Fajr Press

بين تحديات الحرب وبناء المؤسسات الاقتصادية .. حكومة السلام تراهن على نظام مصرفي جديد لتعزيز الاستقرار النقدي.

نيالا - فجر برس

في خضم الحرب التي ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد السوداني وأدخلت القطاع المصرفي في واحدة من أكثر مراحله تعقيدًا، تتجه حكومة السلام إلى رسم ملامح منظومة نقدية ومصرفية خاصة بها، في محاولة لإعادة تنظيم النشاط المالي داخل المناطق الواقعة تحت إدارتها، وتوفير الخدمات المصرفية للمواطنين، وسط واقع اقتصادي بالغ التعقيد وانقسام مؤسسي غير مسبوق.

وفي تصريحات خاصة لصحيفة ومنصة “فجر برس”، كشف رئيس وزراء حكومة السلام، الأستاذ محمد حسن التعايشي، عن حزمة من التوجهات والسياسات التي قال إنها تستهدف بناء نظام مالي متكامل، يقوم على تعزيز الاستقرار النقدي، وتوسيع نطاق الخدمات المصرفية، وتسهيل حركة التجارة والاستثمار، بما يواكب احتياجات المواطنين في المناطق الخاضعة لإدارة الحكومة.

وتأتي هذه التصريحات في وقت يواجه فيه السودان تحديات اقتصادية متفاقمة، نتيجة استمرار الحرب، وتراجع النشاط الإنتاجي، واضطراب حركة الأسواق، إلى جانب الانقسام الذي طال مؤسسات الدولة، بما في ذلك القطاع المصرفي والسياسات النقدية.

ويرى التعايشي أن المناطق التي تديرها حكومته تمتلك مقومات اقتصادية كبيرة، تشمل الزراعة والثروة الحيوانية والنفط والمعادن وغيرها من الموارد الإنتاجية، إلا أن المواطنين، بحسب قوله، واجهوا خلال الفترة الماضية صعوبات واسعة في الوصول إلى الخدمات المصرفية الأساسية وإجراء التحويلات المالية، نتيجة الظروف التي فرضها النزاع المسلح والانقسام المؤسسي.

وفي هذا السياق، اتهم رئيس الوزراء سلطات بورتسودان باتباع سياسات قال إنها استهدفت سكان تلك المناطق عبر تغيير العملة، والحد من السيولة النقدية، واستخدام الأدوات المالية ضمن مسارات الصراع، إلى جانب توظيف الخدمات الأساسية كورقة ضغط على المواطنين. وتمثل هذه التصريحات موقف حكومة السلام، في ظل استمرار الخلافات السياسية والمؤسسية بين طرفي النزاع.

وفي مقابل ذلك، يؤكد التعايشي أن حكومته شرعت في تنفيذ مشروع متكامل لإعادة بناء القطاع المصرفي، يقوم على تطوير مؤسسات نقدية قادرة على إدارة السياسة المالية بصورة مستقلة، وتوفير بيئة أكثر استقرارًا للنشاط الاقتصادي.

ومن أبرز الخطوات التي أعلن عنها في هذا الإطار إنشاء مجلس للعملة، يتولى مسؤولية وضع السياسات النقدية وإدارة شؤون العملة، بالتنسيق مع الجهات الفنية المختصة، مع استمرار العمل على استكمال البنية التشريعية والتنظيمية اللازمة لبناء نظام مصرفي فعال ومستدام.

ويعكس هذا التوجه، وفق مراقبين، رغبة حكومة السلام في الانتقال من مرحلة المعالجات المؤقتة التي فرضتها ظروف الحرب إلى بناء مؤسسات مالية ذات طابع دائم، تستطيع إدارة النشاط الاقتصادي في المناطق الواقعة تحت إدارتها، وتوفير أدوات السياسة النقدية بما يسهم في تحقيق قدر من الاستقرار المالي.

وفي ما يتعلق ببنك المستقبل، حرص التعايشي على التأكيد أن البنك مؤسسة مصرفية تجارية خاصة، وليست جهة حكومية، وأنها تعمل وفق القواعد والإجراءات المصرفية المتعارف عليها، موضحًا أن البنك بدأ بالفعل تقديم عدد من الخدمات الأساسية، تشمل التحويلات المالية والخدمات التجارية عبر فروعه الحالية.

وأشار إلى أن تطوير علاقات البنك مع المؤسسات المالية الخارجية والحصول على الاعتراف المصرفي الدولي لا يتم بقرارات سياسية، وإنما يرتبط باستيفاء الاشتراطات الفنية والتنظيمية المعمول بها عالميًا، مؤكدًا أن هذا المسار يجري بصورة تدريجية وفق الأعراف المصرفية الدولية.

وتعكس هذه التصريحات إدراكًا للتحديات التي تواجه أي مؤسسة مصرفية ناشئة في ظل بيئة سياسية واقتصادية مضطربة، إذ تظل مسألة الاندماج في النظام المالي الدولي مرتبطة بمتطلبات الامتثال والحوكمة والرقابة المصرفية، إلى جانب الاعتبارات القانونية والتنظيمية.

وفي ملف العملة، شدد رئيس الوزراء على أن جميع السياسات المتعلقة بإدارة النقد تدخل ضمن اختصاص سلطة النقد والمؤسسات الفنية المختصة، مؤكدًا التزام حكومته باستقلالية هذه المؤسسات وعدم التدخل في صلاحياتها المهنية.

وأوضح أن حكومة السلام اعتمدت حاليًا التعامل بالعملة التي تحمل توقيع المحافظ المعتمد لديها، بالإضافة إلى الإصدارات التي سبقت يونيو 2024، مشيرًا إلى أن أي تعديلات مستقبلية أو إصدارات جديدة ستخضع للدراسة الفنية وفق ما تقتضيه اعتبارات الاستقرار النقدي والمصلحة الاقتصادية العامة.

وأكد أن أي ترتيبات خاصة بإدارة السيولة أو تنظيم التداول النقدي تتم وفق خطط فنية مدروسة تستهدف الحفاظ على استقرار الأسواق، وضمان تلبية احتياجات المواطنين والأنشطة التجارية.

ويبرز هذا الطرح سعي حكومة السلام إلى تقديم نفسها باعتبارها سلطة تمتلك مؤسسات نقدية وتنظيمية قادرة على إدارة الاقتصاد في المناطق الخاضعة لها، في وقت ما تزال فيه البلاد تعيش واقعًا اقتصاديًا منقسمًا، انعكس بصورة مباشرة على حركة التجارة، والقطاع المصرفي، وثقة المتعاملين في النظام المالي.

ويجمع خبراء الاقتصاد على أن استعادة الاستقرار النقدي في السودان تمثل أحد أكبر التحديات التي ستواجه أي ترتيبات سياسية أو اقتصادية مستقبلية، في ظل تعدد مراكز اتخاذ القرار، وتراجع الاحتياطيات، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وتأثر الإنتاج والاستثمار بالحرب.

وفي المقابل، يبقى نجاح أي مشروع لبناء نظام مصرفي جديد مرهونًا بقدرته على توفير خدمات مالية مستقرة وآمنة، وتعزيز الثقة لدى المواطنين والقطاع الخاص، واستيفاء متطلبات الامتثال المصرفي محليًا ودوليًا، بما يسمح بإقامة علاقات مصرفية خارجية فاعلة، ويضمن انسياب المعاملات المالية بصورة طبيعية.

وبين رهانات بناء المؤسسات وتحديات الواقع الاقتصادي، تبدو مساعي حكومة السلام لتأسيس منظومة نقدية ومصرفية متكاملة جزءًا من معركة أوسع لإعادة تنظيم الحياة الاقتصادية في مناطق سيطرتها، بينما يظل مستقبل هذه التجربة مرتبطًا بمدى قدرتها على ترجمة الخطط المعلنة إلى مؤسسات فاعلة تحظى بالثقة والاستقرار، في بلد لا تزال الحرب ترسم ملامح اقتصاده وتحدد مساراته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.