Fajr Press

من خطاب التحريض إلى الطرد الجماعي .. كيف تحولت ليبيا إلى ساحة مفتوحة لانتهاكات المهاجرين واللاجئين؟

متابعات - فجر برس

تعيش ليبيا موجة جديدة من التوتر المرتبط بملف الهجرة، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الحقوقية من أن الخطاب الرسمي المعادي للمهاجرين بات يغذي ممارسات ميدانية واسعة النطاق تشمل الاعتقالات الجماعية والاحتجاز التعسفي وعمليات الطرد، وسط مخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية التي تطال مئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين، وفي مقدمتهم السودانيون الفارون من الحرب.

وفي تقرير جديد، اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش السلطات الليبية في شرق البلاد وغربها بالمسؤولية عن تأجيج خطاب الكراهية ضد المهاجرين واللاجئين، معتبرة أن هذا الخطاب مهّد الطريق لحملات أمنية واسعة انتهت باعتقالات جماعية وعمليات ترحيل وصفتها بأنها مخالفة للقانون الدولي.

وجاء التقرير بعد احتجاجات شهدتها العاصمة طرابلس في الرابع من يونيو الماضي، طالب خلالها متظاهرون بطرد المهاجرين واللاجئين، على خلفية شائعات انتشرت بشأن وجود خطط لتوطينهم بصورة دائمة داخل ليبيا.

وأدت الاحتجاجات إلى إغلاق الطرق المؤدية إلى مكتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة السراج، في مشهد عكس حجم الاحتقان الشعبي الذي سبقته أشهر من التصريحات الرسمية الرافضة لفكرة التوطين.

وترى هيومن رايتس ووتش أن رد فعل السلطات لم يقتصر على احتواء الاحتجاجات، بل اتجه نحو تنفيذ حملات أمنية واسعة استهدفت المهاجرين، حيث جرى اعتقال الآلاف وإيداعهم في مراكز احتجاز تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية، بالتوازي مع تنفيذ عمليات ترحيل جماعية.

وقالت المديرة المشاركة لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، حنان صلاح، إن السلطات الليبية المتنافسة في الشرق والغرب وجدت نقطة التقاء في التعامل مع ملف الهجرة، من خلال تأجيج المشاعر المعادية للأجانب، ثم إخضاع المهاجرين لعمليات اعتقال واحتجاز وطرد جماعي، مؤكدة أن حجم الانتهاكات يستدعي تحركاً عاجلاً لوقفها والإفراج عن المحتجزين تعسفياً.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى أن ليبيا تمثل منذ سنوات محطة رئيسية للمهاجرين القادمين من أفريقيا، سواء الباحثين عن فرص عمل داخل البلاد أو الراغبين في العبور نحو السواحل الأوروبية. كما أصبحت منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 ملاذاً لعشرات الآلاف من السودانيين الذين فروا من النزاع.

وتشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى وجود أكثر من 110 آلاف لاجئ وطالب لجوء مسجلين في ليبيا حتى أبريل 2026، فيما تستضيف البلاد نحو 559 ألف لاجئ سوداني، وهو ما يجعلهم من أكبر المجموعات المتأثرة بالإجراءات الأمنية الأخيرة.

وفي محاولة لاحتواء الجدل، أكدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أن مفوضية اللاجئين لا تعمل على توطين المهاجرين بصورة دائمة داخل البلاد، نافية صحة المزاعم التي كانت وراء اندلاع الاحتجاجات.

لكن رغم ذلك، واصلت السلطات الليبية في الشرق والغرب تبني خطاب متشدد بشأن الهجرة، إذ أعلنت عزمها تكثيف حملات ملاحقة المهاجرين غير النظاميين، وتشديد الرقابة على الحدود، مع رفض قاطع لأي ترتيبات قد تؤدي إلى توطينهم.

وفي طرابلس، اعتبر وزير الداخلية المكلف عماد الطرابلسي أن ملف الهجرة غير الشرعية يمثل أولوية وطنية قصوى، مشيراً إلى خطط لتعزيز أمن الحدود وتنظيم العمالة الوافدة. كما فرضت السلطات المحلية في مدينة زوارة حظر تجول ليلي استهدف المقيمين الأجانب تحت مبرر الحفاظ على الأمن.

وفي شرق البلاد، أصدر صدام حفتر تعليمات للأجهزة الأمنية بتكثيف حملات اعتقال وترحيل المهاجرين، مبرراً ذلك بضرورة إنهاء الوجود غير الشرعي للأجانب وحماية الأمن العام، بينما أعلن مجلس النواب رفضه القاطع لأي مشروع لتوطين المهاجرين، معتبراً أن ذلك يهدد الهوية الديموغرافية للبلاد.

وتقول هيومن رايتس ووتش إن هذه التصريحات السياسية سرعان ما تُرجمت إلى إجراءات ميدانية.

فقد أعلنت وزارة الداخلية التابعة لحكومة الوحدة الوطنية تنفيذ حملات لضبط المهاجرين المخالفين لقوانين الإقامة، كما أعلنت لاحقاً ترحيل مجموعة من المواطنين المصريين.

وفي المقابل، كشف جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا عن احتجاز أكثر من 7596 مهاجراً من جنسيات مختلفة تمهيداً لترحيلهم، مشيراً إلى طرد أكثر من عشرة آلاف مهاجر خلال الأشهر الأخيرة.

وأصدر رئيس الحكومة الليبية في الشرق، أسامة حماد، قراراً يقضي بحظر دخول مواطني السودان وإريتريا وإثيوبيا والصومال إلى الأراضي الليبية، في خطوة أثارت تساؤلات حول انعكاساتها على طالبي اللجوء الفارين من النزاعات المسلحة.

ولا تعد هذه الإجراءات، بحسب المنظمة الحقوقية، تطوراً معزولاً، وإنما تأتي امتداداً لسياسات سابقة شهدت ترحيلاً جماعياً للمهاجرين.

وفي عام 2025 أعلنت السلطات خططاً لترحيل مائة ألف مهاجر كل أربعة أشهر، كما شهد العام نفسه عمليات إعادة قسرية لمئات النساء والأطفال من نيجيريا والنيجر.

وتستند هيومن رايتس ووتش في تحذيراتها أيضاً إلى تقارير الأمم المتحدة التي وثقت استمرار احتجاز المهاجرين دون إجراءات قانونية، ونقلهم إلى مراكز احتجاز تحت التهديد بالسلاح، وحرمانهم من الضمانات الأساسية، فضلاً عن ترحيلهم دون دراسة فردية لاحتياجاتهم القانونية أو الإنسانية.

وتشير التقارير الأممية إلى أن كثيراً من المرحلين يُتركون عند الحدود الجنوبية في ظروف صحراوية قاسية، دون توفير مياه أو غذاء أو رعاية طبية، وهو ما يعرض حياتهم لخطر مباشر.

وسبق للمنظمة أن وثقت أوضاعاً وصفتها باللاإنسانية داخل مراكز الاحتجاز الليبية، شملت الاكتظاظ الشديد وسوء التغذية ونقص الخدمات الطبية والتعرض للعنف الجسدي والجنسي، فيما خلصت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في ليبيا إلى أن الانتهاكات المرتكبة بحق المهاجرين قد ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية.

وانطلاقاً من ذلك، دعت هيومن رايتس ووتش السلطات الليبية إلى وقف الاعتقالات الجماعية والإفراج عن المحتجزين دون سند قانوني، وإنهاء عمليات الطرد الجماعي التي تحظرها المواثيق الدولية، مع ضمان دراسة كل حالة على حدة قبل اتخاذ أي قرار بالإبعاد.

وطالبت المنظمة السلطات الليبية بالاعتراف رسمياً بمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وتمكينها من ممارسة ولايتها كاملة، بما يشمل الوصول إلى جميع أماكن احتجاز الأجانب وتوفير الحماية الدولية لطالبي اللجوء.

وفي الوقت نفسه، وجهت المنظمة انتقادات مباشرة إلى الاتحاد الأوروبي، معتبرة أن استمرار دعمه للقوات الليبية المتهمة بارتكاب هذه الانتهاكات يجعله شريكاً في استمرار الأزمة، داعية إلى ربط أي تعاون أمني مع ليبيا بتحسينات ملموسة وقابلة للتحقق في ملف حقوق الإنسان واحترام حقوق المهاجرين واللاجئين.

وبين التصعيد السياسي والعمليات الأمنية والتحذيرات الحقوقية، يظل ملف الهجرة في ليبيا أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية، في ظل غياب نظام وطني للجوء، واستمرار الانقسام السياسي، وتزايد أعداد الفارين من النزاعات في المنطقة، ما يجعل مستقبل مئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين معلقاً بين حسابات الأمن والسياسة ومتطلبات القانون الدولي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.