Fajr Press

سلاح الهوية: كيف يُستخدم البعد القبلي والجهوي لتغذية التضليل الإعلامي في حرب السودان؟ (2 – 2)

تحقيق - عبدالرحمن العاجب

في الحروب المعاصرة، لم تعد المعارك تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل إمتدت إلى فضاءات الإعلام والمنصات الرقمية، حيث تتنافس الأطراف المتنازعة على تشكيل الوعي العام وصياغة الروايات المؤثرة في الرأي العام. وفي السودان، الذي يشهد منذ 15 – أبريل 2023 حرباً معقدة ذات أبعاد سياسية وعسكرية واجتماعية متشابكة، برزت الهوية القبلية والجهوية بوصفها أحد أكثر الأدوات إستخداماً في حملات التضليل الإعلامي والتأثير النفسي، وفي ظل الاستقطاب الحاد والانقسام المجتمعي، تحولت الانتماءات القبلية المحلية والجهوية إلى مادة خصبة لإنتاج وترويج محتوى يهدف إلى تأجيج التوترات، وتعميق مشاعر الكراهية والشك بين المكونات الاجتماعية المختلفة. وتُستخدم الأخبار المضللة، والمقاطع المجتزأة، والخطابات المحرضة لإعادة إنتاج الصور النمطية وتعزيز السرديات التي تربط الصراع بهويات إثنية أو جهوية بعينها، بما يسهم في توسيع دائرة الاستقطاب وإضعاف فرص التماسك المجتمعي، يسعى هذا التحقيق إلى استقصاء الكيفية التي يُوظَّف بها البعد القبلي والجهوي في حرب السودان كأداة للتضليل الإعلامي، ورصد أبرز الأنماط والخطابات المستخدمة، وتحليل آثارها على السلم الاجتماعي، مع تتبع الجهات الفاعلة التي تستثمر في “سلاح الهوية” لتوجيه الرأي العام والتأثير في مسار الصراع.

حرب السرديات والتعبئة والإستقطاب:

وتشير معطيات الواقع التي رصدها محرر التحقيق إن تداعيات حرب الخامس عشر من أبريل في السودان لم تقتصرعلى ساحات القتال، بل امتدت سريعًا إلى فضاء الإعلام والمنصات الرقمية، حيث تشكّلت جبهة موازية لا تقل تأثيرًا عن المواجهة العسكرية، عنوانها “حرب السرديات”. ففي خضم الصراع، انخرط كل طرف في بناء رواية تخدم أهدافه السياسية والعسكرية، وتسعى إلى حشد الأنصار، ونزع الشرعية عن الخصوم، والتأثير في الرأي العام، مستفيدًا من حالة الاستقطاب الحاد والانهيار الجزئي لمؤسسات الإعلام المستقل، ومع استمرار الحرب، لم يعد الصراع محصورًا في أبعاده العسكرية والسياسية، بل اتخذ منحى اجتماعيًا وقبليًا وجهويًا أكثر تعقيدًا، إذ تحولت الهويات الفرعية إلى أدوات للتعبئة والاستقطاب. وأسهمت حملات الاتهام الجماعي، وخطابات الكراهية والتحريض، في تأجيج مشاعر الخوف والعداء بين المكونات الاجتماعية، بعدما أُلصقت مسؤولية أفعال أطراف مسلحة أو سياسية بجماعات وقبائل بأكملها، في عملية ممنهجة لإعادة تشكيل صورة “الآخر” بوصفه خصمًا أو تهديدًا.

وفي مواجهة هذا المناخ، وجدت كيانات قبلية ومجتمعية نفسها مندفعة إلى الانخراط في فضاء الحرب دفاعًا عن وجودها أو سمعتها، بحسب ما رصد محرر التحقيق، وهو ما عزز حضور الانتماءات القبلية والجهوية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، ووسّع دائرة الاستقطاب المجتمعي. وفي قلب هذه المعركة، برز التضليل الإعلامي باعتباره أحد أكثر الأسلحة فاعلية. فقد نشطت منصات رقمية وغرف إعلامية متخصصة في إنتاج وترويج الشائعات والأخبار المفبركة والسرديات المضللة، ضمن استراتيجية اتبعها أطراف النزاع للتحكم في تدفق المعلومات، وصناعة واقع بديل، وتوجيه الحرب النفسية، عبر توظيف البعد القبلي والجهوي باعتباره أداة للتأثير والتعبئة وتقويض الثقة بين مكونات المجتمع السوداني. ومن هنا، يسعى هذا التحقيق إلى تتبع الكيفية التي تحوّلت بها الهوية إلى سلاح في الحرب، وكيف استُخدم الانتماء القبلي والجهوي لتغذية حملات التضليل الإعلامي، وإعادة تشكيل الوعي العام، وتعميق الانقسامات الاجتماعية في السودان.

 

تكتيكات التمهيد الإعلامي:

خبيرة إعلامية: توجد حملات منظمة تستغل الانتماءات القبلية والجهوية في سياق حرب السودان، كما أن هذه الحملات تُدار بصورة ممنهجة عبر تكتيكات التمهيد الإعلامي.

وفي ذات المنحى أكدت الأستاذة إيثار الشيخ، خبيرة إدارة المشاريع الإعلامية والتوثيق الإنساني، وجود حملات منظمة تستغل الانتماءات القبلية والجهوية في سياق الحرب الدائرة في السودان، مشيرة إلى أن هذه الحملات تُدار بصورة ممنهجة عبر تكتيكات التمهيد الإعلامي، وأوضحت أن وتيرة هذه الحملات تتصاعد بالتزامن مع العمليات العسكرية الكبرى، مثل معارك “الفاشر والجزيرة وسنار” بهدف نقل الصراع من إطاره العسكري والسياسي إلى مواجهة صفرية بين المكونات الاجتماعية، بما يسهم في تأجيج الاستقطاب، وتسهيل عمليات الحشد والتجنيد لصالح أطراف النزاع.

ورداً على سؤال حول الجهات التي تقف وراء الصفحات والحسابات المروجة للخطاب القبلي والجهوي، قالت إيثار إن هذا المحتوى تقف خلفه شبكة متعددة المستويات من أصحاب المصالح، تشمل دوائر للتوجيه المعنوي تتبع، بصورة رسمية أو غير مباشرة، أطراف النزاع، إلى جانب منصات أيديولوجية، لا سيما الواجهات المرتبطة بالنظام السابق، مثل “المقاومة الشعبية وغرف الإسناد” في مقابل منصات أخرى تروج لسرديات المظلومية الهيكلية وإعادة صياغة الدولة، وأضافت أن من بين هذه الجهات أيضاً شبكات الدياسبورا ومؤثرين يقيمون خارج السودان، يديرون منصات ممولة من الخارج لتفادي الملاحقة القانونية وتجاوز انقطاع خدمات الاتصالات، فضلاً عن ما يُعرف بـ”غرف التحكم” أو “الذباب الإلكتروني”، وهي شبكات من الحسابات الوهمية تُدار آلياً أو بشكل منسق، بهدف تضخيم التفاعل، وصناعة الوسوم الرائجة، وتصدير الخطاب القبلي والجهوي باعتباره اتجاهاً عاماً للرأي العام.

وبالنسبة للتنسيق بين الفعل العسكري والخطاب الإعلامي، ترى إيثار أن هناك، في كثير من الأحيان، تنسيقًا واضحًا بينهما؛ إذ يُستخدم الخطاب القبلي والجهوي بوصفه أداة للتمهيد للعمليات العسكرية وتبريرها. فقبل بدء العمليات، يُوظَّف هذا الخطاب في شيطنة مكونات اجتماعية بعينها أو نزع إنسانيتها، إلى جانب الترويج لروايات تتحدث عن “الخيانة” أو وجود “مخازن أسلحة” داخل المناطق المستهدفة، بما يسهم في تهيئة الرأي العام لتقبل الهجمات. وتشير إلى أن هذا النمط برز، على سبيل المثال، في تبرير قصف بعض معسكرات النازحين في دارفور. أما بعد انتهاء العمليات، فيُعاد توظيف الخطاب نفسه لإضفاء شرعية على الانتهاكات أو الاعتقالات القائمة على الهوية، تحت ذريعة استهداف الحواضن الاجتماعية للعدو.

كيف توظف الأحداث لخدمة السرديات؟

وللإجابة عن سؤال: كيف يُعاد توظيف أحداث قديمة، مثل أحداث دارفور والحرب الأهلية في جنوب السودان، لخدمة السرديات الراهنة؟ يرى الدكتور منزول عسل أن هذه الأحداث ترتبط ببعضها ارتباطًا وثيقًا، سواء أُعيد تدويرها إعلاميًا أم لا، لأنها تنتمي إلى سياق تاريخي وسياسي متصل، ويشير إلى أن الحرب في دارفور، التي اندلعت عام 2003، شهدت حضورًا قويًا للأبعاد القبلية، حيث ساندت مجموعات مثل “حرس الحدود” و”الجنجويد” الجيش السوداني في مواجهة الحركات المسلحة المنتمية إلى مجموعات إثنية وقبلية، من بينها “الفور والزغاوة والمساليت” وفي الوقت نفسه، كانت الحرب في جنوب السودان تُقدَّم على نطاق واسع بوصفها صراعًا بين الشمال والجنوب، مع حضور واضح للعوامل القبلية والإثنية في تشكيل مساراتها، ويضيف أن الحرب الحالية تمثل، إلى حد كبير، انعكاسًا لبعض الاصطفافات السابقة؛ فالقوات التي كانت تدعم الجيش في مواجهة حركات التمرد أصبحت اليوم في مواجهة مباشرة معه، بينما تقاتل إلى جانبه بعض المجموعات التي كانت تقاتله خلال حرب دارفور. ويرى أن هذه المفارقة تعكس تعقيدات المشهد السوداني وتشابك مساراته التاريخية، ولذلك لا ينبغي النظر إلى ما يجري باعتباره مجرد إعادة تدوير لأحداث سابقة، بل بوصفه امتدادًا لتراكمات وصراعات مترابطة تشكلت عبر عقود.

أساليب وأنماط التضليل:

وبحسب رصد محرر التحقيق فإن التضليل المرتبط بالهوية يعتمد على مجموعة من الأساليب المتكررة التي يمكن رصدها عبر منصات التواصل الاجتماعي والمجموعات الرقمية المغلقة، وأحد أبرز هذه الأساليب يتمثل في إعادة نشر مقاطع فيديو أو صور خارج سياقها الحقيقي مع إرفاقها بادعاءات تربطها بقبيلة أو منطقة معينة. وفي كثير من الحالات، يجري تداول محتوى قديم أو مأخوذ من نزاعات أخرى على أنه دليل على انتهاكات ارتكبتها جماعة محددة، كما تُستخدم الحسابات المجهولة أو الشبكات المنظمة لنشر رسائل تحمل مضامين تحريضية، تتهم مجموعات سكانية كاملة بالتعاون مع أحد أطراف الحرب أو المسؤولية عن جرائم وانتهاكات. وغالباً ما تُصاغ هذه الرسائل بلغة عاطفية تستهدف إثارة الخوف أو الغضب أو الرغبة في الانتقام. ويشير خبراء وباحثون في مجال الإعلام الرقمي إلى أن فعالية هذا النوع من التضليل تنبع من إعتماده على هويات متجذرة في الوعي الاجتماعي، ما يجعل الجمهور أكثر قابلية لتصديق المعلومات التي تتوافق مع تصورات مسبقة أو مخاوف قائمة بالفعل.

مدقق معلومات: السرديات القائمة على نفي الآخر وتجريده من الانتماء الوطني أو الشرعية الاجتماعية تعتبر أحد أهم المرتكزات التي تعتمد عليها حملات التضليل الإعلامي وخطابات الكراهية في الفضاء الرقمي السوداني.

وبالنسبة لمدقق الحقائق السنوسي مهدي فإن أساليب التضليل وأنماطه تختلف تبعًا لتطور الأحداث والسياقات السياسية والعسكرية، إلا أنها غالبًا ما تلتقي عند سردية مركزية تقوم على تصنيف المجتمع إلى هويات متصارعة وإقصاء “الآخر” فمنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل، برزت خطابات تستند إلى توصيفات ذات أبعاد إثنية وقبلية، امتدادًا لأنماط دعائية ظهرت في حروب سابقة بالسودان، ففي الحرب الأهلية مع جنوب السودان استُخدمت أوصاف ذات طابع ديني، بينما شهدت حروب دارفور والنيل الأزرق تداول تصنيفات إثنية وعنصرية، قبل أن تظهر خلال الحرب الحالية أوصاف جديدة تحمل دلالات قبلية وجهوية، وأفاد السنوسي أن هذه السرديات القائمة على نفي الآخر وتجريده من الانتماء الوطني أو الشرعية الاجتماعية تعتبر أحد أهم المرتكزات التي تعتمد عليها حملات التضليل الإعلامي وخطابات الكراهية في الفضاء الرقمي السوداني. ومن خلالها تُعاد صياغة الأحداث وتفسيرها وفق اعتبارات الهوية، بما يسهم في تعميق الاستقطاب المجتمعي وتغذية الانقسامات القبلية والجهوية خلال الحرب.

اليات عمل شبكات التضليل:

وفي ذات السياق أكد الصحفي المتخصص في مكافحة التضليل الإعلامي  وتدقيق المعلومات محمد المختار أن هناك حملات رقمية منظمة شرسة تهدف إلى التأثير على الرأي العام، أو نشر سردية معينة بشكل مكرر ومنسق، تقف خلفها مؤسسات وأجهزة رسمية مثل “الجيش وجهاز الأمن” عبر غرف تهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وضرب القبائل ببعضها البعض لاضعاف العدو عبر التحريض ونشر المعلومات المضللة وخطاب الكراهية، وأضاف محمد المختار قائلاً: “يلاحظ ذلك بوضوح من خلال رصد  السلوك غير الأصيل المنسق، عبر استخدام شبكات من الحسابات الوهمية على منصات التواصل الاجتماعي، والتي تعمل معاً بشكل متعمد لتضليل المستخدمين، والتلاعب بالنقاش العام، وتزييف الإجماع الشعبي حول قضايا سياسية أو اجتماعية”.

وبالنسبة لمحمد المختار فأنه يلاحظ أن آليات عمل هذه الشبكات تعمل على تضخيم المحتوى المضلل والمحرض، حيث تقوم مئات الحسابات الوهمية بنشر أو إعادة نشر لهذا المحتوى المضلل في وقت واحد، بهدف جعله يبدو شائعاً أو متصدراً. بالإضافة إلى ذلك تعمل هذه الشبكات على اختراق الخوارزميات وتستغل  التفاعل الاصطناعي لخداع خوارزميات المنصات، مما يدفع المنشورات المضللة والمحتوى التحريض للظهور في صفحات الاستكشاف أو قوائم “الترند”. علاوة على خلق الوهم بحيث توحي بوجود دعم قبلي للصراع من خلال التعليقات المنسقة والمكثفة.

التضليل .. من الشائعة إلى التحريض:

وبحسب ما رصد محرر التحقيق فإن  آثار التضليل لا تقف عند حدود نشر معلومات غير صحيحة، بل تمتد إلى إنتاج بيئة مواتية للتحريض والعنف، وفي العديد من الحالات، تتحول الشائعات المتعلقة بانتماء قبلي أو جهوي إلى مبررات لاستهداف مدنيين أو ممارسة التمييز ضدهم كما حدث لسكان “الكنابي” بولاية الجزيرة. ويؤدي تكرار هذه الرسائل إلى ترسيخ صورة “العدو الجماعي”، بحيث يتم تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال أفراد أو فصائل مسلحة. وفي السياق يحذر خبراء من أن هذا النمط من الخطاب يمثل خطراً مضاعفاً في المجتمعات التي تشهد نزاعات مسلحة، لأنه يضعف الفاصل بين الفاعلين العسكريين والمدنيين، ويجعل الانتماء الاجتماعي معياراً للحكم على الأفراد بدلاً من أفعالهم الفعلية. وفي الحالة السودانية ترتبط كثير من المناطق بهويات قبلية متداخلة ومعقدة، وبالتالي فإن مثل هذه السرديات قد تؤدي إلى توسيع دائرة الصراع وإدخال مجتمعات بأكملها في حالة من الاستقطاب المتبادل.

وفي السياق يرى الصحفي المتخصص في مكافحة التضليل الإعلامي وتدقيق المعلومات محمد المختارأن المعلومات المضللة والخطاب التحريضي تستخدم هنا كسلاح جنبا إلى جنب مع العمل العسكري، ومفعولها مدمر جداً  إذ يتجاوز أثرها على المقاتلين للمدنيين الأبرياء، من خلال خلق استقطاب اجتماعي بين المكونات القبلية أو ما يطلقون عليه “الحواضن”، وعادة ما يتم ذلك عبر تضخيم الأحداث واستخدام محتوى منسق وهو محتوى غير أصيل يتم نشره بشكل منظم ومتكرر من عدة حسابات أو منصات بهدف إيصال رسالة معينة تعمل على تأجيج الصراع وايقاع الفتنة بين المكونات، كأن يتم نشر فيديوهات مضللة أو خارج سياقها بإعادة نشر الفيديوهات القديمة أو فيديوهات من خارج السودان، أو فيديوهات وصور مولدة بالذكاء الاصطناعي.

منصات التواصل .. المسرح الأكبر:

ورصد محرر التحقيق إن منصات التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في انتشار الروايات القائمة على الهوية، ومع تراجع قدرة وسائل الإعلام التقليدية على الوصول إلى بعض المناطق المتأثرة بالحرب، أصبح المواطنون يعتمدون بصورة متزايدة على المعلومات المتداولة عبر تطبيقات مثل “فيسبوك وواتساب وتلغرام وإكس” غير أن سرعة تداول المحتوى على هذه المنصات جعلت من الصعب التحقق من صحة المعلومات قبل انتشارها. كما ساهمت الخوارزميات التي تفضل المحتوى المثير للجدل أو التفاعل المرتفع في منح الرسائل التحريضية انتشاراً أوسع، ويرى خبراء وباحثون ومختصون أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود محتوى مضلل، بل أيضاً في البيئة الرقمية التي تسمح بإعادة إنتاجه باستمرار. فكلما أعيد نشر الشائعة من حسابات متعددة، ازدادت فرص قبولها باعتبارها حقيقة، حتى في غياب أي دليل موثوق يدعمها.

أي نقاش حول التضليل الإعلامي المرتبط بالحرب يجب أن ينطلق من الاعتراف بأن القبيلة لا تزال مكوناً أساسياً في المجتمع السوداني، تؤدي أدواراً اجتماعية إيجابية في بعض الجوانب، لكنها في الوقت نفسه تُستغل أحياناً في إنتاج الاستقطاب والصراع.

                                                                                        الدكتور منزول عسل

وفي ذات السياق يؤكد الدكتور منزول عسل المدير السابق لمعهد أبحاث السلام وأستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة الخرطوم أن أي نقاش حول التضليل الإعلامي المرتبط بالحرب يجب أن ينطلق من الاعتراف بأن القبيلة لا تزال مكوناً أساسياً في المجتمع السوداني، تؤدي أدواراً اجتماعية إيجابية في بعض الجوانب، لكنها في الوقت نفسه تُستغل أحياناً في إنتاج الاستقطاب والصراع، ويضيف أن التضليل يمثل أحد الأدوات المستخدمة في هذه الحرب من مختلف الأطراف، سواء من جانب الجيش ومؤيديه أو قوات الدعم السريع ومناصريها، فضلاً عن مجموعات أخرى فاعلة في المشهد، وأشار إلى أن هذه الظاهرة ليست جديدة، بل سبقت اندلاع الحرب الحالية، وظهرت في سياقات نزاعات وأزمات سابقة شهدتها مناطق مثل دارفور وشرق السودان. ويخلص الدكتور منزول عسل إلى أن صناعة التضليل لا تقتصر على طرف بعينه، بل تمارسها أطراف متعددة بدرجات وأساليب مختلفة.

 الإعلام التقليدي بين المهنية والاستقطاب:

ورغم أن منصات التواصل الاجتماعي تُعد الناقل الرئيسي لهذا النوع من المحتوى، فإن بعض وسائل الإعلام التقليدية وقعت هي الأخرى في فخ إعادة إنتاج الروايات القائمة على الهوية دون تدقيق كافي، وفي أوقات النزاعات المسلحة، تتعرض المؤسسات الإعلامية لضغوط سياسية ومجتمعية تدفعها أحياناً إلى تبني خطاب منحاز أو الاعتماد على مصادر غير مستقلة، وعندما يجري تداول توصيفات قبلية أو جهوية بصورة غير دقيقة داخل التغطيات الإخبارية، فإن ذلك يمنحها قدراً إضافياً من الشرعية ويعزز انتشارها بين الجمهور، وفي المقابل، برزت محاولات من صحفيين ومنصات تحقق مستقلة لمواجهة هذا الاتجاه عبر تدقيق المعلومات وكشف الادعاءات المضللة وتقديم سياق أكثر توازناً للأحداث.

وبالنسبة للإعلام التقليدي يرى الصحفي المتخصص في مكافحة التضليل الإعلامي وتدقيق المعلومات محمد المختار أنه تراجع بشكل كبير بسبب الحرب، كون أغلب المؤسسات الإعلامية والصحفية كانت تتمركز في الخرطوم، وحدثت فجوة إعلامية كبيرة حلت مكانها غرف وشبكات التضليل وصحافة المواطن التي لا تلتزم عادة بالمعايير المهنية، وأشار محمد المختار إلى إن الاستقطاب السياسي والاجتماعي أدى إلى استقطاب إعلامي وهذا الأمر أثر في مصداقية المعلومات وجودتها، ونشأ ما يعرف بالإعلام الموازي الداعم لطرفي الحرب، وأضاف قائلاً: “لكن للأسف يلاحظ أن التلفزيون والصحف والقنوات التلفزيونونبة الداعمة للجيش كذلك تقوم بعمليات تضليل واسعة ولا تلتزم بالمعايير المهنية وأصبحت تميل للدعاية السياسية والحربية أكثر من كونها أجهزة إعلامية”.

وفيما يتعلق بدور الإعلام التقليدي مقارنة بوسائل التواصل الاجتماعي، يرى الدكتور منزول عسل أن الإعلام التقليدي لا يزال يحتفظ بتأثيره، مشيراً إلى أن ملايين الأشخاص لا تتاح لهم إمكانية الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي لأسباب متعددة، ما يجعلهم يعتمدون بشكل أساسي على وسائل الإعلام التقليدية، سواء الإذاعة أو التلفزيون. ويضيف أن القنوات التلفزيونية ما زالت تلعب دوراً مهماً في تشكيل السرديات المرتبطة بالحرب، سواء كانت القنوات السودانية أو القنوات الإقليمية والخليجية. لكنه يعتقد أنه من حيث حجم التأثير والانتشار، لا يمكن مقارنة الإعلام التقليدي بوسائل التواصل الاجتماعي، التي باتت تتفوق عليه بشكل كبير. ويرى عسل أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي دوراً سلبياً وهدّاماً في كثير من الأحيان، خاصة عند مقارنتها بوسائل الإعلام التقليدية التي تخضع، بدرجات متفاوتة، لمعايير مهنية وضوابط تحريرية.

من المستفيد من خطاب الهوية؟

وبحسب ما رصد محرر التحقيق فإن استخدام البعد القبلي والجهوي لا يقتصر على أطراف النزاع المباشرين، فغالباً ما تستفيد جهات متعددة من تعميق الانقسامات الاجتماعية، سواء لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية أو حتى اقتصادية. وكلما انشغل المجتمع بصراعات الهوية، تراجعت مساحة النقاش حول القضايا الأساسية المتعلقة بإدارة الدولة والحوكمة والمساءلة والانتهاكات الإنسانية، كما يسمح الاستقطاب الحاد بحشد الأنصار وتبرير السياسات أو العمليات العسكرية تحت غطاء الدفاع عن الجماعة أو المنطقة. ويرى مراقبون أن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب هو قدرته على الاستمرار حتى بعد انتهاء النزاع، إذ يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة قد تعرقل جهود المصالحة وإعادة بناء الثقة بين المجتمعات المحلية.

وللإجابة عن سؤال ما إذا كانت هناك حملات منظمة تستغل الانتماءات القبلية في الحرب السودانية الحالية، يرى الدكتور منزول عسل، المدير السابق لمعهد أبحاث السلام وأستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة الخرطوم، أن من الضروري أولاً الإقرار بأن ما يجري لا يمكن اختزاله في إطار “التضليل” وحده، لأن الواقع يؤكد أن القبيلة تمثل أحد المكونات الاجتماعية الفاعلة في السودان، وقد جرى توظيفها سياسياً بصورة واسعة ومباشرة. ويشير منزول عسل إلى أن القبيلة مكوّن اجتماعي متجذر في المجتمع السوداني وله تأثيرات متعددة وعلى مستويات مختلفة، مؤكداً أنها في حد ذاتها ليست شراً، وإنما تكمن المشكلة في توظيفها لخدمة أهداف قد تضر بالمجتمع وتعمّق الانقسامات داخله. ويضيف أن الحرب الحالية كشفت إلى أي مدى يمكن استغلال الانتماءات القبلية لتعقيد المشهد وإعادة تشكيل الصراع على أسس اجتماعية وهوياتية.

وفي هذا السياق، يلفت الدكتور منزول عسل إلى تكرار الخطاب الصادر عن الجيش ومناصريه بشأن ما يُعرف بـ”الحواضن الاجتماعية” لقوات الدعم السريع، في إشارة إلى مجموعات وقبائل بعينها، من بينها بعض القبائل العربية في إقليمي كردفان ودارفور، مثل “المسيرية والرزيقات وبني هلبة والهبانية والسلامات وغيرها” إلى جانب مكونات أخرى لا تنتمي بالضرورة إلى المجموعات العربية، لكنها تُدرج ضمن هذه الحواضن وفقاً لذلك الخطاب. وفي المقابل، يتحدث أنصار قوات الدعم السريع ومؤيدوها عن قبائل أخرى، مثل “الدناقلة والجعليين والشايقية” باعتبارها ـ وفق روايتهم ـ المجموعات التي استأثرت بالمواقع القيادية في الأحزاب السياسية والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية على مدى فترات طويلة.

التحقق و “وسائل الإفك الإجتماعي:

وفي مواجهة هذا الواقع، تبرز أهمية التحقق من المعلومات بوصفه أحد أهم أدوات الحد من التضليل، ويشدد خبراء الإعلام على ضرورة التعامل بحذر مع أي محتوى يربط الأحداث العسكرية أو السياسية بانتماءات قبلية أو جهوية دون أدلة موثقة. كما تتزايد الحاجة إلى تعزيز الثقافة الإعلامية الرقمية لدى الجمهور، بما يساعد المستخدمين على التمييز بين الأخبار الموثوقة والشائعات، وفهم الآليات التي تُستخدم للتأثير على الرأي العام. ويؤكد مختصون أن مكافحة التضليل لا تقتصر على إزالة المحتوى الكاذب، بل تتطلب أيضاً بناء روايات بديلة تستند إلى الحقائق وتسلط الضوء على القواسم المشتركة بين السودانيين بدلاً من تكريس الانقسامات.

وفي ذات السياق يرى الدكتور منزول عسل أن التضليل الإعلامي يُنشر ويُضخَّم عبر الوسائط الإعلامية المختلفة، وعلى وجه الخصوص منصات التواصل الاجتماعي، التي يصفها تهكمًا بـ”وسائل الإفك الاجتماعي”. ويؤكد أن هذه المنصات تمثل القنوات الرئيسة التي تُدار من خلالها عمليات التضليل ونشر المعلومات المضللة.  وأضاف: “يقودني ذلك مباشرة إلى التساؤل حول الجهة المستفيدة من هذا التضليل سياسيًا وعسكريًا. وبطبيعة الحال، فإن جميع أطراف الصراع، سواء الجيش أو قوات الدعم السريع، تستفيد بدرجات متفاوتة من هذا التضليل الواسع”. وأشار عسل إلى أن أخطر آثار التضليل تتمثل في تأثيره المباشر على النسيج الاجتماعي، موضحًا أن الأكاذيب والمعلومات المضللة المرتبطة بالأبعاد القبلية والجهوية تسهم في تمزيق الروابط الاجتماعية وتعميق الانقسامات القائمة أصلًا قبل اندلاع الحرب، وأضاف أن ذلك يزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى ترميم النسيج الاجتماعي وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.

 

ومن خلال ما تناوله التحقيق تكشف الحرب في السودان أن معارك العصر الحديث لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالكلمات والصور والروايات أيضاً. وفي ظل الاستقطاب الحاد، أصبحت الهوية القبلية والجهوية أداة فعالة في حملات التضليل الإعلامي، تُستخدم لإعادة تشكيل الإدراك العام وتوجيه المشاعر الجماعية وتعميق الانقسامات الاجتماعية. غير أن خطورة هذا السلاح لا تكمن في تأثيره الآني فحسب، بل في قدرته على إعادة رسم العلاقات بين مكونات المجتمع السوداني لسنوات قادمة، وبينما تستمر الحرب على الأرض، يبقى التحدي الأكبر هو منع تحول الانتماءات الاجتماعية إلى وقود دائم للصراع، وحماية المجال الإعلامي من التوظيف الذي يحول التنوع إلى أداة للفرقة بدلاً من أن يكون مصدر قوة ووحدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.