Fajr Press

أسرار مصادرة مناجم الذهب بعد حرب 15 أبريل .. وادي العشار نموذجاً!؟

تحقيق - عبدالرحمن العاجب

في خضم الفوضى التي أعقبت إندلاع حرب 15 أبريل 2023، شهد قطاع التعدين في السودان تحولات عميقة تجاوزت البعد الأمني إلى إعادة رسم خريطة السيطرة الاقتصادية على موارد الذهب. وبينما برّرت السلطات العسكرية إجراءاتها باعتبارات الحرب وحماية المنشآت الاستراتيجية، برزت تساؤلات حول مصير عدد من المناجم والشركات الخاصة التي انتقلت إدارتها أو السيطرة عليها إلى جهات عسكرية. يتتبع هذا التحقيق الاستقصائي مسار تلك المصادرات، وأسسها القانونية، والجهات المستفيدة منها، متخذاً من مناجم “وادي العشار” المملوكة لرجل الأعمال مبروك مبارك سليم نموذجاً للكشف عما إذا كانت هذه الإجراءات حالات استثنائية فرضتها الحرب أم جزءاً من نمط أوسع لإعادة توزيع النفوذ والثروة في قطاع التعدين السوداني.

بعد إندلاع حرب 15 أبريل 2023، شهد قطاع التعدين في السودان تحولات عميقة تجاوزت البعد الأمني إلى إعادة رسم خريطة السيطرة الاقتصادية على مورد الذهب.

وفي السياق يؤكد الواقع أن التعدين الأهلي أصبح أحد أهم ركائز الاقتصاد السوداني خلال السنوات الأخيرة، لا سيما عقب انفصال جنوب السودان وفقدان البلاد جزءاً كبيراً من عائدات النفط. وتشير تقديرات وتقارير متخصصة إلى أن أكثر من ثمانية ملايين سوداني يعملون في نشاط التعدين التقليدي، الذي يسهم بنحو 80% من إجمالي إنتاج الذهب في البلاد، ما يجعله مصدر دخل رئيسياً لملايين الأسر، ورغم هذا الدور الاقتصادي الحيوي، يشكو العاملون في القطاع من ضعف الحماية القانونية وتراجع مستويات الإنصاف، خصوصاً في مناطق الإنتاج الكبرى.

 

وفي منطقة وادي العشار التابعة لمحلية هيا بولاية البحر الأحمر، ظل عدد من المعدنين التقليديين يطالبون باسترداد حقوقهم من شركة سودانية روسية تعمل في مجال التعدين، متهمين إياها بالاستيلاء على آبار ومواقع إنتاج تمثل مصدر رزق لآلاف الأسر، وبحسب إفادات عدد من المعدنين، فإن عمليات مصادرة الآبار تسببت في خسائر مالية كبيرة للمستثمرين وأصحاب المواقع، الذين أنفق بعضهم مئات الملايين من الجنيهات في أعمال الحفر والتطوير، قبل أن يفقدوا السيطرة على مواقعهم.

 

ويقول متضررون تحدثوا لصحيفة “فجر برس” فضلوا حجب أسمائهم إن مطالباتهم المتكررة للجهات الحكومية المختصة بالتدخل وإنصافهم لم تجد استجابة عملية حتى الآن، رغم صدور توجيهات وقرارات رسمية – بحسب روايتهم – تقضي بإعادة بعض المواقع إلى أصحابها، ويؤكد عدد من المعدنين أن الشركة المعروفة حالياً باسم “اليانس للتعدين” كانت تحمل سابقاً اسم “شركة كوش”، قبل أن يتم تغيير اسمها عقب سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير، ويتهم أصحاب التعدين الأهلي الشركة بمواصلة الاستيلاء على آبارهم استناداً إلى نفوذ وشبكات علاقات تعود إلى حقبة النظام السابق، الأمر الذي ألحق – وفقاً لرواياتهم – أضراراً اقتصادية واجتماعية واسعة بالمجتمعات المحلية العاملة في التعدين.

وكشفت متابعات صحيفة “فجر برس” عن وجود نحو 422 شركة حاصلة على تصاديق للعمل في منطقة وادي العشار، تسهم مجتمعة في إنتاج ما بين 15% و20% من إجمالي إنتاج الذهب بالسودان، ويحذر معدنون من أن استمرار مصادرة الآبار لصالح الشركات الكبيرة قد يؤدي إلى تشريد أكثر من “73” ألف عامل ينشطون في المنطقة، ويعتمدون بصورة مباشرة على التعدين التقليدي كمصدر دخل أساسي، وتشير المعلومات المتداولة إلى أن عدداً من آبار المعدنين والشركات الصغيرة تمت مصادرتها لصالح شركة كوش – اليانس حالياً – منذ تأسيسها في عام 2014، رغم صدور قرارات وتوجيهات من جهات رسمية ومحاكم بإعادة بعض تلك المواقع إلى أصحابها، إلا أن هذه القرارات لم تنفذ حتى الآن، وفقاً لمصادر محلية فضلت حجب إسمها.

 

وأظهرت وثائق اطلعت عليها “فجر برس” أن شركة “سودامين” الحكومية التابعة لوزارة المعادن شاركت في تأسيس شركة “اليانس للتعدين المحدودة” المسجلة تحت الرقم (45850)، وتمتلك 25% من أسهمها، ووفقاً للوثائق، وتمتلك شركة “كوش للاستكشاف والإنتاج المحدودة” نسبة 68% من الأسهم، فيما تمتلك شركة “أكسون للمشاريع المتطورة المحدودة” نسبة 7%. وأشارت المعلومات إلى وجود ملاحظات قانونية تتعلق بإحدى الشركات المساهمة في التأسيس، إلا أن الجهات المختصة لم تصدر توضيحات رسمية بشأن ذلك.

وشكّلت حرب 15 أبريل 2023 نقطة تحول حاسمة في طبيعة الاقتصاد السوداني، حيث برز الذهب بوصفه أحد أهم موارد “اقتصاد الحرب” الذي تعتمد عليه الأطراف المتصارعة لتأمين التمويل واستمرار العمليات العسكرية، وفي ظل انهيار مؤسسات الدولة وتراجع الإيرادات العامة، تحولت السيطرة على المناجم ومناطق الإنتاج المعدني إلى هدف استراتيجي لا يقل أهمية عن السيطرة على المدن والمواقع العسكرية، وفي هذا السياق، أثارت عمليات مصادرة أو وضع اليد على عدد من مناجم الذهب والشركات العاملة في قطاع التعدين تساؤلات واسعة حول العلاقة بين الحرب وإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي، وفي سياق ذلك اتُهم الجيش السوداني بالاستيلاء على بعض المناجم تحت مبررات أمنية مرتبطة بحماية الموارد الاستراتيجية ومنع وقوعها في أيدي قوات الدعم السريع.

 

غير أن منتقدين يرون أن هذه الإجراءات أسهمت في تعزيز قبضة المؤسسات العسكرية على قطاع الذهب، بما يتيح توجيه عائداته لدعم المجهود الحربي وتمويل العمليات العسكرية، وتبرز قضية مناجم “وادي العشار” المملوكة لرجل الأعمال مبروك مبارك سليم، كنموذج يكشف تعقيدات هذا المشهد؛ إذ تطرح أسئلة جوهرية حول الحدود الفاصلة بين الضرورات العسكرية ومصادرة الأصول الخاصة، وحول الجهات المستفيدة من عائدات الذهب في زمن الحرب، ومن خلال تتبع هذه القضية، يسعى التحقيق إلى استكشاف ما إذا كانت تلك المصادرات إجراءات استثنائية فرضتها ظروف الصراع أم جزءاً من نمط أوسع يعيد تشكيل خريطة الثروة والسلطة في السودان تحت مظلة اقتصاد الحرب.

 

وفي السياق كشفت مستندات رسمية صادرة عن الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية، واللجنة الفنية للتعدين، والشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، حصلت عليها صحيفة (فجر برس) عن نزاع قانوني وإداري معقد يتعلق بمناجم الذهب المرقمة (1) و(2) و(3) بمنطقة وادي العشار شرقي السودان، ووفقاً للمستندات، فإن المناجم محل النزاع مسجلة باسم رجل الأعمال مبروك مبارك سليم، فيما تشير الوثائق إلى أن سيطرة جهات وشركات أخرى على مواقع التعدين أدت إلى خسائر مالية قُدرت بنحو ثلاثة ملايين دولار، نتيجة تعثر شركة مبروك للتعدين في الوفاء بالتزامات تعاقدية مبرمة مع شركة الديباج للاستثمار والتنمية المحدودة.

 

وتُظهر وثيقة توكيل صادرة عن المحامي وموثق العقود محمد أحمد شورة، والمسجلة تحت الرقم (8509) بتاريخ 25 فبراير 2021، أن مبروك مبارك سليم، بصفته مالك عقد التعدين التقليدي للذهب داخل مربع شركة كوش والصادر عن وزارة المعادن والشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة بتاريخ 24 أبريل 2017، فوّض حميد محمد حامد أحمد لإدارة المناجم الثلاثة نيابة عنه، ومنح التوكيل حميد صلاحيات واسعة شملت تمثيل المالك أمام الجهات الحكومية المختصة، بما في ذلك وزارة المعادن والجهات الضريبية والزكوية، وسداد الرسوم والتوقيع على المستندات ذات الصلة، وتفيد المستندات بأن حميد قام لاحقاً بتأسيس شركة باسم “حميد للتنمية والاستثمار العالمية المحدودة”، كما فوّض محمد المنير آدم حمد لمتابعة الإجراءات المتعلقة بملفات التعدين لدى وزارة المعادن.

 

وفي تطور أثار جدلاً حول سلامة الإجراءات، منحت الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية بتاريخ 13 فبراير 2022 رخصة بحث مطلق رقم (1/2022) لشركة سيدون للتعدين، تغطي مساحة تبلغ 1.4 كيلومتر مربع بمحلية هيا بولاية البحر الأحمر للتنقيب عن الذهب، وتشير الوثائق إلى أن مساحة الترخيص الجديد تقع ضمن الإحداثيات نفسها الخاصة بمنجم مبروك مبارك سليم. وقد وقع الترخيص من جانب الهيئة مديرها المكلف آنذاك عثمان حسن عبدالقادر، فيما وقع عن شركة سيدون محمد المنير آدم حمد، وبحسب المستندات، فإن شركة سيدون تتبع لمبارك محمد علي، الذي تشير الوثائق إلى ارتباطه السابق بإدارة المنجم محل النزاع.

 

وعقب اكتشاف ما وُصف بأنه خطأ في إجراءات منح الرخصة، أصدرت اللجنة الفنية للتعدين، بناءً على توجيهات وزير المعادن آنذاك محمد بشير عبدالله، قراراً بتاريخ 19 يونيو 2022 يقضي بإيقاف النشاط التعديني بموجب الرخصة رقم (1/2022) إلى حين إشعار آخر، وفي إفادة رسمية، أكدت لجنة منطقة وادي العشار أن الإحداثيات التي تقدم بها مبارك محمد علي تقع داخل حدود منجم مبروك مبارك سليم، مشيرة إلى أنها سبق أن أصدرت شهادة خلو طرف تخص الموقع ذاته، وأضافت اللجنة أن مبارك محمد علي تقدم لاحقاً بطلب يستند إلى شهادة خلو طرف صادرة من لجنة أخرى بمنطقة “هاميناي هدايا” جنوب هيا جبل الغرض، وهي منطقة تبعد نحو 95 كيلومتراً عن وادي العشار، معتبرة أن هذا التباين يمثل خلطاً في تحديد المواقع محل الإجراءات، وجاءت الإفادة موقعة من العمدة أبو طالب محمود منصور ممثلاً للجنة أهالي منطقة وادي العشار.

 

وتسلط الوثائق الضوء على عقد شراكة أُبرم بين مبارك محمد علي وشركة المسار العالمية للخدمات والتعدين المحدودة، بإشراف المستشار القانوني للشركة، وبموجب العقد، تم الاتفاق على توزيع الإنتاج بنسبة 35% للطرف الأول و65% للطرف الثاني ممثلاً في شركة المسار، إلا أن مراجعة المستندات أظهرت وجود تناقض زمني أثار تساؤلات حول سلامة الإجراءات، إذ يحمل العقد تاريخ 17 أكتوبر 2019، بينما تشير البيانات الواردة في الملف إلى أن البطاقة القومية المستخدمة من قبل ممثل شركة المسار حسن عبدالقادر محمد صدرت بتاريخ 12 يناير 2020، أي بعد توقيع العقد بأشهر عدة، ويطرح هذا التباين أسئلة حول المستندات المستخدمة أثناء عملية التوقيع وما إذا كانت الإجراءات قد تمت وفق الأطر القانونية المطلوبة.

 

وفي المقابل، تضمن إقرار مشفوع باليمين صادر أمام المحامي وموثق العقود محمد أحمد شورة، تأكيداً من مبروك مبارك سليم بأنه صاحب الحق والامتياز في المنجم رقم (1) المعروف بـ”الخط الأخضر” في وادي العشار، استناداً إلى عقد التعدين الثلاثي الصادر من وزارة المعادن، وأكد مبروك في الإقرار عدم موافقته على عقد الشراكة المبرم بين مبارك محمد علي وشركة المسار، مشيراً إلى أن الاتفاق تم دون علمه أو تفويض منه، وأفاد بأنه لم يتسلم أي عائدات مالية من إنتاج المنجم منذ الأول من سبتمبر 2020، معتبراً أن استمرار العمل بالموقع وفق عقد الشراكة محل النزاع ألحق أضراراً فنية ومادية بالمنجم، وقد يؤثر على قدرته الإنتاجية مستقبلاً، لا سيما في ظل غياب أي ممثل عنه للإشراف المباشر على العمليات الجارية بالموقع، وتفتح هذه الوقائع الباب أمام تساؤلات بشأن إجراءات منح التراخيص والتفويضات وعقود الشراكة المرتبطة بالموقع، في انتظار ما قد تسفر عنه التحقيقات أو الإجراءات القانونية المختصة لحسم النزاع وتحديد المسؤوليات.

 

وتكشف مستندات حصلت عليها الصحيفة عن نزاع قانوني معقد يتعلق بمنجم الذهب رقم (1) بمنطقة وادي العشار بولاية البحر الأحمر، تتداخل فيه اتهامات جنائية ومدنية وإجراءات إدارية وقضائية امتدت لعدة سنوات، وبحسب إفادات مبروك مبارك سليم، فإنه اتهم وكيله السابق في المنجم، مبارك محمد علي صالح، بتنفيذ عمليات تفجير داخل المنجم دون علمه وبصورة مخالفة للقانون، والاستحواذ على كمية من الذهب بلغت نحو (127) كيلوغراماً. وعلى خلفية هذه الاتهامات، دوّن مبروك سليم بلاغاً جنائياً ضد وكيله السابق، وتشير المستندات إلى أنه بتاريخ 27 فبراير 2021 أصدر وكيل النيابة محمد السرالختم مصطفى أمراً بالقبض على مبارك محمد علي صالح في الدعوى الجنائية رقم (38/2021) تحت المادة (177) من القانون الجنائي.

 

غير أن مسار القضية شهد تطوراً لاحقاً، إذ أصدر النائب العام لجمهورية السودان، خليفة أحمد خليفة، بتاريخ 25 أبريل 2022 القرار رقم (12) لسنة 2022 في الدعوى الجنائية ذاتها، وقضى بشطب البلاغ لعدم الاختصاص النوعي، مع فك الحجز عن البئر وأدوات التشغيل، وإلغاء كافة الأوامر والتوجيهات الصادرة في الدعوى، وتوجيه الشاكي إلى اللجوء للمحاكم المدنية، مع حفظ الأوراق، وفي سياق موازٍ، لجأ مبروك سليم إلى القضاء المدني، حيث رفع دعوى ضد مبارك محمد علي صالح وشركة المسار العالمية للخدمات والتعدين المحدودة.

 

وبحسب أمر قضائي صادر من محكمة بحري الجزئية برئاسة القاضي الوليد إبراهيم محمد بتاريخ 18 مايو 2022، قررت المحكمة إصدار أمر وقتي بوقف العمل في المنجم رقم (1) بمنطقة وادي العشار إلى حين صدور أمر قضائي آخر، مع إلزام الأطراف بإبداء الأسباب المانعة، كما وجهت المحكمة الشرطة القضائية بولاية البحر الأحمر بحجز الموقع محل النزاع ووضعه تحت الحراسة القضائية، مع تقديم تقرير للمحكمة حول تنفيذ القرار في الجلسة المحددة بتاريخ 26 مايو 2022.

 

وبمراجعة المستندات التي حصلت عليها الصحيفة، تبرز مجموعة من الوقائع التي تستدعي التحقق القضائي والإداري، من بينها مستندات تشير إلى إلغاء اتفاقية امتياز كانت قد منحت لشركة حميد للتعدين داخل منطقة ترتبط بحقوق امتياز تخص شركة مبروك للتعدين، كما تتضمن الوثائق مراسلات وقرارات إدارية تتعلق بإجراءات منح أو إعادة تخصيص بعض المواقع التعدينية، وهو ما اعتبره مبروك سليم تعدياً على حقوقه القانونية في مربع الامتياز (30) بمنطقة وادي العشار، وتشير المستندات كذلك إلى وجود خلافات حول ملكية وحقوق استغلال بعض المواقع التعدينية، فضلاً عن مزاعم بحدوث تجاوزات إدارية صاحبت عمليات منح أو إعادة توزيع الامتيازات التعدينية داخل المنطقة.

 

وكشفت الوثائق أن العقد المبرم بين الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة ومبروك مبارك سليم نص في مادته العاشرة، الفقرة الرابعة، على تسوية النزاعات بين الطرفين ودياً، وفي حال تعذر ذلك يتم اللجوء إلى التحكيم وفقاً لقانون التحكيم السوداني، غير أن تصاعد الخلافات بين الأطراف دفع المسار القانوني نحو ساحات القضاء، حيث منحت النيابة العامة بتاريخ 30 نوفمبر 2021 شركة مبروك للتعدين الإذن بمقاضاة وزارة المعادن، ومع استمرار النزاعات القانونية والإدارية المتعلقة بمربع الامتياز (30) ومنجم وادي العشار، تبدو الكلمة الأخيرة مرهونة بما ستسفر عنه الإجراءات القضائية الجارية، وما قد تكشفه المحاكم من حقائق بشأن الاتهامات المتبادلة والقرارات محل النزاع.

 

من جانبه، قال مبروك مبارك سليم، أحد أصحاب المناجم في وادي العشار، إنه حصل على موقعه بصورة قانونية قبل منح الامتياز للشركة الروسية عام 2014. وأوضح في إفادته أن وزارة المعادن زارت الموقع عام 2015 وحددت إحداثياته، ليباشر العمل وفق نظام العقود الثلاثية المعمول به آنذاك. وأضاف أن لجنة رسمية شكلتها وزارة المعادن عام 2018 لمراجعة أوضاع المعدنين داخل امتيازات الشركات الكبرى، خلصت إلى أحقيته بالموقع بعد أن استثمر فيه مبالغ كبيرة تجاوزت خمسة ملايين دولار، مشيراً إلى أن الشركة الروسية تنازلت له – بحسب قوله – عن مساحة تبلغ 18 كيلومتراً مربعاً.

واتهم مبروك مسؤولين بوزارة المعادن بالتورط في إجراءات وصفها بأنها “تزوير” أدت إلى تحويل الامتياز الخاص به إلى جهة أخرى، وقال إنه تقدم بشكوى إلى النائب العام، أعقبها قرار وزاري بإلغاء الامتياز محل النزاع، إلا أن الموقع لم يُسجل باسمه رغم المستندات التي يقول إنها تثبت أحقيته، ووجه اتهامات إلى مسؤولين سابقين بالشركة السودانية للموارد المعدنية بالتدخل في ملف الموقع، مشيراً إلى أن شركة أخرى دخلت في استثمار بالموقع دون موافقته، وأضاف أن الموقع تعرض – بحسب روايته – لسيطرة جهات أخرى رغم وجود قرارات قضائية تتعلق بالنزاع.

وكشفت معلومات وشهادات متطابقة عن توسع نفوذ الشركات التابعة لـمنظومة الصناعات الدفاعية في قطاع التعدين عقب اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، وسط اتهامات باستيلائها على عدد من المناجم في مناطق مختلفة من البلاد. ومن بين هذه المواقع منجم “وادي العشار” الذي كان يتبع لرجل الأعمال مبروك مبارك سليم، فيما أكد مبروك، في إفادات خاصة لصحيفة “فجر برس” فقدانه السيطرة على المنجم بعد اندلاع الحرب، مشيراً إلى أن جهات مرتبطة بالجيش ومنظومة الصناعات الدفاعية أصبحت تدير الموقع. وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن مستقبل قطاع التعدين وأثر الحرب على ملكية واستغلال الموارد الاقتصادية في السودان.

 

وفي إطار التزامها بمبادئ المهنية المتمثلة في الدقة والتوازن والموضوعية، تواصلت “فجر برس” في مايو الماضي ويونيو الجاري مع وزير المعادن نورالدائم طه، والمدير العام الحالي للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة محمد طاهر، والمتحدث الرسمي بإسم القوات المسلحة للحصول على ردودهم بشأن الاتهامات الواردة في هذا التحقيق، ولم تتلقى الصحيفة رداً من وزير المعادن والمدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة والمتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة حتى وقت نشر هذا التحقيق، وتثير هذه القضية جملة من التساؤلات حول مستقبل التعدين الأهلي في السودان، ومدى قدرة الجهات الحكومية على حماية حقوق المعدنين التقليديين، وضمان التوازن بين الاستثمارات الكبرى وحقوق المجتمعات المحلية العاملة في قطاع التعدين، الذي بات يمثل أحد أهم مصادر الدخل القومي في البلاد.

تثير الوقائع التي رصدها التحقيق أسئلة جوهرية حول مدى ارتباط إعادة توزيع السيطرة على مناجم الذهب بتمويل العمليات العسكرية وشراء السلاح، وبينما تبقى العديد من التفاصيل بعيدة عن الشفافية، فإن المؤكد أن معركة السيطرة على الذهب باتت جزءاً لا ينفصل عن معركة النفوذ والسلطة في السودان.

ويبدو واضحاً من خلال وقائع التحقيق إن قضية مناجم “وادي العشار” لا تكشف عن نزاع على ملكية منجم أو شركة تعدين فحسب، بل تفتح نافذة أوسع على طبيعة اقتصاد الحرب الذي تشكّل في السودان منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع  في 15 أبريل 2023. وفي ظل تراجع مؤسسات الرقابة المدنية واتساع نفوذ الأطراف المسلحة، أصبح الذهب مورداً استراتيجياً يتجاوز قيمته التجارية إلى دوره كمصدر للسيولة والتمويل وتأمين شبكات الإمداد. وتثير الوقائع التي رصدها هذا التحقيق أسئلة جوهرية حول مدى ارتباط إعادة توزيع السيطرة على المناجم بتمويل العمليات العسكرية وشراء السلاح، في وقت تتزايد فيه أهمية الذهب كأحد أهم أصول الحرب. وبينما تبقى العديد من التفاصيل بعيدة عن الشفافية، فإن المؤكد أن معركة السيطرة على الذهب باتت جزءاً لا ينفصل عن معركة النفوذ والسلطة في السودان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.