نجتهد ونعلي من مصلحة الشعبين المشتركة في العيش الكريم والمنافع، واصرار النظم السياسية العاجزة الفاسدة على تفعيل أدوات عمياء ومضرة بمنظور الأمن والقوة في تنفيذ السياسات وفقا لأهداف قاتلة وسيادة وهيمنة على الضعيف الأعزل.
الحقيقة تظل غائبة ومهما كان التبرير وأي كان السلوك لا يكون بمثل هذا الأسلوب البربري الهمجي السادي إلا إنسانياً تجاه نفوس غالية وعظيمة كانت تطمح بكد لسد حالة عجز للدولة في إشباع حاجات الأسر والمجتمعات التي أنهكها الفقر واقتصاديات الحرب، فلاذت إلى صحراء للبحث عن أمل ومستقبل ولكن الصحراء القاحلة مثل البحر الهائج طريق مختصر إلى الموت.
متى يعي الحكام والأمراء والسلاطين بأن الشعب هو المعلم ومالك الثروة والسلطان. هذا الكلام لا يقف عند حدود العموميات، بل يجد معناه الدامي في ما يتعرض له المعدنيون السودانيون على أيدي قوات مصرية، حيث تتكرر باستمرار الاعتداءات والغارات الجوية على مواقع التعدين الأهلي داخل الأراضي السودانية، وكان آخرها ما جرى في العاشر من أكتوبر عام ٢٠٢٦ عندما استهدفت طائرات مصرية موقعاً للتعدين في منطقة شمال الوادي فقتلت مايتجاوز مائتين معدناً مدنياً حصيلة أولية سريعة على الأقل وأصابت المئات ، بعد أيام من الاستطلاع الجوي، فدفعت المجزرة آلاف المعدنين إلى الفرار نحو مجاهل الارض والجبال وسط ظروف إنسانية قاسية، واعتقل آخرون واقتيدوا إلى داخل الأراضي المصرية دون معرفة مصيرهم. وهذه ليست الحادثة الأولى، فقد سبقها في يونيو من العام نفسه قصف جوي على جبل العقيدات أسفر عن مقتل ثلاثة وعشرين عاملاً، وفي مارس قتل تسعة معدنين وأصيب ثلاثة عشر في اشتباكات مع حرس الحدود المصري في وادي الأنصاري، وفي نوفمبر من عام ٢٠٢٤م وثق فريق تحقق دبنقا مقاطع فيديو تظهر جنوداً مصريين يهاجمون معدنين سودانيين داخل الأراضي السودانية ويطلقون النار عليهم ويجرحون ثلاثة ويحتجزون آخرين ويصادرون ممتلكاتهم. وهذا الفعل الشنيع وحد الوجدان السوداني تجاه تلك الاعتداءات والانتهاك لسيادة السودان وسلامة أراضيه ومخالفة لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني، وأن استهداف المدنيين العزل قد يشكل جريمة حرب وقد يرتقي إلى جريمة العدوان، خاصة في سياق استغلال انهيار مؤسسات الدولة السودانية لفرض السيطرة على الموارد الطبيعية في المناطق الحدودية الغنية بالذهب.
وهكذا يتحول الفقر واقتصاد الحرب إلى دافع للبحث عن لقمة عيش في الصحراء، بينما تتحول الصحراء نفسها إلى مقبرة جماعية بفعل القصف، ويبقى الصمت الرسمي السوداني لحكومة الأمر الواقع سيد الموقف، فلا تعليق ولا مساءلة ولا عدالة، وكأن دماء المعدنيين السودانيين ليست دماً، وأرواحهم ليست أرواحاً، وحقهم في الحياة ليس حقاً. ومتى يعي الحكام والأمراء والسلاطين أن الشعب هو المعلم ومالك الثروة والسلطان، وأن السيادة الحقيقية ليست في القوة العمياء ولا في الهيمنة على الضعيف الأعزل، بل في صون النفس الإنسانية وكرامتها. إيقاف الحرب ضرورة قصوي للحفاظ علي المواطن والوطن.
لن ننسي..ولن نغفر
الظلم ليلته قصيرة.