Fajr Press
إعلان حكومة تأسيس

الحكم الفيدرالي في السودان .. عدالة قسمة السلطة والثروة

نيروبي - فجر برس

تجارب حكم متعددة مرت بالسودان، لكنها لم تحقق أي إستقرار وتنمية، وتسبب ذلك في إشعال حروب ناتجة من هيمنة المركز، وهذا ما دفع القوي السياسية التوجه نحو المطالبة بالحكم الفيدرالي كتنظيم إداري عادل ومناسب، لجهة أنه يوسع المشاركة ويمكن الدولة من إحداث توازن في توزيع الثروة والسلطة بين السودانيين، وتضمن دستور ميثاق السودان التأسيسي الذي وقعت عليه قوي سياسية بجانب الدعم السريع في نيروبي مؤخرا إقرار نظام حكم فيدرالي بالبلاد.

وإعتمد الدستور الانتقالي للسودان ثلاثة مستويات للحكم هي: (الاتحادي، الإقليمي، والمحلي) وتم التقسيم الإداري والجغرافي في البلاد إلى (8 ) أقاليم، وهي : (إقليم الخرطوم، الإقليم الشرقي، الإقليم الشمالي، الإقليم الأوسط، إقليم كردفان، إقليم جنوب كردفان وجبال النوبة وإقليم الفونج الجديد) ومنح كل إقليم حق إقرار دستور يراعي خصوصيته دون المساس بطبيعة الدولة المنصوص عليها في هذا الدستور.

وقبل حرب أبريل التي تشهدها البلاد حالياً، وفي عام 2021م أصدر رئيس المجلس السيادي الانتقالي، الفريق أول عبدالفتاح البرهان المرسوم الدستوري رقم (6) لسنة 2021م بالعودة لنظام الحكم الإقليمي “الفيدرالي” في البلاد بعد 30 عاما من الغاءه بمرسوم دستوري اصدره الرئيس المخلوع، عمر البشير عام 1991م باعتماد نظام الحكم الولائي الذي قسم السودان إلى (27) ولاية، بينها 10 ولايات في جنوب السودان قبل الانفصال في عام 2011م. وكان السودان في الماضي مقسماً إلى (6) أقاليم فقط، هي (الشمال، والشرق، والغرب، والجنوب، والإقليم الأوسط، وإقليم كردفان) قبل انقلاب 1989م.

ونص المرسوم الدستوري الاخير للبرهان على تطبيق نظام حكم الأقاليم الفيدرالي، عقب انعقاد مؤتمر نظام الحكم في السودان الذي يحدد الأقاليم وعددها وحدودها وهياكلها واختصاصاتها وسلطاتها ومستويات الحكم والإدارة بما لا يتعارض مع إتفاق جوبا للسلام، ولكن مع انشغال البرهان بادارة حربه المدمرة تناسي تطبيق ما جاء في الدستور، غيران ولايات عدة خرجت عن سيطرته بعد أن هزمت قواته بواسطة قوات الدعم السريع، أما إقليم دارفور الذي نصب رئيس حركة جيش تحرير السودان حاكما له فقد سقط أيضا بيد قوات الدعم السريع واعتكف حاكمه مني أركو مناوي بمدينة بورتسودان.

وبالنسبة للقيادات السياسية فنجدها ظلت منذ أمد بعيد تطالب بنظام الحكم الفدرالي، واستبقت القوي السياسية المدنية بالمطالبة بالحكم الفيدرالي واعتبر عضو مجلس السيادة الانتقالي السابق محمد التعايشي في تصريحات سابقة، العودة للنظام الفيدرالي استحقاق واجب تنفيذه وفقاً لما نصت عليه اتفاقية جوبا للسلام التي تم توقيعها في أكتوبر 2020، وهي خطوة في مسار الانتقال، بينما يقول رئيس حركة جيش تحرير السودان، مني أركو مناوي، إن العودة لنظام الحكم الفيدرالي طريق نحو حل القضايا والتعقيدات والخروج من المركزية القابضة التي أضرت بالسودان في عهد نظام المعزول عمر البشير، ما يعني تنمية متوازنة، وإدارة الأقاليم برضا تام، كما يتيح تقاسم الموارد الاقتصادية بشكل عادل مع المركز.

فيما يرى قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي” إن نظام الحكم في السودان يجب أن يكون فدراليا، ديمقراطيا، ومدنيا، و في افادات صحفية سابفة له قال حميدتي أن النظام الفدرالي غير التماثلي، الذي تتفاوت فيه طبيعة ونوع السلطات التي تتمتع بها الوحدات المكونة للاتحاد الفدرالي، هو الأنسب لحكم السودان، وطالب حميدتي ببناء “سودان جديد” قائم على الديمقراطية والاعتراف بالتنوع والتسامح والسلام الحقيقي، لافتا إلى أن هذا النظام الجديد لا يمكن تحقيقه إلا من خلال “العدالة الاجتماعية”.

ولم تتوقف الجهود السياسية والمدنية في السعي نحو نظام حكم فيدرالي بالبلاد حيث وقع رئيس الهيئة القيادية لتنسيقية القوى المدنية الديمقراطية السودانية “تقدم” الدكتور عبد الله حمدوك، ورئيس حركة جيش تحرير السودان عبد الواحد محمد نور عام 2042م في العاصمة الكينية نيروبي على اتفاق “إعلان نيروبي” بعد اجتماعات لمدة يومين، ونص الاتفاق على تأسيس حكم مدني ديمقراطي فيدرالي في السودان يضمن قيام الدولة المدنية والمشاركة العادلة والمتساوية لجميع المواطنين في السلطة والثروة، وتضمن حرية الدين والفكر وضمان فصل الهويات الثقافية والإثنية والدينية والجهوية عن الدولة.

وفي عام 2023 نظم معهد أبحاث السلام بجامعة الخرطوم، ورشة علمية حول “الفدرالية كضرورة لبقاء السودان موحداً مخاطبة أزمة السياسة والحكم بعد الاستقلال” وذلك بالشراكة بين معهد أبحاث السلام والمؤسسة الدولية للديموقراطية والانتخابات، وتوصلت الورشة الي حزمة من التوصيات من أهمها أن الفدرالية هي النظام المناسب لحكم السودان وأن تطبيقها يتطلب نظام ديمقراطي، وأكدت التوصيات أن تطبيق الحكم الفيدرالي بشكل جيد يحد من فرص المطالبة بالحكم الذاتي الذي يحمل في طياته مخاطر التطور للمطالبة بالانفصال.

وأشار مختصون الي عدم وجود نظرية أو نموذج واحد للحكم الفيدرالي، حيث يلعب السياق الاجتماعي، السياسي، والاقتصادي دوراً كبيراً في خيارات الفدرالية وأن الفرق كبير بين النظرية والتطبيق، ويظهر ذلك في أن تجربة الفدرالية بالسودان لم تنعم بتطبيق معقول، مما جعل البعض يرى أن الفدرالية لم تبدأ بالسودان، وإن التجارب السابقة ليست فدرالية بل أقرب لكونها مركزية وإن توارت تحت خطاب فدرالي ولامركزي.

وفي ذات السياق يقول د. احمد التجاني سيد احمد يبدو أن النقاش حول الوحدة والانقسام، المركز والهامش، لا يزال مرهونًا بمفاهيم قديمة لم تنتج إلا الفشل والتفكك، وتجربة السودان ظلت أسيرة تصور مركزي أحادي، يتجاهل التعدد الثقافي والقومي، ويعتمد على نخبة سلطوية تفرض تصورها للحكم والهوية بالقوة أو بالتضليل، ويمضي أحمد التجاني قائلا : لعلّ السودان اليوم بحاجة إلى صياغة مشروع وطني جديد، يعترف بالتنوع لا كتهديد، بل كقيمة، ويعيد ترتيب العلاقة بين المركز والأطراف، ويمنح الأقاليم الحق في إدارة شؤونها عبر آليات ديمقراطية تضمن العدالة والتمثيل الحقيقي، لا الوعود الخاوية أو المحاصصات المغلقة.

وفي ذات المنحى يقول احمد التجاني في لحظة يتكثف فيها التاريخ السوداني بين الرماد والرؤية، يبرز تحالف تأسيس السودان (تأسيس) كإطار سياسي وفكري جديد، لا يكتفي بالشعارات أو ردود الأفعال، بل يستند إلى مؤتمر تأسيسي واسع، أفضى إلى التوقيع على ميثاق تأسيسي وطني ودستور انتقالي، يمثلان محاولة جادة لإعادة تعريف الدولة السودانية من الجذور، وبحسب د. أحمد التجاني سيد احمد ان التحالف لا يسعى إلى استبدال سلطة بسُلطة، بل إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، تتجاوز فكرة احتكار المركز، وتتجاوز الفكرة الأحادية للدولة، نحو دولة تعترف بالتعدد، وتفوض السلطة، وترد الكرامة للمواطن.

وبالنسبة القيادي والناشط بشرق السودان همرور حسين فأنه يقترح نظام الحكم الفيدرالي كحل لإشكالية شرق السودان، وقال همرور آن الاوان لانصاف انسان الشرق الذي تقسم موارده وخيراتها امام اعينه، ويضيف همرور ان البعض يعتبر الفيدرالية اقصاء للاخر بينما نجد أن الفيدرالية تنهي ادعاءات التهميش لأن من يأتي ليقول “همشتني” نقول له انت حاكم وبيسيطر على مواردك ، وبحسب همرور أن الفيدرالية المالية تنهي الامتيازات و المحسوبية وتعزز الحكم الرشيد ، و كذلك الفيدرالية الثقافية تعطي كل إقليم حقه في التعبير عن ثقافته بدلاً من الظهور في التلفزيون القومي لثقافة محددة.

وفي سياق متصل يدعم الامين السياسي للمجلس الاعلي لنظارات البجا سيد علي ابو امنة، قيام حكم فيدرالي بالبلاد حيث نادي بان تتحد كل أقاليم السودان الست – في تحالف قال انه دعا له في 2019م (تحالف الجذور) – للاطاحة بما وصفها بالعصابة وبناء السودان القومي الفيدرالي العادل الموحد الذي هويته السودانية فقط، واضاف : فليأخذ كل إقليم منها حقه – أي العصابة- في الحكم الذاتي وليحكم الجميع السودان كله في إتحاد فيدرالي .. فالسودان شعوب عديدة وهو ليس ملك لقبيلة واحدة .. سيما إذا كانت تمثل الأقلية ، وحذرسيد ابو امنة (البجا) من قبول منصب قبل ان تكون حقوق البجا ضمن دستور البلاد .. أي قبل أن يوقع البجا اتفاقا مع حكومة السودان ( أتفاق يتم بعد منبر تفاوضي ويقوم على الحكم الاقليمي الذاتي – وفق قرارات مؤتمر سنكات المصيري) وحذر من ذلك، وقال كل من يقبل ذلك المنصب هو خائن للقضية حتى لو كنت أنا .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.