منذ أن دوّت أولى طلقات الحرب في السودان في 15 – أبريل – 2023، لم تعد المعركة تُحسم في ساحات القتال وحدها، بل امتدت إلى باطن الأرض، حيث تحوّل الذهب إلى أحد أكثر الموارد الاستراتيجية في بلد يملك واحدًا من أكبر احتياطيات المعدن النفيس في أفريقيا، وبينما انهارت مؤسسات الدولة وتراجعت الإيرادات العامة، استمر استخراج الذهب وتداوله عبر قنوات رسمية وأخرى غير رسمية، في ظل تنافس على مناطق الإنتاج ومسارات التجارة العابرة للحدود، وتشير متابعات محرر التحقيق وتقارير أممية ودراسات دولية إلى أن الذهب ظل موردًا اقتصاديًا مهمًا ضمن اقتصاد الحرب، مع اتساع شبكات التهريب وصعوبة تتبع سلاسل التوريد بعد خروجه من المناجم، هنا يستقصي هذا التحقيق، بالاستناد إلى متابعات ووثائق أممية وبيانات تجارة دولية ومصادر مفتوحة، كيف أعادت الحرب رسم خريطة الذهب في السودان، ومن يسيطر على إنتاجه وتجارته، وكيف غدت ثروة البلاد المعدنية محورًا لصراع تتجاوز تداعياته الحدود، بينما يدفع السودانيون كلفة حربٍ لم تتوقف بعد، ويحاول هذا التحقيق تتبع رحلة تهريب الذهب، مستندًا إلى تقارير الأمم المتحدة، وبيانات التجارة الدولية، وتحقيقات وتقارير بحثية مستقلة، لفهم كيف تحوّل الذهب إلى أحد أهم أعمدة اقتصاد الحرب في السودان، ومن يسيطر على إنتاجه، وكيف يغادر البلاد، ومن هم المستفيدون من تجارة لا تزال تُغذّي الصراع بينما يدفع المدنيون الثمن.
قطعة ذهب جزء من إقتصاد معقد:
أصبحت قطعت الذهب السوداني التي ينتجها المعدنيين التقليديين جزءًا من اقتصاد حرب معقد، تتقاطع فيه المصالح العسكرية والتجارية والإقليمية والدولية، وفي مناطق التعدين المنتشرة في دارفور وكردفان ونهر النيل والولاية الشمالية والبحر الأحمر، تغيّرت موازين السيطرة مع تغيّر خطوط المواجهات العسكرية، وبعض المناجم بقي تحت نفوذ القوات المسلحة السودانية، بينما انتقلت أخرى إلى مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع أو جماعات محلية متحالفة مع أحد الطرفين. وفي كلتا الحالتين، ظل الذهب موردًا اقتصاديًا يصعب الاستغناء عنه في ظل انهيار الإيرادات العامة وتراجع صادرات البلاد التقليدية، ولا تنتهي رحلة الذهب عند بوابات المناجم. فمن هناك يبدأ طريق آخر أكثر تعقيدًا، يمر عبر شبكات من الوسطاء والتجار، ثم يعبر الحدود البرية أو المطارات أو الموانئ، قبل أن يصل إلى أسواق إقليمية ودولية، حيث يصبح من الصعب تتبع مصدره الأصلي. وبين نقطة الاستخراج ونقطة البيع النهائية، تتداخل التجارة المشروعة مع التهريب، وتختلط المصالح الاقتصادية بحسابات الحرب.
ولم يكن الذهب موردًا جديدًا في الاقتصاد السوداني. فمنذ انفصال جنوب السودان عام 2011، فقدت الخرطوم معظم عائداتها النفطية، وأصبح الذهب المصدر الأول للعملات الأجنبية. وتشير تقديرات رسمية إلى أن السودان كان ينتج عشرات الأطنان من الذهب سنويًا، إلا أن جزءًا كبيرًا من هذا الإنتاج لم يكن يدخل القنوات الرسمية، بل كان يُهرَّب إلى الخارج عبر شبكات تجارية معقدة، ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، اكتسب الذهب أهمية مضاعفة. فقد انهارت مؤسسات الدولة في أجزاء واسعة من البلاد، وتوقفت أنشطة اقتصادية عديدة، بينما احتفظ قطاع التعدين بقدر من الاستمرار، خصوصًا في المناطق البعيدة عن مراكز القتال المباشر، ووفقًا لتقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالسودان، فإن الذهب ظل “أحد أهم الموارد الاقتصادية التي تتنافس عليها الأطراف المسلحة”، كما أشار التقرير إلى أن السيطرة على مناطق التعدين أصبحت تمثل هدفًا استراتيجيًا لما توفره من مصادر تمويل مستمرة.
وتنتشر أهم مناطق إنتاج الذهب في خمس ولايات رئيسية هي: “ولاية نهر النيل، الولاية الشمالية، ولاية البحر الأحمر، ولايات كردفان، إقليم دارفور” لكن الحرب أعادت رسم خريطة السيطرة على هذه المناطق، ففي المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات المسلحة السودانية، استمرت بعض الشركات في العمل بدرجات متفاوتة، بينما خضعت حركة نقل الذهب لإجراءات أمنية جديدة، وفي المقابل، شهدت مناطق أخرى، خاصة في أجزاء من دارفور، استمرار نشاط التعدين تحت سيطرة قوات الدعم السريع أو مجموعات محلية متحالفة معها، بحسب ما وثقته تقارير الأمم المتحدة وتقارير بحثية مستقلة، ويشير تقرير صادر عن “تشاتام هاوس” إلى أن السيطرة على مناطق إنتاج الذهب لم تكن مجرد نتيجة للحرب، بل أصبحت أحد دوافع استمرارها، إذ وفر الذهب مصدرًا نقديًا سريعًا في ظل تعطل النظام المصرفي وانهيار الإيرادات الحكومية.
صعوبة تحديد الإنتاج الحقيقي:
ويصعب تحديد حجم الإنتاج الحقيقي للذهب في السودان خلال سنوات الحرب، فالبيانات الرسمية أصبحت أكثر محدودية منذ اندلاع النزاع، بينما تؤكد منظمات دولية أن جزءًا كبيرًا من الإنتاج يغادر البلاد خارج القنوات الرسمية، وكان بنك السودان المركزي قد أقر، حتى قبل الحرب، بأن كميات كبيرة من الذهب لا تمر عبر منظومة التصدير الرسمية، وهو ما يخلق فجوة واضحة بين الإنتاج المقدر والصادرات المعلنة، وتذهب تقديرات خبراء اقتصاديين إلى أن التهريب كان يمثل لسنوات النسبة الأكبر من الذهب المنتج، لكن الحرب عمّقت هذه الظاهرة مع تراجع قدرة الدولة على الرقابة، واتساع نفوذ الفاعلين المسلحين وشبكات التجارة غير الرسمية، ويؤكد تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة أن الذهب أصبح “السلعة الأكثر قابلية للتحويل إلى سيولة مالية”، نظرًا لسهولة نقله وإخفائه وتسويقه في الأسواق الدولية مقارنة بموارد طبيعية أخرى، وتنعكس هذه الحقيقة في طبيعة اقتصاد الحرب نفسه؛ فبينما تحتاج الجيوش النظامية إلى موازنات حكومية، تستطيع الجماعات المسلحة الاعتماد على موارد طبيعية مباشرة، وعلى رأسها الذهب، للحصول على النقد الأجنبي وتمويل عملياتها.
الذهب بين الاقتصاد والحرب:
ولم تعد السيطرة على منجم ذهب تعني فقط امتلاك مورد اقتصادي، بل أصبحت تعني امتلاك مصدر دائم للسيولة النقدية في بلد يعاني انهيارًا ماليًا واسعًا، وتوضح دراسات اقتصادية أن الذهب يمتاز بخصائص تجعله مثاليًا لاقتصاد النزاعات: فهو مرتفع القيمة، قليل الحجم، سهل النقل، ويمكن بيعه في أي سوق تقريبًا دون أن يحمل علامات واضحة تشير إلى مصدره، ولهذا السبب، أصبحت مناطق التعدين جزءًا من المشهد العسكري نفسه، فالطرق المؤدية إلى المناجم تخضع لنقاط تفتيش، وتُفرض رسوم على حركة المعدنين والتجار، بينما تتغير السيطرة على بعض المواقع مع تطورات المعارك، وفي ظل غياب سلطة مركزية فعالة في أجزاء واسعة من البلاد، ازدهرت الأسواق غير الرسمية، وأصبحت شبكات الوسطاء تلعب دورًا متزايدًا في نقل الذهب من مناطق الإنتاج إلى مراكز التجارة ثم إلى خارج السودان، لكن السؤال الأكثر أهمية يبقى: من يسيطر فعليًا على هذه الثروة؟ وهل تحولت شركات التعدين إلى واجهات اقتصادية لأطراف الحرب؟
ولم يعد الذهب في السودان مجرد مورد اقتصادي تتنافس عليه الدولة والفاعلون المحليون، بل تحول، مع استمرار الحرب، إلى أحد أهم شرايين اقتصاد الصراع. فمن المناجم الممتدة في دارفور وكردفان ومناطق أخرى، تبدأ رحلة المعدن الذي سرعان ما يعبر الحدود، عبر شبكات من الوسطاء والشركات ومسارات التهريب، قبل أن يصل إلى مراكز تجارة عالمية، في مقدمتها دبي، وفيما تتركز الأنظار الدولية على الانتهاكات الإنسانية والعسكرية التي ترافق الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تتزايد التحذيرات من أن جانباً حاسماً من الحرب يجري تمويله خارج ساحات القتال، عبر منظومة اقتصادية عابرة للحدود تتيح تحويل الذهب السوداني إلى سيولة نقدية يصعب تتبع مصدرها.
هذه القضية كانت محور حملة حقوقية متصاعدة في إيطاليا خلال أكثر من 18 شهراً، قادتها منظمات مجتمع مدني وجماعات دينية وحقوقية، بهدف الضغط على روما والاتحاد الأوروبي لتشديد الرقابة على منشأ الذهب المستورد، وسد الثغرات التي تسمح بمرور ذهب يُشتبه في ارتباطه بالنزاع السوداني إلى الأسواق الأوروبية، وفي نهاية يونيو الماضي استضاف مقر جماعة الآباء الكومبونيين في العاصمة الإيطالية روما ندوة بعنوان “تتبع مسارات الذهب، ونزع سلاح الحرب” بمشاركة عشرات المنظمات الإيطالية وخبراء دوليين في تجارة الذهب والمعادن المرتبطة بالنزاعات. وركز النقاش على سؤال بات أكثر إلحاحاً: كيف يمكن قطع الصلة بين الذهب السوداني وشبكات تمويل الحرب، بعدما أصبح المعدن جزءاً من اقتصاد عالمي واسع يصعب فيه تحديد منشأه بمجرد وصوله إلى مراكز التكرير والتجارة؟
من السودان إلى الأسواق الأوروبية:
وفق تقرير نشرته مجلة “نيغريتسيا” الإيطالية التابعة للآباء الكومبونيين، استمرت إيطاليا حتى عام 2022 في استيراد الذهب مباشرة من السودان، قبل أن تتوقف هذه الواردات في 2023، عقب اندلاع الحرب، لكن توقف الاستيراد المباشر لم يعنِ بالضرورة خروج الذهب السوداني من سلسلة الإمداد الأوروبية. فالمشكلة الأساسية، بحسب المشاركين في الحملة، تكمن في الذهب الذي يصل إلى أوروبا عبر دول وسيطة، وفي مقدمتها سويسرا والإمارات، حيث يمكن أن يفقد المعدن، بعد عمليات التكرير وإعادة التصدير، مؤشرات منشئه الأول، وخلال عام 2025، استوردت إيطاليا نحو 178 طناً من الذهب، فيما أصبحت الولايات المتحدة للمرة الأولى المصدر الأكبر لوارداتها، متقدمة على سويسرا. كما استوردت إيطاليا نحو 30 طناً مباشرة من الإمارات.
وتقول “نيغريتسيا” إن الإشكالية لا تخص إيطاليا وحدها، بل تمتد إلى معظم دول الاتحاد الأوروبي، إذ يصعب التحقق بصورة قاطعة من المنشأ الحقيقي للذهب المستورد من مراكز تجارة كبرى مثل سويسرا والإمارات، رغم أن واردات البلدين تمثل جزءاً مهماً من سوق الذهب الأوروبية، وتزداد الصورة تعقيداً عند النظر إلى دور سويسرا، التي تُعد من أبرز مراكز تكرير الذهب عالمياً. فقد استوردت خلال 2025 نحو 420 طناً من الذهب القادم من الإمارات، مقابل نحو 150 طناً في 2024، قبل أن يُعاد تصدير جزء كبير منه إلى الأسواق الأوروبية بعد تكريره، وهنا تظهر إحدى أبرز الثغرات في نظام التتبع الأوروبي: الرقابة تركز بدرجة كبيرة على المورد المباشر، لا على الرحلة الكاملة التي قطعها الذهب منذ خروجه من المنجم. وبحسب “نيغريتسيا” يأتي نحو 65 في المئة من الذهب الذي تستورده دول الاتحاد الأوروبي عبر سويسرا، ما يجعل القدرة على تحديد المصدر الأول للمعدن تحدياً بالغ الصعوبة عندما يكون قد مر عبر عدة حلقات تجارية.
الإمارات .. محطة مركزية في رحلة الذهب:
وفي قلب هذه الشبكة تبرز الإمارات باعتبارها أحد أهم مراكز تجارة الذهب القادمة من أفريقيا. وبحسب المعطيات التي عرضها رئيس وحدة المواد الخام في منظمة “سويس إيد” مارك أوميل، وكبيرة المستشارين في منظمة “ذا سنتري” ساشا ليجنيف، تستورد الإمارات نحو 1400 طن من الذهب سنوياً، بقيمة تقارب 105 مليارات دولار، يأتي أكثر من نصفها من أفريقيا، وتضم الدولة، وفق المعطيات ذاتها، عشرات المصافي وآلاف الشركات العاملة في تجارة الذهب، فيما تعتمد الأسواق التقليدية على شبكة واسعة من التجار الذين يشترون الذهب نقداً ويبيعونه للمصافي، في بيئة اعتبرها الخبراء المشاركون في الندوة محدودة الرقابة مقارنة بحجم التجارة، وتشير المعطيات التي نقلتها “نيغريتسيا” إلى أن الإمارات استوردت أكثر من 405 أطنان من الذهب غير المشروع من أفريقيا خلال عام 2022.
وعلى الرغم من تشديد أبوظبي بعض قواعد الرقابة بعد إدراجها عام 2022 على “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي، ثم رفعها من القائمة في العام التالي، يرى خبراء أن تطبيق القواعد لا يزال يواجه ثغرات تسمح باستمرار تدفق الذهب مجهول المصدر، وتكمن أهمية الإمارات بالنسبة إلى الذهب السوداني في أنها لا تمثل بالضرورة وجهته النهائية. فالذهب قد يصل إليها عبر طرق برية وجوية معقدة، ويُباع ويُعاد تكريره أو تصديره، ثم يدخل في سلسلة تجارة دولية يصبح معها إثبات صلته بمناجم السودان أكثر صعوبة.
اقتصاد الحرب يبدأ من المنجم:
وبالنسبة إلى “ألفيو نيكوترا” منسق الشبكة الإيطالية للسلام ونزع السلاح، فإن فهم الحرب السودانية يتطلب النظر إلى ما وراء خطوط المواجهة العسكرية، ويقول نيكوترا إن الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لا يتعلق بالنفوذ السياسي وحده، وإنما يرتبط أيضاً بالسيطرة على الموارد، وفي مقدمتها الذهب ومناطق إنتاجه في دارفور وكردفان ومناطق أخرى، ويشير إلى أن التنافس على الذهب كان أحد العوامل التي ساهمت في انهيار التحالف السابق بين الجيش وقوات الدعم السريع وصولاً إلى اندلاع الحرب في أبريل 2023. ومع استمرار القتال، أصبح الذهب، بحسب تحليلات أشار إليها، مصدراً رئيسياً لتمويل الطرفين المتحاربين.
وتتمتع قوات الدعم السريع، على وجه الخصوص، بشبكة اقتصادية تشكلت على مدى سنوات حول قطاع الذهب في دارفور. ويشير نيكوترا إلى أن عائلة قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” ارتبطت بشركات تعمل في التعدين وتجارة الذهب، الأمر الذي وفر للقوة شبه العسكرية مصادر مالية مستقلة وعزز قدرتها على العمل بعيداً عن موارد الدولة، ولا تتوقف هذه الشبكة عند حدود السودان. فقد أظهرت تقارير وتحقيقات استقصائية، بحسب نيكوترا، وجود شركات ووسطاء مرتبطين بدولة الإمارات لعبوا دوراً في تحويل الذهب إلى سيولة مالية يمكن استخدامها في تمويل العمليات العسكرية.
ذهب يخرج من السودان ولا يحمل اسمه:
وتكمن إحدى أخطر حلقات هذه التجارة في عمليات التهريب التي تسبق وصول الذهب إلى الأسواق العالمية، وبحسب أبحاث ومصادر في قطاع التعدين نقلتها “نيغريتسيا” يذهب ما يقرب من 90 في المئة من صادرات الذهب السودانية الرسمية إلى الإمارات، فيما يُهرّب جزء كبير من الإنتاج خارج القنوات الرسمية، ولا يسلك الذهب المهرب طريقاً واحداً. فقد يعبر تشاد أو جنوب السودان أو مصر أو غيرها من الدول قبل وصوله إلى دبي، حيث يمكن أن يدخل في عمليات شراء وتكرير وإعادة تصدير تجعله، عملياً، منفصلاً عن هويته الجغرافية الأولى، ويجعل ذلك الذهب مادة مثالية لاقتصاد الحرب: فهو مرتفع القيمة، سهل النقل مقارنة بحجمه، يحتفظ بقيمته، ويمكن تحويله بسرعة إلى نقد أو استخدامه في شراء السلع والأسلحة والخدمات، وتزداد صعوبة التتبع لأن نحو 90 في المئة من إنتاج الذهب السوداني يأتي، وفق المعطيات التي عرضها الخبراء، من التعدين التقليدي، وهو قطاع واسع ومجزأ وتحيط به مستويات متفاوتة من الرقابة الرسمية، وتشير التقديرات التي عرضها “أوميل وليجنيف” إلى أن ما بين 50 و70 في المئة من إنتاج السودان السنوي من الذهب، والمقدر بنحو 70 طناً، يُهرّب إلى الخارج، بقيمة تتراوح بين 9 و12 مليار دولار. كما يمثل الذهب نحو 70 في المئة من إجمالي صادرات السودان، بعدما حل محل النفط كمورد رئيسي للعملة الأجنبية عقب انفصال جنوب السودان عام 2011.
شبكة تهريب تتجاوز الحدود:
ولا ينتهي مسار الذهب عند الحدود السودانية. فوفق المعطيات التي ناقشها الخبراء، يمكن أن ينتقل عبر تشاد وليبيا وجنوب السودان وكينيا وأوغندا، أو عبر مصر وإريتريا، قبل أن يصل إلى مراكز التجارة في الإمارات، وهذه المسارات المتعددة تعكس طبيعة اقتصاد الحرب السوداني بوصفه اقتصاداً عابراً للحدود. فالسيطرة على المنجم ليست سوى الحلقة الأولى؛ بعدها تبدأ شبكة النقل والشراء والوساطة والتكرير وإعادة التصدير، وهي حلقات يمكن أن تنتقل فيها ملكية الذهب عدة مرات قبل وصوله إلى المستهلك النهائي، وهنا تحديداً تتسع الفجوة بين قواعد التجارة الدولية والواقع على الأرض. فعندما يصل الذهب إلى مصفاة أو مركز تجاري كبير من خلال مورد يحمل وثائق تبدو نظامية، يصبح من الصعب على السلطات في بلد الاستيراد العودة عبر سلسلة طويلة من الوسطاء لإثبات أن المعدن استُخرج أصلاً من منطقة نزاع في السودان.
أوروبا أمام اختبار التتبع:
ولهذا السبب تدعو منظمات المجتمع المدني الإيطالية إلى مراجعة التشريعات الأوروبية الخاصة بالمعادن القادمة من مناطق النزاع، وعدم الاكتفاء بمراقبة المورد المباشر، وتطالب الحملة بإدراج مراكز عبور رئيسية، مثل الإمارات وتركيا والهند وهونغ كونغ، ضمن المناطق التي تستوجب إجراءات رقابة عالية المخاطر، إلى جانب فرض نظام تتبع كامل لسلسلة التوريد، وتشديد معايير الاعتماد الدولية، وتوسيع نطاق العقوبات بحيث لا تقتصر على جهة واحدة داخل السلسلة، وتتعهد المنظمات الإيطالية بمواصلة الضغط خلال المراجعة المقبلة للائحة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالمعادن القادمة من مناطق النزاع، إلى جانب تكثيف حملات التوعية والحوار مع الحكومة الإيطالية، ويأتي ذلك في سياق سياسي أكثر تعقيداً، بعدما صادق مجلس الشيوخ الإيطالي مطلع يونيو الماضي على اتفاقية للتعاون العسكري بين إيطاليا والإمارات، بعد نحو عامين من الحملات التي طالبت روما بتشديد الرقابة على تجارة الذهب وسلاسل توريده.
مناجم في دارفور.. وأسواق في أوروبا:
وبالنسبة إلى الناشطين الإيطاليين، فإن السؤال لم يعد فقط: من يسيطر على مناجم الذهب في السودان؟ السؤال الأهم هو: إلى أين يذهب الذهب بعد خروجه من المنجم، ومن يشتريه، وكيف يدخل الأسواق العالمية، ومن يستفيد من الأموال الناتجة عنه؟ يرى نيكوترا أن التركيز على الجانب العسكري والإنساني للحرب، رغم أهميته، لا يكفي لفهم قدرتها على الاستمرار. فهناك اقتصاد كامل يعمل خلف خطوط القتال، يوفر للأطراف المتحاربة الموارد التي تسمح لها بتمويل عملياتها وإعادة بناء شبكاتها التجارية.
ومن هذا المنظور، لا يبدو الذهب مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل أحد محركاتها الاقتصادية. وكلما ازدادت قدرة الأطراف المتحاربة على بيع الذهب خارج قنوات الرقابة، زادت قدرتها على شراء السلاح ودفع تكاليف القتال وإدامة شبكات النفوذ، وهكذا تمتد خريطة الحرب السودانية من مناطق التعدين في دارفور وكردفان إلى طرق التهريب في دول الجوار، ومنها إلى أسواق دبي ومصافي سويسرا، وصولاً إلى الأسواق الأوروبية، وفي هذه السلسلة الطويلة، قد تختفي هوية الذهب قبل أن تختفي قيمته. لكن ما يبقى في نهايتها هو السؤال الذي تطرحه المنظمات الحقوقية الإيطالية: هل يمكن قطع شريان تمويل الحرب، من دون تتبع الذهب من المنجم إلى السوق؟
الاتحاد الأوربي على خط الأزمة:
وفي 13 يوليو 2026، صعّد مجلس الاتحاد الأوروبي ضغوطه على الأطراف المستفيدة من اقتصاد الحرب في السودان، عبر تشديد نظام العقوبات المفروض على البلاد، واستهداف أحد أبرز مصادر تمويل النزاع: الذهب، واعتمد المجلس قيودًا جديدة تحظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب ذي المنشأ السوداني، إلى جانب حظر بيع أو توريد أو نقل أو تصدير الزئبق والسيانيد إلى السودان، وهما مادتان تستخدمان على نطاق واسع في عمليات تعدين الذهب واستخراجه. كما شملت الإجراءات حظر تقديم الخدمات المرتبطة بهذه الأنشطة، بما في ذلك المساعدة الفنية والمالية وخدمات الوساطة، وتأتي هذه التدابير ضمن إطار أوسع أقره الاتحاد الأوروبي لمواجهة الأنشطة التي تقوض استقرار السودان وتعرقل مساره السياسي، بعدما فرض، في إجراءات متتالية، عقوبات على 8 كيانات و18 فردًا، من بينهم عبد الرحيم دقلو، نائب قائد قوات الدعم السريع.
ويعكس استهداف تجارة الذهب والمواد المستخدمة في استخراجه إدراكًا متزايدًا للدور الذي بات يؤديه المعدن النفيس في تمويل الصراع السوداني. فمع استمرار الحرب وتراجع مصادر الإيرادات الرسمية، تحوّل الذهب إلى مورد مالي حيوي لشبكات مرتبطة بأطراف النزاع، وإلى أحد المكونات الأساسية لاقتصاد الحرب الذي يتيح تمويل العمليات العسكرية واستمرارها، وقال مجلس الاتحاد الأوروبي إن الذهب أصبح مصدرًا رئيسيًا للإيرادات التي تسهم في إطالة أمد النزاع، موضحًا أن تقييد تجارة الذهب السوداني والحد من وصول الأطراف المتحاربة إلى المواد الكيميائية المستخدمة في تعدينه يهدفان إلى تقليص الموارد المالية المتاحة للجهات المسؤولة عن استمرار العنف.
ولا يستهدف القرار الأوروبي الذهب بوصفه سلعة تجارية فحسب، بل يطال شبكة اقتصادية أوسع ترتبط باستخراجه وتداوله وتمويله. فحظر الزئبق والسيانيد، إلى جانب الخدمات المالية والفنية والوساطة المرتبطة بهذه الأنشطة، يعكس محاولة لتجفيف حلقات رئيسية في سلسلة القيمة التي تحول الذهب من مورد طبيعي إلى مصدر لتمويل الحرب، ويضع الاتحاد الأوروبي هذه الإجراءات في سياق استجابته المستمرة للحرب في السودان، التي خلّفت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وسط تقارير عن انتهاكات واسعة النطاق للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز العقوبات الأوروبية: كيف تحوّل الذهب من ثروة طبيعية يفترض أن تدعم الاقتصاد السوداني إلى شريان مالي يغذي اقتصاد الحرب؟ ومن يسيطر على سلاسل استخراجه وتهريبه وتداوله؟ وإلى أين تتجه عائداته؟ تلك الأسئلة تقود إلى قلب الاقتصاد الموازي للحرب في السودان، حيث تتقاطع المناجم مع شبكات التجارة والتهريب والوسطاء والأسواق الإقليمية والدولية، في منظومة تجعل من الذهب واحدًا من أهم مفاتيح فهم كيفية استمرار الصراع وتمويل أطرافه.
وزارة المعادن تشدد الإجراءات:
وفي 16 يوليو 2026، أعلنت وزارة المعادن السودانية تشديد إجراءاتها بحق المتورطين في تهريب الذهب أو حيازته أو نقله أو تداوله خارج الأطر القانونية، في خطوة قالت إنها تستهدف الحد من استنزاف أحد أهم الموارد الوطنية في ظل الظروف الاقتصادية والأمنية التي تعيشها البلاد، وأكد وزير المعادن، نور الدائم طه، أن استمارات تسجيل الذهب أصبحت مجانية بالكامل، مشيراً إلى أن الوزارة أزالت، وفقاً لما أعلنته، العقبات الإجرائية أمام المنتجين، بحيث لم يعد هناك مبرر لحيازة الذهب أو نقله أو تداوله من دون مستندات رسمية. واعتبر الوزير أن تهريب الذهب يمثل استنزافاً مباشراً للموارد الوطنية، ويضر بمصالح المنتجين والاقتصاد القومي، متوعداً باتخاذ إجراءات صارمة بحق من تثبت مخالفته للقانون، بالتنسيق مع الجهات العدلية والأمنية المختصة، وتأتي هذه الإجراءات في وقت تسعى فيه السلطات إلى إحكام قبضتها على سلسلة إنتاج الذهب وتداوله، بدءاً من مناطق التعدين ووصولاً إلى مراحل البيع والتصدير والتخزين. وفي هذا السياق، وقف الوزير على سير العمل في نظام تسجيل الذهب إلكترونياً، ومدى التزام المنتجين والشركات باستكمال استمارات التسجيل، بما يسمح بتتبع حركة المعدن منذ لحظة إنتاجه وحتى خروجه إلى الأسواق أو تخزينه، وفق الضوابط القانونية والاشتراطات البيئية المعتمدة.
ولا تقتصر مساعي إعادة تنظيم القطاع على الرقابة على حركة الذهب، إذ وجّه الوزير بتغيير مسمى “أسواق التعدين” إلى “مراكز استخلاص الذهب” في محاولة لعكس طبيعة النشاط الذي يجري داخل هذه المواقع، بالتزامن مع الشروع في تنفيذ مشروع “السوق النموذجي” وتندرج هذه الخطوات، بحسب الوزارة، ضمن استراتيجية لتحديث البنية التنظيمية لقطاع التعدين التقليدي وإدخاله بصورة أكبر في منظومة الاقتصاد الرسمي، وتعتمد الحكومة، في المقابل، على حزمة من الحوافز والتسهيلات لدفع المنتجين إلى استخدام القنوات الرسمية. ويأتي جعل استمارات التسجيل مجانية وتبسيط إجراءاتها في صدارة هذه الحوافز، إلى جانب التعهد بحماية حقوق المنتجين وتسهيل عمليات البيع والنقل والتداول القانوني. وترى الوزارة أن رفع معدلات التسجيل لا يعزز الرقابة فحسب، بل يوفر أيضاً آلية لحماية المنتجين ورفع مستوى الشفافية في سوق لطالما ارتبط جزء كبير من نشاطه بالتجارة غير الرسمية والتهريب.
إنتاج يتجاوز المستهدفات:

وبالتزامن مع هذه الإجراءات، أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، في اليوم نفسه، تحقيق نتائج تفوق المستهدفات المقررة للنصف الأول من عام 2026. وقالت الشركة إنها حققت 111 في المئة من الربط الإنتاجي لمعدن الذهب، و111 في المئة من الربط الإيرادي، فيما بلغت حصائل صادرات الذهب 80 في المئة من إجمالي حصائل الصادر المحققة خلال العام السابق، وكشفت الشركة عن هذه الأرقام خلال الاجتماع الدوري الثالث لمكتبها التنفيذي برئاسة المدير العام محمد طاهر عمر، حيث استُعرض تقرير الأداء للنصف الأول من العام، الذي أشار إلى استمرار الاتجاه التصاعدي لأداء قطاع التعدين وتعاظم مساهمته في دعم الاقتصاد الوطني.
لكن الأرقام لا تتوقف عند الإنتاج والإيرادات. فالشركة أعلنت أيضاً إحراز تقدم في مشروع التحول الرقمي، شمل استكمال رقمنة العمليات الفنية والإدارية والربط مع المنصات القومية، إلى جانب تطبيق نظام للرصد والتتبع لحركة الذهب وربطه بالإدارة العامة للسجل المدني. وتقول الشركة إن هذه المنظومة تستهدف تعزيز الحوكمة وإحكام الرقابة ورفع كفاءة الأداء، عبر إنشاء مسار أكثر وضوحاً لحركة الذهب داخل القطاع الرسمي، وأظهر التقرير ارتفاع نسبة الالتزام باشتراطات السلامة والبيئة إلى 70 في المئة في قطاع التعدين المنظم، مقابل 54 في المئة في قطاع التعدين التقليدي، وهي مؤشرات تعكس، بحسب الشركة، استمرار جهودها في إدخال النشاط التعديني ضمن أطر أكثر تنظيماً، وأكد محمد طاهر عمر أن الشركة ماضية في استكمال التحول الرقمي وتوسيع استخدام الأنظمة الذكية، بالتوازي مع رفع مستويات الالتزام باشتراطات السلامة والبيئة وتطبيق الممارسات البيئية في أنشطة التعدين. كما شدد على ضرورة الحفاظ على معدلات الأداء وتجاوز المستهدفات خلال النصف الثاني من العام، بما يدعم موارد الدولة في ظل الحاجة المتزايدة إلى الإيرادات.
مورد اقتصادي في قلب المعركة:
وتكشف هذه الإجراءات والأرقام عن مفارقة أساسية في اقتصاد الذهب السوداني: فبينما تحاول الدولة تحويل المعدن النفيس إلى مورد منظم يرفد الخزانة العامة ويعزز الاقتصاد الرسمي، يظل الذهب في الوقت نفسه أحد أكثر الموارد ارتباطاً بالاقتصاد غير الرسمي وشبكات التهريب، وفي سياق الحرب يمكن أن يتحول إلى مصدر تمويل للفاعلين المسلحين وشبكات المصالح المرتبطة بهم، ومن هنا، فإن الصراع على الذهب لا يتعلق فقط بحجم الإنتاج أو حصيلة الصادرات، وإنما بمن يملك القدرة على الوصول إلى مناطق التعدين، ومن يسيطر على مسارات نقل الذهب، ومن يملك قنوات بيعه وتصديره، والأهم: إلى أين تذهب العائدات المتولدة عن هذا النشاط، وبقدر ما يمثل ارتفاع الإنتاج والإيرادات فرصة لإنعاش الاقتصاد السوداني، فإن غياب الرقابة الفعالة على كامل سلسلة القيمة يفتح الباب أمام تسرب جزء من هذه العائدات خارج النظام الرسمي. وفي بلد يعيش حرباً تستنزف موارده المالية وتضغط على قدرته الإنتاجية، يصبح الذهب أكثر من مجرد سلعة تصديرية؛ إذ يتحول إلى مورد استراتيجي تتقاطع حوله المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية.
معركة الحكومة ضد التهريب:
ولهذا تبدو معركة الحكومة ضد تهريب الذهب جزءاً من معركة أوسع على السيطرة على الموارد. فنجاح نظام التسجيل الإلكتروني، وتتبع حركة الذهب، وإلزام المنتجين والشركات بالقنوات الرسمية، لا يقاس فقط بعدد الاستمارات المسجلة أو نسبة الالتزام بالإجراءات، وإنما بمدى قدرة الدولة على تتبع الذهب فعلياً من المنجم إلى السوق، ثم إلى نقطة التصدير، وضمان ألا تتحول العائدات المتولدة عنه إلى وقود إضافي للصراع، وفي ظل الحرب، يصبح السؤال الأهم أبعد من حجم ما ينتجه السودان من الذهب: من يسيطر على هذا الذهب، ومن يستفيد من عائداته، وهل تستطيع الدولة تحويله من شريان لاقتصاد الحرب إلى شريان لاقتصاد السلام؟
ولم تعد ثروات السودان من الذهب مجرد مورد اقتصادي لبلد يواجه أزمة مالية خانقة، بل تحولت، في ظل الحرب المستعرة منذ أبريل 2023، إلى أحد أهم شرايين اقتصاد الصراع، ومصدراً تستخدمه شبكات مرتبطة بأطراف الحرب في تأمين الأموال والمعدات وشراء الأسلحة، وفق ما تكشفه العقوبات والتحقيقات الدولية المتلاحقة، وفي أحدث مؤشر على تنامي الاهتمام الدولي بهذا المسار، فرضت المملكة المتحدة، في 16 يوليو 2026، حزمة جديدة من العقوبات استهدفت 11 فرداً وكياناً سودانياً، قالت لندن إنهم مرتبطون بشبكات التمويل والمشتريات والتجارة التي تساعد في إدامة الحرب في السودان، سواء عبر دعم قوات الدعم السريع أو القوات المسلحة السودانية.
الحكومة البريطانية على الخط:
وتضع الحكومة البريطانية الذهب في قلب هذه الشبكات، معتبرة أن الصناعة التي يفترض أن تشكل مورداً حيوياً للاقتصاد السوداني تحولت إلى “محرك لاقتصاد الحرب”. ووفق تقديرات لندن، بلغت قيمة صادرات السودان الرسمية من الذهب نحو 1.5 مليار دولار خلال عامي 2024 و2025، بينما يُعتقد أن قيمة الذهب الذي يخرج من البلاد عبر قنوات التهريب غير المشروعة تبلغ مليارات الدولارات سنوياً. وتُستخدم هذه التدفقات، بحسب الحكومة البريطانية، في تمويل شراء الأسلحة والعمليات العسكرية وأنشطة الجماعات المسلحة.
وتكشف العقوبات البريطانية الجديدة أن مسار الذهب لا يتوقف عند مناطق التعدين داخل السودان، وإنما يمتد إلى شبكات تجارية ومالية عابرة للحدود. وتشير لندن إلى أن كميات كبيرة من الذهب السوداني يجري تسييلها قبل دخولها إلى الأسواق العالمية، بما يجعل المراكز التجارية الدولية، وفي مقدمتها دبي وهونغ كونغ، نقاطاً رئيسية في تحويل الذهب إلى عائدات مالية يمكن إعادة توظيفها في اقتصاد الحرب، وفي هذا السياق، استهدفت العقوبات البريطانية أفراداً وشركات قالت الحكومة إنهم يشكلون حلقات في شبكات التمويل والمشتريات المرتبطة بطرفي الصراع.
ومن بين المستهدفين أبو ذر عبد النبي حبيب الله أحمد، الذي تصفه الحكومة البريطانية بأنه ممول وميسّر للمشتريات مرتبط بقوات الدعم السريع، وتشتبه في استخدامه شبكة من الشركات لتأمين التمويل وتحريك الأموال ودعم عمليات القوات. كما شملت العقوبات مازن فضل الله وأحمد هاشم، اللذين تصفهما لندن بأنهما ناشطان في مجال المشتريات ومرتبطان بقوات الدعم السريع، ويُشتبه في تورطهما في تأمين التمويل والمعدات والإمدادات اللازمة لأنشطة القوات، ولم تقتصر الإجراءات على الأفراد؛ إذ طالت شركات قالت بريطانيا إنها تُستخدم في عمليات التمويل والمشتريات والخدمات اللوجستية، من بينها شركات مقرها الإمارات وهونغ كونغ، بما يعكس الطبيعة العابرة للحدود للشبكات التي تدور حول تجارة الذهب والتمويل المرتبط بالحرب.
وفي الجانب الآخر من الصراع، فرضت لندن عقوبات على أحمد عبد الله، الذي تصفه بأنه مسؤول مشتريات مرتبط بالقوات المسلحة السودانية ومنظومة الصناعات الدفاعية، وتشتبه في مشاركته في تأمين الأسلحة والمعدات والتمويل للقوات المسلحة السودانية. كما استهدفت شركة بورتكس التجارية المحدودة، التي تقول بريطانيا إنها استُخدمت لدعم عمليات المشتريات المرتبطة بالجيش والالتفاف على القيود المفروضة بموجب العقوبات القائمة.
الأكثر دلالة في الحزمة البريطانية الجديدة كان إدراج ثلاث شركات سودانية حكومية تعمل في قطاع التعدين والذهب: شركة أم درمان للتعدين، وشركة أرياب للتعدين، وشركة سودامين المحدودة، وتقول الحكومة البريطانية إن شركة أم درمان للتعدين يُشتبه في توليدها عائدات من الذهب تدعم المجهود الحربي للقوات المسلحة السودانية، فيما تتهم شركة أرياب للتعدين بالضلوع في أنشطة مرتبطة بتجارة الذهب غير المشروعة التي تولد عائدات للقوات المسلحة السودانية. أما سودامين، فتقول لندن إنها مرتبطة بقطاع الذهب السوداني، ويُشتبه في تحويلها عائدات من الذهب المرتبط بالصراع إلى كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بما في ذلك عبر صلات سابقة بشركة الجنيد الخاضعة للعقوبات، ولا تعني هذه الاتهامات، بطبيعة الحال، إثبات المسؤولية الجنائية أمام القضاء، لكنها تكشف كيف باتت تجارة الذهب محوراً رئيسياً في مقاربة العقوبات الدولية للحرب السودانية، وكيف تنظر حكومات غربية إلى القطاع بوصفه جزءاً من البنية المالية التي تتيح للأطراف المتحاربة مواصلة القتال.
ثروة تتحول إلى وقود للحرب:
وتكمن المفارقة في أن السودان يمتلك احتياطيات وإنتاجاً ذهبياً يمكن أن يشكلا رافعة للاقتصاد الوطني في بلد يعاني انهياراً اقتصادياً واسعاً، لكن الحرب أعادت تشكيل مسار هذه الثروة، فبدلاً من أن تمر عائدات الذهب عبر قنوات رسمية وتتحول إلى موارد للخزانة العامة، أصبح جزء كبير منها، وفق التقديرات البريطانية، يتحرك خارج النظام الرسمي عبر شبكات تهريب ووسطاء وشركات وواجهات تجارية، قبل أن يجد طريقه إلى الأسواق الدولية. وتشير لندن إلى أن الذهب السوداني يُتداول عبر مراكز مالية وتجارية خارج البلاد، حيث يتحول المعدن النفيس إلى سيولة يمكن استخدامها في تمويل العمليات العسكرية وشراء المعدات والأسلحة، وهكذا، لا تبدو العلاقة بين الذهب والحرب علاقة جانبية أو عابرة، بل جزءاً من منظومة اقتصادية أوسع بات فيها استمرار القتال مرتبطاً بقدرة الأطراف وشبكاتها على الوصول إلى مصادر التمويل.
وتقول وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إن لندن ستواصل ملاحقة الجهات التي تؤجج الحرب في السودان، مؤكدة أن الشعب السوداني لا يدفع ثمن الأسلحة والمقاتلين فحسب، وإنما يدفع أيضاً ثمن التدفقات غير المشروعة من الذهب والأموال التي تساعد طرفي النزاع على مواصلة القتال، وتأتي العقوبات الجديدة في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية بشأن الوضع الإنساني والأمني في مدينة الأبيض، إذ دعت المملكة المتحدة إلى توسيع حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة ليشمل المدينة، في ظل ما وصفته لندن بخطر وقوع فظائع واسعة النطاق.
لكن استهداف الوسطاء والشركات والأفراد لا يحل وحده مشكلة اقتصاد الحرب. فطالما ظلت شبكات استخراج الذهب وتهريبه وتسييله خارج الرقابة الفعالة، وطالما بقيت هناك أسواق خارجية قادرة على استيعاب الذهب وتحويله إلى أموال، فإن المعدن النفيس سيظل مصدراً محتملاً لتمويل الصراع، ومن هنا، فإن السؤال لم يعد فقط: كم ينتج السودان من الذهب؟ بل أصبح أكثر إلحاحاً: أين تذهب عائدات هذا الذهب، ومن يحولها إلى أموال، وكيف تتحول هذه الأموال في نهاية المطاف إلى قدرة على مواصلة الحرب؟ ذلك أن الذهب، الذي كان يفترض أن يكون أحد مفاتيح إنعاش الاقتصاد السوداني، بات في اقتصاد الحرب شرياناً تتدفق عبره الأموال إلى ساحات القتال، في مفارقة تختصر جانباً أساسياً من المأساة السودانية: ثروة مدفونة في الأرض، لكنها بدلاً من تمويل السلام والتنمية، تُستخدم لإطالة أمد الحرب.
من يسيطر على الذهب .. ومن يجني العائد؟
لم تُغيّر الحرب خريطة السيطرة العسكرية في السودان فحسب، بل أعادت تشكيل موازين القوة الاقتصادية أيضًا. ومع انهيار مؤسسات الدولة في أجزاء واسعة من البلاد، أصبح الذهب أكثر من مجرد مورد طبيعي؛ تحوّل إلى أحد أهم الأصول التي يسعى كل طرف إلى تأمينها، سواء عبر السيطرة المباشرة على مناطق الإنتاج، أو عبر فرض رسوم على التعدين والنقل، أو من خلال شبكات تجارية تعمل داخل البلاد وخارجها، ورغم صعوبة الوصول إلى بيانات دقيقة بسبب ظروف الحرب، فإن تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب، أصبحت تمثل مصدرًا رئيسيًا للسيولة المالية التي تعتمد عليها أطراف النزاع في ظل تراجع الإيرادات الحكومية وتعطل النشاط الاقتصادي.
وبحكم كونه المؤسسة العسكرية الرسمية، احتفظ الجيش السوداني بنفوذ على أجزاء من البنية الرسمية لقطاع التعدين، خصوصًا في الولايات الواقعة خارج نطاق المعارك المباشرة، مثل أجزاء من ولايتي نهر النيل والشمالية، حيث استمرت بعض الشركات الحاصلة على امتيازات تعدين في العمل بدرجات متفاوتة، كما ظل جزء من عمليات شراء الذهب وتصديره مرتبطًا بالمؤسسات الحكومية القائمة، رغم التحديات الأمنية والاقتصادية التي فرضتها الحرب، غير أن خبراء اقتصاد يرون أن قدرة الدولة على مراقبة الإنتاج تراجعت بصورة كبيرة بعد اندلاع القتال، نتيجة خروج مساحات واسعة من البلاد عن السيطرة الإدارية، وتعطل أجهزة الرقابة والجمارك، وهو ما جعل جزءًا معتبرًا من الذهب يُتداول خارج المنظومة الرسمية، ولا توجد أدلة منشورة تثبت أن جميع عائدات الذهب المنتج في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش تُستخدم مباشرة في تمويل العمليات العسكرية، لكن من الواضح أن استمرار سيطرة الدولة على بعض مناطق الإنتاج منحها موردًا اقتصاديًا ظل أكثر استقرارًا من بقية القطاعات.
في المقابل، تشير تقارير الأمم المتحدة ودراسات مستقلة إلى أن قوات الدعم السريع حافظت على نفوذها في عدد من مناطق التعدين، خصوصًا في أجزاء من إقليم دارفور، حيث ارتبط وجودها منذ سنوات بمناطق إنتاج الذهب، وتوثق تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة استمرار نشاط اقتصادي مرتبط بمناطق خاضعة لسيطرة الدعم السريع، مع الإشارة إلى أن الذهب ظل أحد أهم الموارد التي تولد السيولة في تلك المناطق، وتتحدث تقارير دولية عن شبكات من الوسطاء والتجار المحليين والإقليميين الذين يتولون شراء الذهب ونقله خارج مناطق الإنتاج، قبل أن يدخل لاحقًا في سلاسل تجارة يصعب تتبعها، لكن هذه التقارير لا تنسب إدارة جميع عمليات التعدين أو التهريب مباشرة إلى قوات الدعم السريع، بل تشير إلى شبكة أكثر تعقيدًا تضم تجارًا محليين وشركات نقل ووسطاء وشركاء إقليميين.
من المنجم إلى السوق السوداء:
ولا يغادر الذهب السوداني البلاد في معظم الحالات عبر شاحنات تحمل شعار شركة تعدين أو عبر حاويات معلنة في الموانئ، بل يبدأ رحلته في دائرة غير رسمية تتسع تدريجيًا مع كل محطة، وفي مواقع التعدين، يشتري وسطاء محليون الذهب مباشرة من المعدنين التقليديين نقدًا، وغالبًا دون تسجيل رسمي أو إصدار فواتير. بعدها يُنقل الذهب إلى أسواق رئيسية في مدن مثل “عطبرة، أبو حمد، دنقلا، الفاشر، نيالا، والضعين” حيث يدخل مرحلة جديدة من التداول، قبل أن ينتقل إلى شبكات أكبر تمتلك القدرة على إخراجه من السودان.
ويشير خبراء في اقتصاد التعدين إلى أن هذه المرحلة هي الأكثر غموضًا، لأن الذهب يغيّر مالكيه عدة مرات خلال فترة قصيرة، ما يجعل تتبع مصدره الأصلي شبه مستحيل، وتُظهر تقارير الأمم المتحدة أن الحرب لم تُنشئ شبكات التهريب، لكنها جعلتها أكثر نشاطًا وأكثر تعقيدًا، ومع تراجع الرقابة على الحدود، أصبحت الطرق الصحراوية القديمة التي استخدمها المهربون لسنوات أكثر انفتاحًا، بينما ظهرت مسارات جديدة فرضتها خريطة السيطرة العسكرية، وتوثق تقارير فريق الخبراء استخدام معابر برية بين السودان وكل من تشاد وجنوب السودان وليبيا، إضافة إلى طرق تصل إلى مصر، لنقل الذهب خارج البلاد، وفي بعض الحالات، لا تكون الدولة المجاورة هي الوجهة النهائية، بل مجرد محطة عبور، يُعاد منها تصدير الذهب أو دمجه مع شحنات أخرى، بحيث يصعب لاحقًا إثبات مصدره السوداني.
وأفادت تقارير أممية بأن بعض عمليات النقل تمت باستخدام طائرات خاصة أو رحلات غير منتظمة، خاصة في المناطق التي يصعب الوصول إليها برًا، ووثّق تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة لعام 2025 حالات تتعلق باستخدام طائرات في عمليات لوجستية مرتبطة بنقل موارد، من بينها الذهب، عبر دول مجاورة، ولا يعني ذلك أن جميع عمليات التهريب تتم جوًا، لكنه يكشف عن تطور أساليب الشبكات العاملة، وقدرتها على استخدام وسائل متعددة بحسب الظروف الأمنية.
وتشير بيانات التجارة الدولية، إلى جانب تقارير الأمم المتحدة، إلى أن الإمارات العربية المتحدة تُعد منذ سنوات من أكبر مراكز تجارة الذهب القادم من السودان، سواء عبر قنوات رسمية أو عبر سلاسل توريد معقدة تمر بدول أخرى، وتظهر دول مثل مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا في تقارير مختلفة كنقاط عبور أو أسواق إقليمية، وإن كانت الأدوار تختلف من دولة إلى أخرى بحسب المسار المستخدم، وفي الوقت نفسه، تؤكد الأمم المتحدة أن جزءًا من الذهب يخرج من السودان دون أي تسجيل رسمي، ما يجعل تقدير حجمه الحقيقي أمرًا بالغ الصعوبة.
من الأسواق العالمية إلى اقتصاد الحرب:
بعد أن يغادر الذهب السوداني المناجم، ويعبر الحدود عبر قنوات رسمية أو غير رسمية، تبدأ مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا: دخوله إلى منظومة التجارة العالمية. ففي هذه المرحلة، يصبح تتبع منشأ المعدن مهمة بالغة الصعوبة، خصوصًا عندما يمر عبر دول وسيطة أو يُعاد صهره في مصافٍ خارج السودان، وتشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمات متخصصة في سلاسل توريد المعادن إلى أن الذهب، بخلاف النفط أو السلع الزراعية، يمكن أن يفقد هويته بسرعة. فبعد إعادة الصهر والخلط، لا تعود هناك وسيلة عملية لتمييز الذهب المستخرج من السودان عن غيره، إلا إذا وُجدت وثائق موثوقة ترافقه منذ لحظة الاستخراج وحتى وصوله إلى المشتري النهائي، لهذا السبب، أصبحت الشفافية في تجارة الذهب واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الحكومات والمؤسسات المالية وشركات التكرير حول العالم، خاصة عندما يتعلق الأمر بالذهب القادم من مناطق النزاعات.
اقتصاد لا يعرف خطوط الجبهة:
وتكشف سنوات الحرب الثلاث أن الذهب لم يكن مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبح جزءًا من بنية الاقتصاد الذي استمر في العمل رغم انهيار قطاعات واسعة من الدولة، فبينما تعطلت مؤسسات حكومية، وتوقفت مصانع، وانخفض الإنتاج الزراعي والصناعي، بقي التعدين في كثير من المناطق مستمرًا، مدفوعًا بالحاجة إلى الدخل، وبالطلب العالمي المرتفع على الذهب، وتشير تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة إلى أن السيطرة على الموارد الطبيعية، وفي مقدمتها الذهب، مثلت أحد العوامل الاقتصادية التي أسهمت في استمرار قدرة أطراف النزاع على الحصول على السيولة، إلى جانب مصادر أخرى للدخل. لكن هذه التقارير لا تجزم بأن الذهب كان المصدر الوحيد أو الحاسم لتمويل العمليات العسكرية، بل تضعه ضمن منظومة أوسع لاقتصاد الحرب.
الفجوة بين الإنتاج والعائد:
في المقابل، تبدو خسائر الدولة والمجتمع أكثر وضوحًا، فكل كمية من الذهب تخرج خارج القنوات الرسمية تعني فقدان عائدات ضريبية ورسوم تصدير واحتياطيات من النقد الأجنبي كان يمكن أن تُسهم في دعم الاقتصاد أو تمويل الخدمات العامة، كما أدى توسع الاقتصاد غير الرسمي إلى إضعاف قدرة المؤسسات الحكومية على تنظيم قطاع التعدين، وفتح المجال أمام شبكات الوساطة والتهريب لتحقيق أرباح كبيرة بعيدًا عن أي رقابة أو مساءلة، أما المجتمعات المحلية في مناطق التعدين، فما زالت تواجه تحديات قديمة تفاقمت مع الحرب، تشمل ضعف الخدمات، والمخاطر البيئية، واستخدام الزئبق والسيانيد في التعدين التقليدي، إضافة إلى تراجع فرص التنمية المستدامة رغم الثروة التي تنتجها تلك المناطق.
ويكشف تحليل البيانات المتاحة أن السودان ظل من كبار منتجي الذهب في أفريقيا، لكن هذا الموقع لم ينعكس على وضعه الاقتصادي، ويرى خبراء أن السبب لا يكمن في حجم الإنتاج وحده، بل في ضعف السيطرة على سلاسل التوريد، واتساع التهريب، وغياب الشفافية في حركة الذهب منذ سنوات سبقت الحرب، ثم ازدادت تعقيدًا بعدها، وتؤكد المقارنات بين بيانات الصادرات الرسمية وبيانات الواردات في بعض الدول وجود فجوات يصعب تفسيرها بالإحصاءات وحدها، وهو ما يدفع منظمات دولية إلى المطالبة بتعزيز آليات التتبع والإفصاح في تجارة الذهب.
الذهب .. الحلقة التي تطيل الحرب:
كل كيلوغرام يغادر السودان خارج القنوات الرسمية لا يمثل خسارة مالية للدولة فحسب، بل يعكس أيضًا استمرار اقتصاد موازٍ يوفر السيولة لشبكات لا تخضع للمساءلة، وبينما تتراجع الإيرادات الضريبية، وتنهار الخدمات العامة، يبقى الذهب السلعة الأكثر قدرة على تمويل النشاط الاقتصادي في مناطق النزاع، ولهذا، يرى خبراء الأمم المتحدة أن السيطرة على تجارة الذهب ليست مجرد قضية اقتصادية، بل تمثل أحد مفاتيح فهم كيفية استمرار الحرب رغم الانهيار الذي أصاب معظم مؤسسات الدولة.
وتكشف رحلة الذهب السوداني، من حفرةٍ في صحراء دارفور أو نهر النيل إلى أسواق الذهب العالمية، أن المعدن الأصفر لم يعد مجرد مورد اقتصادي، بل أصبح مرآة تعكس تعقيدات الحرب نفسها، وفي بلد تتداخل فيه السلطة بالسلاح، والتجارة بالنفوذ، والاقتصاد بالنزاع، يصعب رسم خط واضح يفصل بين النشاط المشروع وغير المشروع. كما أن تعدد الفاعلين، وتغير السيطرة على الأرض، واتساع شبكات التهريب، يجعل الوصول إلى صورة كاملة تحديًا حتى بالنسبة للمحققين الدوليين، لكن ما تكشفه الوثائق والبيانات المتاحة بوضوح هو أن الذهب ظل أحد أهم الموارد الاقتصادية خلال سنوات الحرب، وأن ضعف الرقابة على إنتاجه وتجارته أتاح ازدهار اقتصاد موازٍ، قلّص عائدات الدولة، وعقّد جهود الشفافية والمساءلة .. ويبقى السؤال الذي لم تُجب عنه الحرب بعد: هل يستطيع السودان، بعد توقف القتال، استعادة السيطرة على ثروته المعدنية وبناء قطاع تعدين شفاف يخدم الاقتصاد الوطني، أم سيظل الذهب موردًا تتنازع عليه شبكات المصالح كما تنازعت عليه ساحات القتال؟