Fajr Press

سهام .. أمٌّ رحلت قبل أن ترى توأميها.

متابعات - فجر برس

في قرية تلوا، بمنطقة سوني التابعة لدائرة ديرا في دارفور، لم يكن الليل يشبه بقية الليالي. كان هناك مخاض امرأة في الخامسة والثلاثين، تحمل في رحمها طفلين، وتتشبث بأمل أن تضعهما سالمين، كما تفعل الأمهات في كل مكان، لكن سهام موسى عبد الرحمن لم تصل إلى اللحظة التي طالما انتظرتها.

رحلت وهي في المخاض، وفق بيان لحركة جيش تحرير السودان، الذي نعاها في 24 سبتمبر 2026، مشيراً إلى أن وفاتها حدثت بسبب تعثر الولادة وعدم توفر الرعاية الطبية اللازمة.

لم تكن سهام في مستشفى مجهز، ولا إلى جوارها فريق طبي ينتظر ولادة التوأم. كانت في قرية تقع في واحدة من أكثر مناطق السودان تأثراً بالحرب والنزوح، حيث يمكن أن تتحول مضاعفات الولادة، التي يمكن التعامل معها طبياً في الظروف الطبيعية، إلى مأساة لا تملك الأسرة أمامها سوى الانتظار.

رحلت الأم، وبقي السؤال الأصعب معلقاً في المكان: هل كان يمكن إنقاذها؟ لا يقدم البيان الطبي تفاصيل عن طبيعة المضاعفات التي أدت إلى الوفاة، ولا يورد سجلاً طبياً يحدد بدقة ما حدث خلال ساعات المخاض.

لكنه يضع وفاتها في سياق أوسع من الأزمة الإنسانية التي تضرب دارفور ومناطق أخرى من السودان، حيث تقول الحركة إن نقص الخدمات الطبية والأدوية وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية يهددان حياة المدنيين، خصوصاً النساء الحوامل.

قصة سهام، بهذا المعنى، لا تبدأ عند لحظة المخاض، ولا تنتهي عند إعلان وفاتها، إنها قصة امرأة نزحت مع الحرب، وانتهت حياتها في مكان كان يفترض أن يكون محطة مؤقتة للنجاة، لا مكاناً للموت. وهي أيضاً قصة أم لم تتح لها الحرب فرصة أن تسمع بكاء طفليها، أو أن تضمهما إلى صدرها، أو أن تعرف أيهما سيحمل ملامحها أكثر.

في البلدان التي تتوفر فيها الرعاية الصحية الأساسية، تبدو الولادة المتعسرة حالة طبية تستدعي التدخل السريع. أما في مناطق النزاع، فقد يصبح الوصول إلى الطبيب رحلة محفوفة بالعوائق، وقد تكون سيارة الإسعاف رفاهية، وقد يسبق النزيف وصول المساعدة، وهنا تتجاوز مأساة سهام حدود أسرتها الصغيرة.

فالمرأة الحامل في مناطق الحرب لا تواجه مخاطر الحمل والولادة وحدها؛ بل تواجه أيضاً انهيار النظام الصحي، والنزوح، وانقطاع الطرق، ونقص الأدوية، وتراجع خدمات الطوارئ، وصعوبة الوصول إلى المرافق الطبية. وكل عائق من هذه العوائق قد يحول حالة قابلة للعلاج إلى مأساة.

ويشير بيان حركة جيش تحرير السودان إلى أن مئات النساء الحوامل يمتن سنوياً في دارفور وعموم مناطق النزاعات في السودان بسبب تعثر الولادة وانعدام الرعاية الطبية اللازمة.

وهذه الأرقام، كما وردت في البيان، تحتاج إلى توثيق مستقل قبل التعامل معها باعتبارها إحصاءً نهائياً، لكنها تعكس في الوقت نفسه حجم القلق المتزايد بشأن صحة النساء والأمهات في مناطق الحرب.

في نهاية بيان النعي، لم تطلب الحركة فقط الرحمة لسهام، بل وجهت مناشدة إلى المجتمع الدولي للضغط على أطراف الصراع من أجل هدنة إنسانية وفتح المعابر والمسارات أمام الإغاثة والمساعدات والأدوية.

لكن خلف لغة البيانات والمناشدات الدولية، تبقى هناك امرأة واحدة، سهام موسى عبد الرحمن، امرأة في الخامسة والثلاثين، كانت تنتظر طفلين، فغلبها المخاض في مكان لم تتوفر فيه الرعاية التي احتاجتها، لم يعرف التوأمان أمّهما، ولم تعرف هي وجهيهما.

وفي قرية تلوا، ستبقى الحكاية أكثر من خبر وفاة. ستبقى شاهداً صغيراً على الكلفة الإنسانية الكبيرة لحرب لا تظهر خسائرها دائماً في أرقام القتلى والجرحى، بل تظهر أيضاً في أم تموت أثناء الولادة، وفي طفلين يبدآن حياتهما بلا أم، وفي أسرة ستظل تسأل طويلاً عمّا إذا كان يمكن إنقاذ سهام لو كان الطبيب قريباً، والدواء متاحاً، والطريق آمناً.

أحياناً، لا تحتاج الحرب إلى أن تطلق رصاصة كي تقتل. ويكفي أن تغيب الرعاية حين تكون الحياة معلقة بخيط رفيع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.