Fajr Press

الخرطوم بين صفوف البنزين وصفوف البليلة .. متى يستيقظ ضمير العسكر؟

متابعات - عزالدين دهب

لم تعد الخرطوم التي كانت تضج بالحياة تعرف نفسها. شوارعها التي كانت تمتلئ بأضواء المحال وصخب المقاهي، أصبحت اليوم مسرحاً لطوابير طويلة لا تنتهي؛ طوابير أمام محطات الوقود، وأخرى أكثر وجعاً أمام “التكايا”، حيث تُوزَّع وجبة البليلة الساخنة التي باتت طعام الآلاف.

بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، تدهورت الأوضاع المعيشية في العاصمة السودانية إلى مستويات غير مسبوقة، وتحولت أحياؤها إلى مدن أشباح، فيما يكافح من تبقى من سكانها من أجل البقاء يوماً بيوم.

مدن تنزف سكانها.

تشير تقديرات متطوعين ومنظمات محلية إلى أن أكثر من ثلثي أحياء العاصمة الخرطوم الكبرى – الخرطوم وأم درمان وبحري وشرق النيل – خلت من سكانها الأصليين، إما بالنزوح إلى الولايات الآمنة نسبياً أو باللجوء إلى خارج البلاد. أما الذين عادوا، فقد عادوا إلى بيوت منهوبة، وجدران مثقوبة بالرصاص، وخدمات شبه معدومة.

يقول محمد الحسن (45 عاماً)، سائق أجرة من أم درمان، وهو يقف في صف بنزين امتد لأكثر من كيلومترين قرب سوق صابرين:”أنا لي ثلاثة أيام بايت في الطلمبة. بنوم في العربية وأصحى أحرّكها مترين قدام. الجالون وصل سعر خرافي في السوق الأسود، والحكومة تتفرج. لو ما اشتغلت أولادي ما بياكلوا، ولو اشتغلت البنزين بياكل قروش الشغل. نحن بقينا بين نارين”.

ويضيف بغضب مكتوم: “حكومة كامل إدريس بتتكلم عن عودة الحياة للخرطوم، لكن وين الحياة؟ لا موية مستقرة، لا كهرباء، لا أمن. كيف دايرين الناس ترجع؟”.

التكايا.. آخر خط دفاع ضد الجوع

في حي الثورة، الحارة (75) بأم درمان، تصطف النساء والأطفال منذ الساعة العاشرة صباحاً أمام تكية صغيرة يديرها شباب الحي. القدر الكبير يفور بالعدس والبليلة، وهي الوجبة الوحيدة التي سيحصل عليها كثيرون في ذلك اليوم.

تقول حواء عبد الله (38 عاماً)، أم لأربعة أطفال من الثورة، وهي تحمل إناءً بلاستيكياً فارغاً: “راجلي مفقود من بداية الحرب، وأنا بقيت الأم والأبو. كنا مستورين، هسي بقينا نعتمد على التكية. مرات الوجبة ما بتكفي، بقسمها للأطفال وأنا بنوم جعانة. أولادي ضعفوا شديد، الدكتور قال عندهم فقر دم وسوء تغذية، والدواء غالي ما بنقدر عليه”.

وتتابع، وعيناها تدمعان: “الأكل بقى همّنا الوحيد. ما دايرين رفاهية، دايرين نأكل عشان نعيش. الحرب شالت مننا كل حاجة، حتى كرامتنا بقت في صف الأكل”.

وتؤكد منظمات إنسانية أن آلاف الأسر في العاصمة تعتمد كلياً على نحو 400 تكية تنتشر في الأحياء، تقدم وجبة واحدة يومياً في أفضل الأحوال، وهي وجبة تفتقر في الغالب إلى القيمة الغذائية الكافية.

صحة تنهار بصمت

انعكس تدهور الوضع الغذائي مباشرة على الصحة العامة، خاصة وسط النساء والأطفال. ويتحدث أطباء متطوعون عن ارتفاع مخيف في حالات فقر الدم الحاد، والهزال، وأمراض الجوع، إضافة إلى تفشي الإسهالات والأمراض الجلدية بسبب تلوث المياه.

يقول د. سامي فضل (52 عاماً)، طبيب متطوع من بحري، يعمل في عيادة ميدانية: “نستقبل يومياً عشرات الحالات لأطفال يعانون من سوء تغذية حاد، ونساء حوامل يعانين من الأنيميا الحادة. المشكلة ليست في التشخيص، بل في العلاج. أسعار الأدوية ارتفعت بنسبة تجاوزت 500%، ومعظم الصيدليات مغلقة أو منهوبة. حتى المحاليل الوريدية والفيتامينات الأساسية أصبحت عملة نادرة”.

ويضيف: “المرافق الصحية الكبيرة إما مدمرة أو خارج الخدمة. نحن نعمل بإمكانيات صفرية، وأحياناً نضطر للمفاضلة بين المرضى. هذا وضع كارثي بكل المقاييس، والمجتمع الدولي يتفرج، وحكومة الأمر الواقع مشغولة بالصراع على السلطة”.

ليل الخرطوم .. خوف ونهب:

مع غياب الدولة، تنامت ظاهرة العنف والسطو الليلي والنهب المسلح. وأصبحت الأحياء الخالية هدفاً سهلاً للعصابات، فيما تعيش حتى الأحياء المأهولة حالة من الرعب الدائم.

تروي ست النفر إبراهيم (50 عاماً)، من شرق النيل، وهي تجلس أمام منزلها الذي عادت إليه بعد نزوح دام عامين: “رجعنا لقينا البيت مسروق، حتى أبواب الشبابيك شالوها. بالليل ما بننوم من الخوف، كل يوم نسمع عن بيت اتسرق أو زول اتنهب في الشارع. الكهرباء قاطعة أغلب اليوم، والموية تجي يوم وتقطع عشرة. الحكومة قالت العاصمة آمنة، لكن نحن عايشين في رعب حقيقي”.

وتضيف: “كامل إدريس وحكومته قاعدين في بورتسودان، وبيصدروا قرارات من المكاتب المكيفة. تعالوا عيشوا معانا ليلة واحدة بدون كهرباء وموية، وأسمعوا صوت الرصاص، بعدين اتكلموا عن عودة المواطنين”.

وقود مفقود وحكومة غائبة:

باتت أزمة الوقود رمزاً لفشل إدارة الأزمة. مئات السيارات تصطف لساعات وأيام أمام محطات محدودة تعمل بشكل متقطع، فيما يزدهر السوق الأسود الذي تسيطر عليه شبكات نافذة.

ويرى مراقبون أن تعاطي حكومة كامل إدريس مع الأوضاع الإنسانية في الخرطوم اتسم بالعجز والدعاية أكثر من الفعل.

فبينما تتحدث الحكومة عن خطط لإعادة الإعمار وعودة النازحين، يفتقد المواطن إلى أبسط مقومات الحياة: رغيف الخبز، وجرعة الدواء، ولتر البنزين.

يقول محمد الحسن مجدداً: “نحن ما دايرين وعود، دايرين فعل. وفرّوا الأمن أولاً، ووفّروا الخدمات، بعدين قولوا للناس ارجعوا. الخرطوم الآن طاردة، وليست جاذبة”.

متى يستيقظ الضمير؟

بين صفوف البنزين وصفوف البليلة، تقف الخرطوم شاهدة على واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخ السودان الحديث. الحرب لم تدمر البنية التحتية فقط، بل دمرت النسيج الاجتماعي، وزرعت الجوع والمرض والخوف في كل بيت.

السؤال الذي يردده المواطنون اليوم ليس عن موعد انتهاء الحرب فقط، بل عن ضمير من أشعلوها واستمروا فيها: متى يستيقظ ضمير العسكر؟ ومتى تتوقف لغة البنادق لتبدأ لغة الإنسانية؟

حواء، وهي تغادر التكية بوجبة تكفي أطفالها بالكاد، تلخص المأساة بجملة واحدة: “نحن ما متنا بالرصاص، لكن بنموت كل يوم بالجوع”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.