Fajr Press

حين يصمت المدافعون .. من يحمي الضحايا ومن يدافع عن الوطن؟

كتب - أدم مكرم

في مقال سابق عن الهجوم الجوي الذي استهدف مدنيين في شمال الوادي، انطلاقاً من موقف واضح: إن حياة المدنيين ليست تفصيلاً في حسابات الحرب، وإن حماية الإنسان لا ينبغي أن تخضع للولاء السياسي أو لموقعه على خريطة السيطرة العسكرية. واليوم، تعيد مشاهد الضحايا طرح السؤال ذاته، وسط صمت يثير القلق، ويستدعي مراجعة جادة للخطاب الذي يدّعي الدفاع عن الوطن.
ليست المأساة في سقوط الضحايا وحده، على فداحة ذلك، بل أيضاً في الطريقة التي نتعامل بها مع موتهم. فحين يرتفع صوت الإدانة تبعاً لهوية الجهة المتهمة، ثم يخفت حين تصبح المساءلة محرجة للحلفاء، نكون أمام أزمة تتجاوز الموقف السياسي إلى اختلال المعايير الأخلاقية ذاتها. عندها لا يعود الإنسان قيمة في ذاته، بل يتحول إلى ورقة في صراع الاصطفافات.
إن أخطر ما تفعله الحرب بالوعي العام هو قدرتها على تطبيع الموت، وتحويل المأساة إلى مادة للانتقاء السياسي. يصبح الضحايا جديرين بالتضامن في منطقة، وأقل استحقاقاً له في منطقة أخرى؛ لا لأن آلامهم مختلفة، بل لأن الاعتراف بها قد يربك حسابات هذا الطرف أو ذاك. وهنا يفقد الخطاب الوطني جوهره، حين يعجز عن الدفاع عن المواطن خارج حدود الولاء والانتماء.
أما الجيش الذي يُقدَّم باعتباره مؤسسة وطنية، فإن وطنيته لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرته على حماية المواطنين وصون السيادة والخضوع للقانون والمساءلة. فالجيش ليس فوق النقد، كما أن نقده لا يعني بالضرورة الوقوف ضده أو تبرئة خصومه. إن المؤسسة التي تستمد شرعيتها من حماية الوطن لا ينبغي أن تخشى الأسئلة المشروعة عن أدائها، وعن مسؤوليتها تجاه المدنيين، وعن قدرتها على حماية حدود البلاد من التدخلات الأجنبية.
ومن هنا تبرز مفارقة تستحق التوقف: كيف يمكن أن يرتفع خطاب الدفاع عن السيادة الوطنية، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بحماية المواطنين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات؟ وأي معنى للسيادة إذا لم يكن الإنسان الذي يفترض أن تحميه الدولة في صلب أولوياتها؟
إن رفض التدخل الأجنبي موقف مشروع، بل ضرورة وطنية حين يتعلق الأمر باستقلال القرار السوداني ووحدة البلاد. لكن هذا الرفض لا يجوز أن يتحول إلى غطاء يعفي مؤسسات الدولة من المساءلة، مثلما لا يجوز اتخاذ الانتهاكات ذريعة لتبرير التدخل الخارجي. فالسيادة وحماية المدنيين ليستا خيارين متعارضين، وإنما مسؤوليتان متلازمتان في أي مشروع وطني جاد.
كذلك لا يمكن تجاهل أثر الجغرافيا في تشكيل المواقف من الحرب. فعندما تصبح المنطقة التي ينتمي إليها الضحايا عاملاً في تحديد مقدار التعاطف معهم، نكون قد انتقلنا من مفهوم المواطنة المتساوية إلى منطق الجغرافيات المتنازعة. وعندما يُختزل الدفاع عن الجيش في الدفاع عن كل ما يصدر عنه، بصرف النظر عن الوقائع والأدلة، تتحول الوطنية من رابطة جامعة إلى اصطفاف سياسي مغلق.
ليس المطلوب إطلاق الاتهامات بلا تحقيق، ولا إصدار أحكام نهائية استناداً إلى الصور وحدها. المطلوب هو كشف الحقيقة، والتحقيق المستقل في الوقائع، وتحديد المسؤوليات، وضمان حماية المدنيين وعدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من المحاسبة. فالتثبت من الوقائع واجب، لكنه لا يبرر الصمت عن المأساة، ولا يلغي حق الضحايا في التضامن والإنصاف.
لقد كشفت حرب 15 أبريل عن أزمة عميقة في الدولة السودانية، لكنها كشفت أيضاً عن مأزق بعض الخطابات السياسية التي ظنت أن الشعارات وحدها كافية لبناء مشروع وطني. فالوطن لا يُختزل في مؤسسة، ولا في قيادة، ولا في جغرافيا بعينها. إنه المجال المشترك الذي تتساوى فيه حقوق المواطنين، وتخضع فيه السلطة للقانون، ويصبح فيه الدفاع عن الإنسان معياراً لا يتغير بتغير مواقع القوى المتحاربة.
إن بناء السودان الذي ننشده يتطلب أكثر من وقف إطلاق النار؛ يتطلب إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة المواطنة والمساءلة، وتحرير مفهوم الوطنية من الاحتكار السياسي والجغرافي. فلا يمكن بناء دولة ديمقراطية على ثقافة تبرر الأخطاء حين تصدر عن الحلفاء، أو تتعامل مع الضحايا وفقاً لهوياتهم ومواقعهم.
والسؤال الذي ينبغي أن يواجه كل من يدّعي الدفاع عن الوطن هو: هل ندافع عن مؤسسة لأنها وطنية، أم نطالبها بأن تكون وطنية بالفعل، بحماية المواطنين والخضوع للقانون وصون السيادة؟
إن الدفاع الحقيقي عن الجيش لا يكون بإغلاق باب النقد، بل بتعزيز مهنيته ومساءلته وحماية سمعته من ممارسات تضر بعلاقته بالمواطنين. والدفاع عن الوطن لا يكون بتبرير كل ما يحدث باسمه، بل بالتمسك بالمعايير التي تجعل منه وطناً للجميع.
فالحياد الأخلاقي لا يعني الوقوف في المنتصف بين الضحية والجلاد، بل يعني رفض الانتهاك أياً كان مرتكبه، والتمسك بالحقيقة حتى حين تكون كلفتها السياسية مرتفعة. وما لم تصبح حياة السودانيين معياراً واحداً لا يتبدل بتبدل الجغرافيا والولاءات، ستظل الحرب قادرة على حصد الأرواح، بينما تنشغل الخطابات المتنازعة بتبرير مواقفها بدلاً من مواجهة جذور المأساة.
فالوطن الذي لا تتساوى فيه قيمة الضحايا، ولا يخضع فيه السلاح للمساءلة، لن تنقذه الشعارات وحدها.

كمبالا ١١ اكتوبر ٢٠٢٦ م
engineermakram@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.