سلاح الهوية: كيف يُستخدم البعد القبلي والجهوي لتغذية التضليل الإعلامي في حرب السودان؟ (1 – 2)
تحقيق - عبدالرحمن العاجب
في الحروب المعاصرة، لم تعد المعارك تُحسم في ميادين القتال وحدها، بل إمتدت إلى فضاءات الإعلام والمنصات الرقمية، حيث تتنافس الأطراف المتنازعة على تشكيل الوعي العام وصياغة الروايات المؤثرة في الرأي العام. وفي السودان، الذي يشهد منذ 15 – أبريل 2023 حرباً معقدة ذات أبعاد سياسية وعسكرية واجتماعية متشابكة، برزت الهوية القبلية والجهوية بوصفها أحد أكثر الأدوات إستخداماً في حملات التضليل الإعلامي والتأثير النفسي، وفي ظل الاستقطاب الحاد والانقسام المجتمعي، تحولت الانتماءات القبلية المحلية والجهوية إلى مادة خصبة لإنتاج وترويج محتوى يهدف إلى تأجيج التوترات، وتعميق مشاعر الكراهية والشك بين المكونات الاجتماعية المختلفة. وتُستخدم الأخبار المضللة، والمقاطع المجتزأة، والخطابات المحرضة لإعادة إنتاج الصور النمطية وتعزيز السرديات التي تربط الصراع بهويات إثنية أو جهوية بعينها، بما يسهم في توسيع دائرة الاستقطاب وإضعاف فرص التماسك المجتمعي، يسعى هذا التحقيق إلى استقصاء الكيفية التي يُوظَّف بها البعد القبلي والجهوي في حرب السودان كأداة للتضليل الإعلامي، ورصد أبرز الأنماط والخطابات المستخدمة، وتحليل آثارها على السلم الاجتماعي، مع تتبع الجهات الفاعلة التي تستثمر في “سلاح الهوية” لتوجيه الرأي العام والتأثير في مسار الصراع.
في حرب السودان الحالية برزت الهوية القبلية والجهوية بوصفها أحد أكثر الأدوات إستخداماً في حملات التضليل الإعلامي والتأثير النفسي.
معركة الفضاء الرقمي والنفوذ والتأثير:
ومنذ اندلاع الحرب في السودان في 15 – أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، لم تقتصر المعركة على ساحات القتال فحسب، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي ووسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي. وفي قلب هذه الحرب الإعلامية برزت الهوية القبلية والجهوية بوصفها إحدى أكثر الأدوات استخداماً في حملات التضليل والتحريض، حيث تحولت الانتماءات الاجتماعية إلى مادة تُستغل لإعادة تشكيل الروايات السياسية والعسكرية وتعبئة الجمهور وتبرير العنف، ومع اتساع نطاق النزاع، أصبحت الرسائل الإعلامية التي تستدعي الانتماء القبلي أو الجهوي جزءاً أساسياً من معركة النفوذ والتأثير، الأمر الذي ساهم في تعميق الانقسامات الاجتماعية وزيادة حالة الاستقطاب بين السودانيين، وأثار مخاوف متزايدة من أن تترك الحرب إرثاً طويل الأمد من التشظي المجتمعي يتجاوز آثارها العسكرية والاقتصادية.
بداية التضليل المنظم:
وبالنظر إلى بداية التضليل المنظم فإننا نجد إن الفضاء الرقمي السوداني شهد أولى مظاهر التضليل المنظم منذ عام 2011، عندما أنشأ جهاز الأمن والمخابرات وحدة عُرفت باسم “الجهاد الإلكتروني”. وبحسب دراسة نشرتها مؤسسة “بيم ريبورتس” بدأت هذه الوحدة في جمع المعلومات ومراقبة الناشطين المعارضين، قبل أن تتوسع أنشطتها لاحقاً لتشمل نشر المعلومات المضللة والتأثير على النقاش العام عبر المنصات الرقمية، لا سيما خلال احتجاجات سبتمبر 2013 . ومع تصاعد الحراك السياسي الذي قاد إلى ثورة ديسمبر 2018، لعبت منصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تنظيم الاحتجاجات وتنسيق المواكب وتوثيق الانتهاكات. وأشارت دراسة أجراها مختبر الأبحاث الرقمية التابع للمجلس الأطلسي (DFRLab) إلى أن هذه المنصات أسهمت في كشف ممارسات الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الرئيس المعزول عمر البشير، ما جعل الفضاء الرقمي أداة فعالة للمساءلة والتوثيق، غير أن هذه المساحة تحولت لاحقاً، مع اندلاع الحرب، إلى ساحة مركزية للصراع المعلوماتي وتبادل السرديات المتنافسة.
وفي المقابل تشير المعطيات إلى أن قوات الدعم السريع، عند تأسيسها عام 2013، كانت تعمل ضمن منظومة هيئة العمليات التابعة لجهاز المخابرات العامة. غير أن وضعها التنظيمي شهد تحولاً لاحقاً بعد انفصالها عن الجهاز، لتصبح قوة مستقلة بموجب قانون خاص أقره البرلمان عام 2017، وهو ما منحها إطاراً قانونياً وإدارياً مستقلاً، انعكس على توسع هياكلها المؤسسية وتعدد إداراتها، وفي سياق هذا التحول، أنشأت قوات الدعم السريع إدارة للإعلام الإلكتروني تولت الإشراف على إنتاج المحتوى الإعلامي وإدارة حضورها على المنصات الرقمية، إلى جانب المشاركة في الحملات الإعلامية الموجهة. وبمرور الوقت، توسع نشاط هذه الإدارة والمنصات المرتبطة بها، لتصبح أحد أبرز أذرع الاتصال والتواصل الخاصة بالقوة، عبر نشر الرسائل الإعلامية والتفاعل مع الأحداث السياسية والأمنية، وتذهب تقارير ودراسات تناولت المشهد الإعلامي السوداني إلى أن هذه المنصات لعبت دوراً مؤثراً خلال الفترة التي سبقت اندلاع حرب 15 أبريل، إذ ارتبط اسمها بحملات إعلامية وعمليات تضليل معلوماتي ممنهجة استهدفت تشكيل الرأي العام والتأثير في السرديات المتداولة على الفضاء الرقمي، في ظل تصاعد الاستقطاب السياسي والأمني الذي سبق اندلاع المواجهات المسلحة.
السعي لترسيخ رواية من أشعل الحرب؟
ومنذ الساعات الأولى لاندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 – أبريل 2023، سعى كل طرف إلى ترسيخ روايته بشأن مسؤولية إشعال الحرب، فبينما قالت قوات الدعم السريع إن الجيش هاجم قواتها في معسكر المدينة الرياضية، اعتبر الجيش أن قوات الدعم السريع تمردت على الدولة ومؤسساتها العسكرية، وشكل هذا التباين في السرديات مدخلاً واسعاً لعمليات التضليل والاستقطاب التي اجتاحت الفضاء الرقمي السوداني، ومع تطور الحرب، لم تقتصر المعركة الإعلامية على تبادل الاتهامات العسكرية، بل اتجهت بصورة متزايدة إلى توظيف الانتماءات القبلية والجهوية والهوياتية في تفسير الصراع وحشد التأييد له، وتحولت المنصات الرقمية إلى فضاء تُعاد فيه صياغة الأحداث عبر عدسات الهوية والانتماء الاجتماعي، بما ساهم في تعميق الانقسامات وإعادة إنتاج خطاب الكراهية.
وفي هذا السياق، برزت عدة سرديات متنافسة حول القوى التي تقف وراء الحرب، فقد اتهمت قوى سياسية ومدنية الحركة الإسلامية وأذرعها بالعمل على إشعال الصراع، بينما حمّلت أطراف أخرى مسؤولية الحرب للقوى المنخرطة في العملية السياسية السابقة، وأسهمت هذه السرديات المتضاربة في خلق بيئة خصبة للمعلومات المضللة يصعب فيها التمييز بين الوقائع والدعاية السياسية، وساعدت التحقيقات الصحفية والتقارير البحثية التي تناولت مشاركة جماعات إسلامية في القتال إلى جانب الجيش في تعزيز الجدل حول طبيعة الأطراف الفاعلة في الحرب، وأثارت تقارير إعلامية، من بينها تحقيقات دولية، أسئلة حول حجم النفوذ الذي تمارسه هذه الجماعات داخل المؤسسة العسكرية، في مقابل نفي الجيش لهذه الاتهامات.
السرديات وإرتباطها بالهوية والإنتماء:
ومع استمرار الحرب، تطورت السرديات المستخدمة في الخطاب الإعلامي من الحديث عن “التمرد” و”حرب الكرامة” إلى خطاب “الدفاع عن النفس” قبل أن تنتقل إلى مفاهيم أكثر ارتباطاً بالهوية والانتماء، مثل “عرب الشتات” و”الغزو الأجنبي” و”دولة العطاوة” و”المرتزقة” و”دولة 56″ و” دولة الجلابة” و”جيش البازنقر” و”الفلنقايات”. وقد ساهمت هذه السرديات في إعادة تعريف الصراع لدى قطاعات من الرأي العام بوصفه مواجهة بين مكونات اجتماعية وهوياتية، بدلاً من كونه نزاعاً سياسياً وعسكرياً. وكشفت تقارير صادرة عن مؤسسات مختصة بتقصي الحقائق عن وجود شبكات من الحسابات الرقمية التي تعمل بصورة منسقة لدعم روايات أطراف الحرب المختلفة، عبر إعادة نشر المحتوى الموجَّه، والترويج للمعلومات المضللة، واستهداف الخصوم السياسيين والعسكريين بحملات تشويه منظمة، كما أظهرت تحقيقات سابقة إغلاق منصات التواصل الاجتماعي عدداً من الشبكات المرتبطة بعمليات التأثير المنسق في الشأن السوداني.
سردية الإنتهاكات والدفاع عن النفس:
ولعبت سردية “الانتهاكات والدفاع عن النفس” دوراً محورياً في تشكيل الرأي العام خلال مراحل الحرب الأولى، حيث جرى تصوير الصراع على أنه معركة لحماية المدنيين من الانتهاكات المنسوبة للطرف الآخر. وفي المقابل، ساهم تداول الصور ومقاطع الفيديو والمعلومات غير الموثقة في تعقيد المشهد الإعلامي، إذ استخدمت مواد من خارج سياقها أو جرى تضخيم بعض الأحداث لخدمة أهداف دعائية وسياسية، ومع انتقال المعارك إلى ولايات مختلفة، ازداد حضور الخطاب القبلي والجهوي في المحتوى المتداول على المنصات الرقمية، وأصبحت بعض المجموعات السكانية تُصوَّر باعتبارها حواضن لطرف دون آخر، بينما جرى تداول روايات تتهم جماعات بعينها بالمسؤولية الجماعية عن أفعال عسكرية أو أمنية، وأسهم هذا الخطاب في تعزيز الاستقطاب المجتمعي وإضفاء أبعاد هوياتية على الصراع.
الألة الإعلامية للقوات المسلحة:
ووفق تحليل المحتوى كشفت تتبعات المشهد الرقمي التي أجراها محرر التحقيق عن شبكة واسعة من المنصات والحسابات الرقمية التي تتبنى خطاب القوات المسلحة السودانية. وتُدار مستوياتها الإعلامية عبر دوائر جغرافية واجتماعية محددة، مستندة إلى سردية ترتكز على مفاهيم “السيادة”، و”شرعية الدولة ومؤسساتها”، و”دعم القوات المسلحة”، و”معركة الكرامة”. وفي السياق يرى متابعون للمشهد أن الحرب الدائرة في السودان لا تُخاض في الميدان العسكري فحسب، بل تمتد إلى الفضاء الإعلامي، حيث أصبحت إدارة الرأي العام والتعبئة والاستنفار جزءًا رئيسيًا من الصراع. وفي هذا السياق، فعّل الجيش منظومة إعلامية رقمية تهدف، بحسب خطابها المعلن، إلى نشر تطورات العمليات العسكرية، وكشف ما تصفه بحقائق الحرب، ودحض روايات الطرف الآخر.
وبحسب رصد محرر التحقيق، تتوزع هذه المنظومة على عدة مستويات. ففي مقدمتها تأتي المنصات الرسمية للقوات المسلحة السودانية على موقعي “فيسبوك” و”إكس”، والتي تُستخدم لنشر البيانات العسكرية والمقاطع المصورة من مسارح العمليات. ويليها مستوى آخر يتمثل في منصات وحسابات مرتبطة بجهاز الأمن والمخابرات العامة، تُعنى بنشر التعميمات الأمنية، ومتابعة ما تصفه بـ”الخلايا المتعاونة”، إلى جانب التفاعل مع المحتوى المرتبط بالحرب. والمستوى الثالث يضم شبكة من المواقع والمنصات الإعلامية الداعمة، وهي واجهات إعلامية وصحف إلكترونية نشأت أو أعادت تموضعها منذ اندلاع الحرب، وتركز على دعم خطاب التعبئة والاستنفار الشعبي، ونشر تقارير ومحتوى يعزز رواية الجيش. ومن بين هذه المنصات صحيفة “الكرامة”، و”العودة” وموقع “قناة الزول”، وموقع “السودان الآن”، إلى جانب منصات أخرى تنشط في الاتجاه نفسه. وبالتوازي مع ذلك، رصد محرر التحقيق نشاط صفحات وحسابات تُعرف باسم “الردع”، يتابع بعضها مئات الآلاف من المستخدمين، وتحمل أسماء مثل “لواء الردع الإلكتروني” و”كلنا جيش” و”هنا أم درمان”. وتعمل هذه الصفحات، وفق الرصد، بدرجة عالية من التنسيق في نشر الأخبار العاجلة المتعلقة بالمعارك من منظور مؤيد للقوات المسلحة، وإعادة تدوير المواد المصورة والرسائل التعبوية على نطاق واسع.

وحصر محرر التحقيق عشرات المجموعات على تطبيق “واتساب“، يديرها أو ينشط فيها إعلاميون وشخصيات عامة محسوبة على التيار المؤيد للقوات المسلحة، من بينهم شخصيات ارتبطت بالنظام السابق. وتُستخدم هذه المجموعات لتبادل المواد الإعلامية، ونشر مقاطع الفيديو التعبوية، والترويج لخطاب الاستنفار، إلى جانب مهاجمة الأصوات المدنية المناهضة للحرب، ووصمها في كثير من الأحيان بالعمالة أو الخيانة، بما يسهم في تأجيج الاستقطاب داخل المجتمع. ومن أبرز الصفحات التي رصدها محرر التحقيق صفحة “من أحاجي الحرب”، التي كانت تُعرف سابقًا بأنها الصفحة الرسمية للدكتور عصمت محمود، أستاذ الفلسفة بجامعة الخرطوم، والذي يُنظر إليه بوصفه محسوبًا على الحركة الإسلامية وشمل الرصد صفحة الصحفي الرياضي مزمل أبو القاسم، و”الإنصرافي”، وعبدالرحمن عمسيب، إلى جانب الناشطة حياة عبدالملك، التي تنشط أيضًا عبر مجموعات “واتساب” وغرف “كلوب هاوس”، حيث تُتداول رسائل ومضامين مرتبطة بالحرب والتعبئة الإعلامية.
الآلة الإعلامية لقوات الدعم السريع:
وفي المقابل، تعتمد قوات الدعم السريع على منظومة إعلامية ورقمية متعددة المستويات، تشرف عليها إدارة الإعلام التابعة لها، بينما يُدار جانب من عملياتها الفنية من خارج السودان، إلى جانب مراكز إعلامية ميدانية أُنشئت في عدد من المدن الواقعة تحت سيطرة القوات، عقب انتقال نشاطها من الخرطوم. وكانت هذه المنظومة، قبل اندلاع الحرب، تعمل من المقر الإعلامي الرئيس ببرج قوات الدعم السريع وسط العاصمة، والذي أشارت تقارير إلى أن بعض جوانبه الفنية كانت تتم بإشراف خبراء أجانب، وتستند هذه المنظومة إلى شبكة من المنصات الرقمية وغرف التنسيق على تطبيقات المراسلة الفورية، تحمل مسميات متعددة، من بينها “جاهزية 24” و”أشاوس التحرير” و”واحة الأشاوس” وغيرها، وتُستخدم هذه المنصات في نشر الأخبار والتحديثات الميدانية، والترويج للرواية الإعلامية لقوات الدعم السريع، مع تعزيز المحتوى المؤيد والحد من تداول الروايات المخالفة داخل فضاءاتها الرقمية.
ويمثل محور آخر في هذه المنظومة شبكات من المؤثرين والناشطين والإعلاميين الذين ينشطون بصورة مكثفة على منصات التواصل الاجتماعي، ويتكرر حضور أسماء مثل “عبد المنعم الربيع، وجدو موسى، وأحمد كابوري، وعيسى ود أبوك، وأحمد كسلا، والفاضل منصور، وميسرة بوب” ضمن الحسابات الأكثر تفاعلاً مع الخطاب المؤيد لقوات الدعم السريع. ويؤدي هؤلاء دوراً في تنسيق الرسائل الإعلامية، وتوسيع نطاق انتشارها، وإعادة إنتاج السرديات الداعمة عبر مختلف المنصات الرقمية. وتستفيد هذه المنظومة من قنوات ومنصات إعلامية تبث محتوى مؤيد وداعم لخطاب قوات الدعم السريع، من بينها “سودان ميكس” و”الحقيقة”. وفي السياق ذاته، تواجه بعض المنصات والمواقع الإخبارية اتهامات متكررة من خصوم قوات الدعم السريع بتبني خطوط تحريرية تتماهى مع روايتها للأحداث، أو بالحصول على أشكال من الدعم المالي أو الفني أو التسهيلات المرتبطة بإدارة المحتوى، وهي اتهامات يصعب التحقق منها بصورة مستقلة في ظل بيئة الحرب والاستقطاب الإعلامي الحاد.
التضليل البصري والإستدعاء التاريخي:
وفيما يتعلق بإعادة تدوير الأحداث القديمة لخدمة السرديات الراهنة، ترى الأستاذة إيثار الشيخ، خبيرة إدارة المشاريع الإعلامية والتوثيق الإنساني أن هذا التكتيك يعتمد على تغيير سياق المواد والمضامين عبر آليتين رئيسيتين. تتمثل الأولى في التضليل البصري، من خلال إعادة نشر صور ومقاطع فيديو لانتهاكات أو صراعات قبلية وقعت في فترات سابقة، مثل أحداث دارفور عام 2003 أو النزاعات السابقة في شرق السودان والنيل الأزرق، ثم نسبتها إلى الأحداث الجارية بهدف إثارة الذعر وتعزيز الروايات المضللة. أما الآلية الثانية، فهي الاستدعاء التاريخي، عبر استحضار خطابات الغبن الاجتماعي والتاريخي وإسقاطها على الواقع الحالي، بما يعزز الانقسامات ويقنع بعض المجموعات المحلية بأن التعايش السلمي لم يعد ممكنًا، وأن المواجهة المسلحة تمثل الخيار الوحيد للدفاع عن الذات.
خبيرة إعلامية: مختلف المنصات الإعلامية “التقليدية والحديثة” تتقاسم أدوار التضليل وإن اختلفت أدواتها وأساليبها.
وبالنسبة لدور الإعلام التقليدي مقارنة بوسائل التواصل الاجتماعي، ترى إيثار الشيخ أن مختلف المنصات الإعلامية تتقاسم أدوار التضليل، وإن اختلفت أدواتها وأساليبها. فبينما تؤدي تطبيقات المراسلة المغلقة، مثل واتساب وتلغرام، دورًا مباشرًا في التحريض عبر تداول التسجيلات الصوتية المفبركة وخطابات الكراهية التي تعبر الحدود بسرعة، مستفيدةً من الروابط القبلية والجهوية لتعزيز قابلية التصديق والانتشار، يمارس الإعلام التقليدي، ولا سيما القنوات الفضائية، تضليلًا أكثر بنيوية من خلال التأطير الإخباري، وانتقاء المصطلحات الإقصائية، واستضافة محللين يضفون شرعية على الخطابات ذات الطابع القبلي أو العنصري. وبهذا، لا يقتصر دور الإعلام التقليدي على إعادة إنتاج الروايات المتداولة في الفضاء الرقمي، بل يمنحها أيضًا قدرًا من المصداقية والشرعية لدى الرأي العام، بما يسهم في ترسيخها وتوسيع نطاق تأثيرها.
توظيف الهوية كسلاح إعلامي:
ورصد محرر التحقيق إن معظم العمليات العسكرية رافقتها حملات رقمية مكثفة ربطت بين مناطق جغرافية أو جماعات إثنية محددة وبين أطراف النزاع، وهو ما عزز من انتشار الصور النمطية والأحكام المسبقة. وفي كثير من الحالات، استُخدمت الهوية القبلية أو الجهوية كأداة لتفسير الأحداث أو تبرير المواقف السياسية والعسكرية، بما أدى إلى توسيع دائرة الانقسام المجتمعي. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الفضاء الرقمي السوداني أصبح خلال الحرب ساحة رئيسية لتوظيف الهوية كسلاح إعلامي. ومن خلال السرديات القبلية والجهوية، وحملات التضليل المنسقة، وإعادة إنتاج خطاب الكراهية، جرى توجيه النقاش العام بعيداً عن الوقائع الميدانية نحو صراعات الهوية والانتماء، وبذلك لم تعد المعركة تدور فقط على الأرض، بل امتدت إلى المجال الرقمي، حيث أصبحت الهوية واحدة من أكثر الأدوات تأثيراً في تشكيل الرأي العام وإعادة تعريف أطراف الحرب وخصومها.
جهاز الأمن وصناعة السرديات المضللة:
وفي السياق أشار مدقق الحقائق السنوسي مهدي إلى إن هناك دراسات وتقارير سابقة كشفت وجود حملات تضليل إعلامي منظمة تستهدف التأثير على النقاش العام في الفضاء الرقمي السوداني، تقف وراءها أطراف متعددة يمكن تصنيفها إلى فاعلين داخليين وخارجيين. وبحسب السنوسي يضم الفاعلون الداخليون مؤسسات وأطرافًا متباينة، من بينها “الجيش، والحركة الإسلامية، وجهاز المخابرات، وقوات الدعم السريع” إلى جانب بعض القوى السياسية المدنية. وأفاد السنوسي أن الأدلة المتاحة تظهر أن جهاز المخابرات العامة كان من أوائل الجهات التي طورت أدوات منظمة للتأثير الرقمي، عبر تأسيس وحدة عُرفت باسم “الجهاد الإلكتروني” عام 2011، والتي ارتبط نشاطها بإدارة حملات دعائية وممارسات تضليلية في الفضاء الإلكتروني. ومن خلال رصد وتدقيق المحتوى المتداول خلال سنوات الحرب، يتضح أن الانتماءات القبلية والجهوية أصبحت إحدى أبرز الأدوات المستخدمة في صناعة السرديات المضللة وتوجيه الرأي العام بما يخدم أهداف الأطراف المتصارعة.
فيسبوك منصة اٍلصراع والتضليل:

وفي الحالة السودانية نجد إن معظم السودانيين الذين يمتلكون هاتف ذكي واتصال بالإنترنت يستخدمون منصة “فيسبوك” لمعرفة الأخبار أو للتعليق على الأحداث الجارية، وخلال الحرب تفشى خطاب الكراهية بصورة كبيرة وازداد الإنقسام الإجتماعي بين المجتمعات التي تناصر الدعم السريع والتي تناصر الجيش. بيد أن “فيسبوك” كانت تمثل المنصة الأوسع للتواصل بين هذه المجتمعات لدحض خطاب الكراهية أو للوصول إلى صيغة تعايش. ورغم ذلك عمل مجموعة من الفاعلين الموالين للجيش على التواصل مع شركة “فيسبوك” لإغلاق الحسابات التابعة لقوات الدعم السريع. واتخذت الشركة قراراً سياسيا، وعبره أغلقت الشركة مئات الحسابات التي تتبع لأفراد من مجتمعات غرب السودان .. حيث أن الشركة أغلقت حسابات مواطنين ليس لهم ارتباط بقوات الدعم السريع، مساهمة في ذلك بانقطاع تواصل السودانيين فيما بينهم، مما يتيح فضائين متباعدين بفعل شركة “فيسبوك” وبفعل الصراع على الأرض، لتساهم الأولي في تأجيج وانتشار خطاب الكراهية، فتكون بذلك خالفت الشركة مبادئها المعلنة مساهمةً في حرق ثالث أكبر بلد في إفريقيا.
إستخدام الوسائط في تأجيج الصراع:
وفي السياق يرى الدكتور منزول عسل المدير السابق لمعهد أبحاث السلام وأستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة الخرطوم أن متابعة ما يُبث عبر القنوات الفضائية التقليدية، إلى جانب منصات التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك وواتساب وتيك توك” وغيرها، تكشف عن استخدام واسع وفعّال لهذه الوسائط في تأجيج الصراع. ويشير إلى وجود حملات منظمة تستغل الانتماءات القبلية والجهوية والإثنية لإذكاء نار الحرب وتعميق الانقسامات المجتمعية. وأضاف أن مرصد “بيم ريبورت” أعدّ عدداً من التحقيقات الصحفية التي تتبعت حسابات ومنصات رقمية تُستخدم لهذا الغرض، وتبيّن أن بعضها يُدار من خارج السودان. ولفت إلى أن أحد التقارير التي اطّلع عليها كشف عن صفحات تُدار من دول عدة، بينها “سوريا ومصر والإمارات العربية المتحدة والسعودية وإندونيسيا”.
الدكتور منزول عسل: توجد حملات منظمة تستغل الانتماءات القبلية والجهوية والإثنية لإذكاء نار الحرب وتعميق الانقسامات المجتمعية.
ويرى الدكتور منزول عسل أن وجود مثل هذه الحسابات يشير إلى وقوف جهات مؤثرة وراءها، قد تكون مؤسسات أو حتى دولاً، خاصة في ظل التقارير المتعددة التي تناولت دعم أطراف إقليمية مختلفة للجهات المتحاربة في السودان. وأوضح أن بعض الحسابات قد تكون شخصية وبسيطة، إلا أن عدداً كبيراً منها يبدو مرتبطاً بجهات ذات إمكانات ونفوذ أكبر. وأكد وجود علاقة وثيقة بين الفعل العسكري والخطاب الإعلامي، مشيراً إلى أن هناك إعلاميين وصحفيين يدعمون أطراف الحرب المختلفة، سواء الجيش أو قوات الدعم السريع، وأن هذا الأمر بات واضحاً للمتابعين. وأضاف أن التنسيق بين الجوانب العسكرية والإعلامية، بما في ذلك الخلايا الإعلامية الداعمة لخطاب الحرب، يمثل أحد العوامل المؤثرة في تشكيل السرديات المتداولة حول الصراع.
الهوية في سياق الصراع السوداني:
كشف التحقيق عن حقيقة مفادها إن المعركة لم تعد تدور فقط على الأرض، بل امتدت إلى المجال الرقمي، حيث أصبحت الهوية واحدة من أكثر الأدوات تأثيراً في تشكيل الرأي العام وإعادة تعريف أطراف الحرب وخصومها.
ووفقاً لمعطيات الواقع التاريخي والواقع المعاصر لا يمكن فهم توظيف البعد القبلي في الحرب الحالية دون العودة إلى التاريخ السياسي والاجتماعي للسودان، حيث ظلت قضايا المركز والهامش، والانتماءات القبلية والإثنية، حاضرة في العديد من النزاعات التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية. ورغم أن السودان عرف تاريخياً تنوعاً ثقافياً وإثنياً واسعاً، فإن هذا التنوع تحول في بعض المراحل إلى أداة سياسية استخدمتها أطراف مختلفة لحشد الأنصار أو إضعاف الخصوم. ومع اندلاع الحرب الراهنة، وجدت الجهات المتصارعة والفاعلون المؤيدون لها في الفضاء الرقمي بيئة خصبة لإعادة إنتاج هذه الخطابات على نطاق غير مسبوق، فبدلاً من التركيز على الوقائع العسكرية أو السياسية، اتجهت بعض الحملات الإعلامية إلى ربط الأحداث الميدانية بانتماءات قبلية أو جهوية محددة، بما يعزز صورة نمطية عن جماعات بعينها ويختزل الصراع في مواجهة بين هويات متنافسة.