخرطوم على نفي الاتهامات واعتبارها غير مستندة إلى أدلة قاطعة.
وفي ظل استمرار الحرب الداخلية، وتعثر المساعي السياسية الرامية إلى إنهاء الصراع، تبدو العقوبات الأميركية الجديدة حلقة إضافية في سلسلة الضغوط الدولية المفروضة على السودان، وهي ضغوط قد تحمل آثارًا بعيدة المدى على الاقتصاد والعلاقات الخارجية، وربما على مسار الأزمة السودانية بأكملها.
وبين التصعيد الأميركي، وتمسك سلطة بورتسودان بموقفها، يبقى المشهد السوداني مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين اتساع دائرة العقوبات الدولية، أو العودة إلى مسار التحقيقات والحوار الدبلوماسي، في محاولة لاحتواء أزمة تزداد تعقيدًا مع مرور الوقت.