Fajr Press

حزب الأمة خارج سلالة الورثة: تحرير التاريخ من سلطة النسب.

كتب - نجم الدين دريسة

ليست أخطر أزمات الأحزاب أن تخسر انتخابات، أو تنقسم قياداتها، أو تتراجع شعبيتها..فهذه كلها جراح يمكن للمؤسسات الحية أن تتعافى منها… الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول التاريخ من مصدر للشرعية إلى أداة لاحتكارها، وعندما يصبح الماضي، بدلاً من أن يكون قوة تدفع الحزب إلى المستقبل، سياجاً يحرس مواقع بعينها ويمنح أصحاب الأسماء الكبيرة امتيازاً سياسياً لا تمنحه صناديق الاقتراع. عند تلك اللحظة لا يعود السؤال: من يقود الحزب؟ بل: لمن ينتمي الحزب أصلاً؟

وهذا، في جوهره، هو السؤال الذي يقف أمام حزب الأمة القومي اليوم… فالحزب الذي ارتبط اسمه بمعركة الاستقلال، واستند إلى قاعدة اجتماعية واسعة امتدت في أقاليم السودان، لا يواجه مجرد أزمة قيادة أعقبت رحيل الإمام الصادق المهدي… إنه يواجه امتحاناً أعمق يتعلق بطبيعة وجوده نفسه.. هل يستطيع الانتقال من حزب تدور شرعيته حول التاريخ والرمزية إلى مؤسسة سياسية حديثة تستمد سلطانها من أعضائها؟ أم يظل أسيراً لفكرة أن الماضي قادر وحده على ضمان المستقبل؟

إن اختزال مأزق حزب الأمة في غياب «القيادة التاريخية» بعد رحيل الصادق المهدي ليس تشخيصاً للأزمة بقدر ما هو أحد أعراضها. فحزب تأسس في فبراير 1945، وحمل شعار الاستقلال، وأصبح أحد أكبر مكونات الحياة السياسية السودانية، ينبغي ألا يتوقف توازنه على وجود شخص واحد مهما بلغت قامته. المؤسسات لا تُقاس بعظمة من قادوها فقط، وإنما بقدرتها على الاستمرار بعدهم. وإذا كان رحيل القائد يفتح فراغاً يهدد كيان الحزب، فالمشكلة ليست في الرحيل؛ المشكلة في البناء الذي جعل وجود المؤسسة شديد الارتباط بوجود الفرد.

كان الصادق المهدي، بلا جدال، من أكثر السياسيين السودانيين إنتاجاً للأفكار والمفاهيم والاجتهادات، وترك تراثاً سياسياً وفكرياً واسعاً يستحق الدراسة والنقد، كما واجه أنظمة شمولية ودفع أثماناً سياسية وشخصية خلال مسيرته. لكن احترام هذا التاريخ لا يقتضي تحويله إلى مرجعية فوق المساءلة. فالإنصاف الحقيقي لا يصنع الأصنام، وإنما يضع الشخصيات التاريخية داخل سياقاتها، ويعترف بإسهاماتها مثلما يناقش تناقضاتها وإخفاقاتها.

وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات إثارة للتأمل في تجربة الصادق المهدي. فقد طرح أفكاراً متقدمة نسبياً حول ضرورة تحرير القوى السياسية السودانية من القيود التاريخية التي أعاقت تطورها؛ حزب الأمة من القيد الأنصاري، والاتحادي من القيد الختمي، والقوى العروبية من القيد القطري، والشيوعي من الجمود الماركسي، والحركة الإسلامية من تناقضاتها مع الديمقراطية. كانت أطروحة جديرة بالنقاش، لكنها اصطدمت في حالة حزب الأمة بمفارقة عملية واضحة ظل صاحب الدعوة إلى فك الارتباط يجمع بين إمامة الأنصار والقيادة السياسية للحزب.

لم تكن المشكلة، ولن تكون، في الأنصار أنفسهم. فالأنصار مكوّن ديني واجتماعي وتاريخي أصيل، وتاريخهم جزء لا يمكن محوه من تاريخ السودان الحديث. الإشكال يبدأ عندما تتداخل الشرعية الدينية والاجتماعية مع الشرعية الحزبية إلى درجة يصعب معها معرفة أين تنتهي المؤسسة الروحية وأين يبدأ التنظيم السياسي. فالإمامة تستمد معناها من سياق ديني وتاريخي واجتماعي مخصوص، أما رئاسة الحزب في دولة ديمقراطية حديثة فلا ينبغي أن تستمد مشروعيتها إلا من العضوية والانتخاب والبرنامج والكفاءة والمحاسبة.

وعندما لا يكون الحد الفاصل بين المجالين صارماً، تتسلل الرمزية الموروثة إلى المؤسسة السياسية، ويتحول التاريخ شيئاً فشيئاً من ذاكرة مشتركة إلى مصدر للنفوذ. عندها تصبح القرابة السياسية أكثر حضوراً مما ينبغي، ويجد الحزب نفسه أمام سؤال بالغ الحساسية: هل القيادة حق تنافسي مفتوح أمام جميع أعضائه، أم أن هناك أسماء تدخل المنافسة وهي تحمل مسبقاً رأسمالاً رمزياً يصعب على الآخرين مجاراته؟

القرابة ليست جريمة، والانتماء إلى أسرة سياسية لا يسلب الإنسان حقه في العمل العام، كما لا يجوز إقامة حواجز سياسية ضد شخص بسبب اسم عائلته. لكن المبدأ المقابل يجب أن يكون أكثر وضوحاً النسب ليس مؤهلاً سياسياً، والاسم ليس برنامجاً، والقرابة ليست تفويضاً، والتاريخ العائلي لا يعادل صوتاً واحداً في صندوق انتخاب حزبي حر. من أراد القيادة، أياً كان اسمه، فعليه أن يكتسب شرعيته من القواعد، وأن يخضع للمنافسة والمحاسبة ذاتها التي يخضع لها الآخرون.

لهذا فإن حزب الأمة، في تقديري، لا يحتاج إلى «تأسيس رابع» بقدر حاجته إلى تحرير تأسيسه الأول من كل ما تراكم فوقه. كثرة الحديث عن إعادة التأسيس قد تتحول إلى تغيير للأسماء والمواقع من دون الاقتراب من أصل المشكلة. فالمطلوب ليس تأسيس حزب آخر فوق الحزب، وإنما استعادة المعنى الذي منح التجربة الأولى قوتها: حزب سياسي وطني واسع، لا مؤسسة تتنازع داخلها مراكز النفوذ على حق تفسير التاريخ واحتكار تمثيله.

إن أخطر ما يمكن فعله بتراث الصادق المهدي هو تحويله إلى سلطة تمتد بعد رحيله… أفكاره جزء مهم من التاريخ الفكري والسياسي السوداني، لكنها ليست دستوراً أبدياً لحزب الأمة، ولا ينبغي أن تتحول إلى سقف يمنع الأجيال الجديدة من إنتاج رؤيتها الخاصة… الحزب الحي يقرأ تراث قادته ولا يسكن داخله .. يأخذ منه ما أثبتت التجربة صلاحيته، وينقد ما أخفق، ويتجاوز ما تجاوزه الزمن، ويضيف إليه من واقع جديد لم يعشه السابقون ولم تكن أمامهم أسئلته.

فالأحزاب التي تكتفي بشرح أفكار مؤسسيها تتحول تدريجياً إلى متاحف سياسية.. أما الأحزاب القادرة على الحياة فهي التي تنتج أفكاراً جديدة وقيادات جديدة وأسئلة جديدة، ولا تخشى مراجعة مسلماتها… الوفاء الحقيقي للرموز التاريخية ليس في تكرار كلماتها إلى الأبد، وإنما في حماية المؤسسة التي خدموها من التحول إلى ضريح سياسي يدور الجميع حوله.

ومن هنا تبدأ النهضة الضرورية بفصل مؤسسي واضح بين حزب الأمة وكيان الأنصار.. ليس فصلاً عدائياً، ولا إنكاراً للتاريخ المشترك، وإنما تحرير متبادل يحفظ لكل مؤسسة طبيعتها ووظيفتها.. يظل كيان الأنصار فضاءً دينياً واجتماعياً وتاريخياً لأهله، بينما يصبح حزب الأمة مؤسسة سياسية مدنية مفتوحة أمام السودانيين، يدخلها المواطن بصفته مواطناً، ويتقدم داخلها بقدر عطائه وكفاءته وثقة العضوية فيه، لا بمقدار قربه من بيت أو رمزية دينية.

هذا الفصل ليس إجراءً تنظيمياً صغيراً، بل تحول في مفهوم الشرعية نفسه… ومعناه أن الحزب لا ينتظر إماماً ليمنحه الاتجاه، وأن الإمام ـ أياً كان ـ لا يحتاج إلى حزب ليمنحه سلطته الروحية… لكل مجال منطقه ومؤسساته وحدوده. وحين يتحقق ذلك يصبح ممكناً للمؤسسة السياسية أن تنتج قيادات من خارج الدوائر التقليدية، وأن تتداول السلطة بصورة طبيعية، وأن يتحول الرئيس من رمز شبه دائم إلى موظف سياسي منتخب له مدة وصلاحيات ويمكن استبداله ومحاسبته.

لكن تحرير الحزب من التداخل الطائفي لن يكون كافياً إذا ظلت المركزية التنظيمية على حالها…. فالمفارقة التاريخية أن حزب الأمة امتلك واحدة من أوسع القواعد الاجتماعية خارج المركز، بينما لم ينعكس هذا الاتساع دائماً بالقدر نفسه داخل مراكز صناعة القرار.. دارفور وكردفان والنيل الأبيض والجزيرة ليست مخازن أصوات انتخابية، وأبناء هذه الأقاليم ليسوا جنوداً انتخابيين يُستدعون عند المواسم ثم تعود القرارات الكبرى إلى الدوائر الضيقة.

إذا أراد الحزب أن يصبح قومياً بحق، فعليه أن يجعل قوميته بنية لا شعاراً… ينبغي أن تظهر الأقاليم في مؤسساته القيادية، وفي إنتاج أفكاره، وفي تحديد أولوياته، وفي اختيار مرشحيه، وفي صياغة موقفه من الدولة والسلطة والثروة. فلا قيمة لحزب يتحدث باسم السودان كله إذا كان طريق الوصول إلى مركز القرار داخله أضيق من جغرافيا جماهيره.

ثم تأتي القضية التي تمس جوهر هويته التاريخية…استقلال القرار الوطني. فقد نشأ حزب الأمة في قلب معركة سياسية ارتبطت بشعار «السودان للسودانيين»، ولذلك يصبح استقلال الإرادة السياسية بالنسبة إليه أكثر من موقف دبلوماسي؛ إنه جزء من مبرر وجوده التاريخي. وأي ارتهان لعاصمة خارجية، أياً كانت، يمثل تناقضاً مع ذلك الإرث، لأن الاستقلال الذي يُحتفل به في الخطب يفقد معناه إذا انتقلت صناعة القرار السياسي عملياً إلى خارج الحدود.

وفي العلاقة مع مصر تحديداً، لا يحتاج حزب الأمة إلى صناعة خصومة دائمة، كما لا يحتاج إلى دفن التاريخ تحت ضرورات السياسة اليومية… العلاقة السودانية المصرية شديدة التعقيد، وتداخلت فيها الجغرافيا والمصالح والصراعات والاحتلال والمقاومة والتعاون. المطلوب ليس العداء، بل الندية. مصر دولة لها مصالحها، والسودان دولة ينبغي أن تكون له مصالحه؛ وما يجمعهما يجب أن تديره مؤسسات دولتين مستقلتين، لا شبكات نفوذ سياسي تتجاوز إرادة السودانيين.

إن حزباً خرج تاريخياً من رحم مقاومة الهيمنة لا يستطيع أن يقنع جماهيره باستقلاليته إذا بدا قراره قابلاً للتشكيل وفق رغبات أي مركز إقليمي. السودان ليس حديقة خلفية لأحد، ولا ملفاً أمنياً تابعاً لعاصمة أخرى، ولا مساحة نفوذ مفتوحة. ومن يريد حمل راية «السودان للسودانيين» اليوم فعليه أن يقبل معناها كاملاً: القرار السوداني يصنعه السودانيون، والمصلحة الوطنية تُحدد داخل السودان، والعلاقات الخارجية تُبنى على الندية لا الوصاية.

وهنا يصبح الرجوع إلى التاريخ ضرورياً، لا لتقديسه وإنما لتحرير معناه. وراء حزب الأمة ذاكرة تمتد إلى أبا وشيكان وقدير وأم دبيكرات وكرري، وإلى آلاف السودانيين الذين واجهوا واحدة من أكثر مراحل الصدام الاستعماري دموية… لكن هؤلاء لم يتركوا دماءهم وثيقة ملكية خاصة لعائلة أو جماعة أو جيل. إنهم جزء من ذاكرة وطنية أوسع، ولا يجوز اختزال تضحياتهم في رأسمال سياسي موروث.

دماء الذين صنعوا التاريخ ليست أسهماً تنتقل إلى الورثة… حفيد المناضل لا يصبح مناضلاً بحكم الميلاد، وابن الزعيم لا يولد زعيماً، واسم الأسرة مهما كان عظيماً لا يعفي صاحبه من امتحان الكفاءة والموقف والأخلاق السياسية…. التاريخ يمنح صاحبه مسؤولية أكبر، لا حقاً أكبر. والشرعية التي صنعتها التضحية لا تنتقل عبر شجرة النسب؛ كل جيل مطالب بأن يصنع شرعيته بيديه.

تلك هي المعركة الحقيقية التي ينبغي أن يخوضها حزب الأمة: الانتقال من شرعية النسب إلى شرعية الإنجاز، ومن نفوذ البيت إلى سلطان المؤسسة، ومن مركزية الرمز إلى سيادة العضوية، ومن استدعاء التاريخ لتبرير الحاضر إلى مساءلة الحاضر بمعايير المستقبل. إنها ليست حرباً على أسرة المهدي، ولا خصومة مع الأنصار، بل معركة من أجل ألا تكون الأسرة بديلاً عن المؤسسة، ولا الطائفة بديلاً عن الحزب، ولا التاريخ بديلاً عن الديمقراطية.

حزب الأمة الذي يستحق المستقبل ليس حزب عائلة، ولا حزب طائفة، ولا حزب زعيم راحل، ولا حزب جناح ينجح في إقصاء جناح آخر. إنه حزب جماهيره؛ الفلاحين والرعاة والعمال والمثقفين والنساء والشباب وكل من وجدوا في راية الاستقلال تعبيراً عن كرامتهم الوطنية…. هؤلاء ليسوا جمهوراً يصفق للقيادة، بل هم أصحاب المؤسسة، ومن دون إعادة السلطة إليهم تصبح كل مشاريع الإصلاح مجرد إعادة توزيع للمقاعد داخل البنية القديمة.

ولا يمكن أن يكون التجديد تنظيمياً فقط. فالحزب مطالب كذلك بالخروج من أسئلة السودان القديم إلى أسئلة الدولة التي لم تُبن بعد… دولة المواطنة المتساوية، وعدالة توزيع السلطة والثروة، والحكم اللامركزي الحقيقي، واستقلال القضاء، وبناء الخدمة المدنية على الكفاءة، وإصلاح مؤسسات الدولة، وإنصاف الأقاليم التي دفعت أثمان التهميش، وإدارة العلاقة بين الدين والسياسة، وبناء سياسة خارجية تستند إلى السيادة والمصلحة الوطنية.

هذه القضايا هي التي ستحدد قيمة حزب الأمة في المستقبل، لا عدد المرات التي يستدعي فيها أمجاد الماضي. فالتاريخ يستطيع أن يمنح الحزب اسماً كبيراً، لكنه لا يستطيع أن يمنحه برنامجاً صالحاً لكل عصر. يستطيع أن يمنحه ذاكرة، لكنه لا يستطيع أن يعفيه من التفكير. يستطيع أن يمنحه جذوراً، لكنه لا يستطيع أن يصنع له مستقبلاً إذا رفض أن ينمو خارج ظل الشجرة القديمة.

ولهذا فإن المعركة المقبلة ليست على من يجلس في مقعد الصادق المهدي، بل على إنهاء فكرة المقعد بوصفه عرشاً سياسياً… المطلوب رئيس حزب، لا وريث زعيم… رئيس تنتخبه العضوية لمدة معلومة، وتراقب أداءه، وتحاسبه، وتستطيع إسقاطه واستبداله من دون أن تنقسم السماء فوق المؤسسة. يأتي الرئيس ويذهب، ويبقى الحزب. تلك هي أبسط قواعد الديمقراطية، لكنها أيضاً الاختبار الأصعب للمؤسسات التي طال ارتباطها بالرموز.

إذا أراد حزب الأمة أن يولد سياسياً من جديد، فعليه ألا يبحث عن وريث للإمام، بل عن نهاية ديمقراطية لفكرة الوريث نفسها. عليه أن يعيد الأنصار إلى استقلال مؤسستهم، والحزب إلى جماهيره، والتاريخ إلى السودانيين، والقيادة إلى صناديق الاقتراع، والشرعية إلى الإنجاز، والقرار الوطني إلى الداخل.

عندها فقط لن يحتاج حزب الأمة إلى تأسيس رابع أو خامس، لأنه سيكون قد أنجز المهمة الأكثر صعوبة … تحرير تأسيسه الأول من سلطة الذين يتحدثون باسم التاريخ.

وعندها يستعيد الشعار القديم معناه الأكثر حداثة: السودان للسودانيين، والحزب لجماهيره، والتاريخ للشعب، والقيادة لمن تمنحه القواعد ثقتها.

فالأحزاب الكبرى لا تموت لأن زعماءها يرحلون؛ إنها تبدأ في الموت عندما يتحول ظل الزعيم إلى سقف لا تستطيع الأجيال التالية تجاوزه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.