Fajr Press

بعد أن قتل أكثر من “1,335” مدنياً: كيف حوّل طيران الجيش السوداني المدن والأسواق إلى ساحات قتل؟

خاص - فجر برس

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لم تعد السماء بالنسبة إلى ملايين المدنيين مصدرًا للمطر والنجاة، بل أصبحت في مناطق واسعة منها مصدرًا آخر للموت. فمع اتساع رقعة الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، استخدم الجيش تفوقه الجوي لقصف مناطق واقعة تحت سيطرة خصمه، فيما دفع المدنيون الثمن في الأسواق والأحياء السكنية والمرافق الصحية ومناطق النزوح، وتشير الأدلة التي جمعتها منظمات حقوقية وهيئات تابعة للأمم المتحدة إلى نمط متكرر من الغارات الجوية التي أصابت مناطق مكتظة بالسكان، باستخدام قنابل غير موجهة ذات تأثير واسع، وفي بعض الحالات، وثقت التحقيقات أسماء المواقع، ونوع الذخائر، وآثار الانفجارات، وشهادات الناجين، بل واستخدمت صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو لتحديد أماكن الضربات.
سوق كبكابية الذي تحول إلى مقبرة:
في التاسع من ديسمبر 2024، تعرض سوق كبكابية الأسبوعي في شمال دارفور لقصف جوي بينما كان مكتظًا بالمدنيين. وقالت منظمة العفو الدولية، بعد جمع شهادات من شهود، إن طائرة عسكرية قصفت السوق، ما أدى إلى مقتل عشرات الأشخاص، بينهم 15 نازحًا كانوا قد فروا أصلًا من مناطق أخرى بحثًا عن الأمان، وكانت حصيلة الضحايا محل اختلاف في الأيام الأولى؛ إذ تحدثت مصادر محلية وحقوقية عن أكثر من 100 قتيل ومئات الجرحى، بينما قالت السلطات المحلية إن العدد أقل. غير أن بعثة تقصي الحقائق الدولية بشأن السودان أكدت لاحقًا أن ضربة كبكابية قتلت أكثر من 100 مدني، كما وثقت مقاطع مصورة دمار السوق وسحب الدخان وإخراج الجرحى من تحت الأنقاض، فيما تكمن أهمية هذه الواقعة في أن الأمر لم يعد مجرد رواية طرف في الحرب؛ فمجلس الأمن الدولي أشار في ديسمبر 2024 إلى الغارة على سوق كبكابية وإلى مقتل أكثر من 100 شخص، ولكن الجيش السوداني نفى مسؤوليته عن الهجوم، وقال إنه يملك حق استهداف أي موقع تستخدمه قوات الدعم السريع لأغراض عسكرية لكن منظمة العفو الدولية شددت على أن وجود مقاتلين محتملين في منطقة مدنية لا يرفع عنها الحماية التي يمنحها القانون الدولي للمدنيين.
قنابل نيالا التي لا تميز بين مقاتل ومدني:
في مدينة نيالا، عاصمة جنوب دارفور، تظهر أدلة أكثر تفصيلًا على طبيعة الذخائر المستخدمة، حيث وثقت منظمة “هيومن رايتس ووتش” خمس غارات جوية في الثالث من فبراير 2025، استهدفت مناطق تجارية وسكنية في أحياء “الجمهورية والسينما وعلى طريق الكونغو” واستند التحقيق إلى مقابلات مع 11 ضحية وشاهدًا وثلاثة من العاملين الطبيين، إلى جانب صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو وبقايا الذخائر، وأفاد أطباء منظمة أطباء بلا حدود بمقتل 32 شخصًا في هجمات الثالث من فبراير، بينما قدر مشروع ACLED أن عدد المدنيين الذين قتلوا خلال الفترة من 2 إلى 4 فبراير تراوح بين 51 و74 شخصًا، إضافة إلى عشرات الجرحى.
الأكثر دلالة أن التحقيق تمكن من تحديد نوع القنابل المستخدمة. فقد عثرت “هيومن رايتس ووتش” على بقايا قنبلة OFAB-250 قرب مستشفى مكة للعيون، وقنبلة أخرى من سلسلة FAB. وهذه ذخائر جوية غير موجهة، ذات تأثير واسع ودقة محدودة، ما يجعل استخدامها في أحياء مكتظة بالسكان بالغ الخطورة على المدنيين، وقال شهود للمنظمة إنهم رأوا طائرة واحدة تحلق فوق المدينة، وإن القصف تكرر خلال دقائق؛ طائرة تدور فوق الهدف ثم تعود لتلقي قنبلة أخرى، وخلصت “هيومن رايتس ووتش” إلى أن الضربات بدت عشوائية وغير متناسبة، وأن تنفيذ هجمات عشوائية عمدًا أو برعونة في مناطق مأهولة قد يشكل جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني.
من الأسواق إلى المستشفيات:
ولم يتوقف أثر القصف عند الأسواق والمنازل، ففي 21 يونيو 2025، وثقت الأمم المتحدة ضربة جوية نفذتها القوات المسلحة السودانية على مستشفى في المجلد بولاية غرب كردفان، أدت إلى مقتل 41 مدنيًا، بينهم أطفال وأفراد من الطاقم الطبي، وفي 30 أغسطس 2025، أصابت طائرة مسيّرة تابعة للقوات المسلحة السودانية مركز يشفين الطبي في نيالا، ما أدى إلى مقتل 30 شخصًا، وفق تقرير أممي لاحق، وتكشف هذه الوقائع أن الخطر لا يقتصر على احتمال سقوط قنبلة في مكان مدني بالصدفة؛ فحين تصاب منشأة طبية، تتضاعف الخسارة: يسقط مرضى وعاملون صحيون، ويتعطل في الوقت نفسه المكان الذي يفترض أن يستقبل الجرحى والناجين، فيما وثقت الأمم المتحدة هجمات أخرى نسبت إلى القوات المسلحة السودانية على مدارس ومواقع مدنية، ففي يونيو ويوليو 2025 أصابت غارات جوية ثلاث مدارس في أبو زبد بغرب كردفان، ما أدى إلى مقتل 16 مدنيًا وإصابة 15 آخرين.
نمط متكرر.. وجغرافية واسعة للقصف:
وتكشف الوقائع الموثقة عن جغرافيا واسعة للقصف الجوي المنسوب إلى الجيش في مناطق “كبكابية، الكومة، نيالا، الفاشر، أم درمان، الخرطوم، غرب كردفان وغيرها…” وفي السياق قالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة إن القوات المسلحة السودانية قصفت سوق الكومة في أكتوبر 2024، ما أدى إلى مقتل 45 مدنيًا على الأقل، كما وثقت قصف سوق طُرّة في مارس 2025 خلال ساعات الذروة، مشيرة إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، معظمهم من النساء والأطفال، وفي يناير 2025، تحدثت الأمم المتحدة لاحقًا عن ضربة بطائرة مسيّرة يُعتقد أنها تابعة للقوات المسلحة السودانية على سوق في أم درمان، أسفرت، وفق المعلومات التي تلقتها، عن مقتل 120 مدنيًا وإصابة 150. وتظل هذه الواقعة مصنفة في التقرير الأممي باعتبارها ضربة “يُعتقد” أنها نفذتها القوات المسلحة، وهو فارق مهم في العمل الصحفي بين الواقعة المثبتة والواقعة المنسوبة.
كم مدنيًا قتل القصف الجوي؟
لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات مستقلة قادرة على تقديم رقم نهائي شامل لضحايا القصف الجوي المنسوب إلى الجيش وحده. والسبب أن الحرب تعرقل الوصول إلى مناطق كثيرة، كما تتضارب الروايات حول المسؤولية عن بعض الضربات، ويصعب أحيانًا التمييز بين الطائرات الحربية والمسيّرات، لكن الأرقام المتاحة تكشف حجم المأساة، ففي الفترة من يناير إلى يونيو 2025، قالت آلية أممية إن القوات المسلحة السودانية نفذت أكثر من 305 غارات جوية أو بطائرات مسيّرة، تسببت، وفق المعلومات التي تلقتها، في مقتل أكثر من 1,335 مدنيًا، وهذه الأرقام لا تعني أن جميع الوفيات البالغ عددها 1,335 وقعت في هجمات عشوائية أو أن كل حالة تم التحقق منها ميدانيًا بالدرجة نفسها؛ لكنها تقدم مؤشرًا واسعًا على حجم الخسائر المرتبطة بالعمليات الجوية المنسوبة إلى الجيش، وفي يونيو 2026، قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 1,000 مدني قتلوا بضربات مسيّرة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، وأن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع استخدمتا الطائرات المسيّرة على نطاق واسع، واستهدفت الضربات أسواقًا ومرافق صحية وبنية تحتية مدنية. وهذا يعكس انتقال الحرب الجوية إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، يصبح فيها تحديد المسؤولية عن كل ضربة أكثر صعوبة.
بين “الهدف العسكري” وحماية المدنيين:
وبالنسبة للجيش السوداني فإننا نجده يتمسك في دفاعه عن عملياته الجوية، بأنه يستهدف مواقع قوات الدعم السريع وليس المدنيين، وأن وجود أهداف عسكرية في مناطق خاضعة لسيطرة الخصم يمنحه حق مهاجمتها، لكن القانون الدولي الإنساني لا يمنح أي طرف شيكًا مفتوحًا لقصف المناطق المأهولة، فحتى عندما يكون الهدف العسكري موجودًا وسط منطقة مدنية، تبقى على القوة المهاجمة واجبات التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين، وهنا تكتسب نتائج التحقيق في مدينة نيالا أهميتها: عندما تستخدم قنبلة غير موجهة وواسعة التأثير في شارع تجاري مكتظ، فإن السؤال لا يعود فقط: “هل كان هناك مقاتلون في المنطقة؟”، بل أيضًا: هل كان بالإمكان استخدام وسيلة أكثر دقة؟ وهل كانت الخسائر المتوقعة بين المدنيين متناسبة مع الميزة العسكرية المنتظرة؟
السماء لا تعفي أحدًا من المسؤولية:
القوات المسلحة السودانية مسؤولة عن الانتهاكات المنسوبة إليها، فالضحايا المدنيون لا ينتمون إلى طرف لمجرد أنهم يعيشون في مدينة يسيطر عليها طرف آخر، وفي الحالات التي وثقتها جهات مستقلة، من كبكابية إلى نيالا، ومن الكومة إلى المجلد، تتكرر العناصر نفسها: مناطق مدنية، أسلحة ذات تأثير واسع، أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، وتدمير لمنازل وأسواق ومرافق يفترض أن تحظى بالحماية، ومع استمرار الحرب حتى عام 2026، باتت الحاجة أكثر إلحاحًا إلى تحقيقات مستقلة تحدد، ضربةً بضربة، الطائرة والذخيرة وموقع الإطلاق وسلسلة القيادة والهدف العسكري المفترض، ثم تقارن ذلك بحجم الضرر الواقع على المدنيين، فالرقم، مهما بلغ، لا يختصر المأساة، لكن توثيق الرقم هو الخطوة الأولى نحو معرفة من ضغط الزناد، ومن أصدر الأمر، ومن يستطيع أن يمنع تكرار الجريمة، وفي السودان، ما يزال السؤال معلقًا في السماء: كم جريمة أخرى يمكن أن تسقط من السماء قبل أن تبدأ العدالة بالتحليق فوق أرض الحرب؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.