كتبت هذا المقال حينما كان الأستاذ والمبدع الكبير عبد الكريم الكابلي لا يزال بيننا ومقيماً بالولايات المتحدة الأمريكية، وقد اتصل بي مبدياً إعجابه بالمقال، وكذلك فعل الأستاذ عمر الجزلي. عبد الكريم الكابلي الذي سعدت ببهجة التعرف عليه والحوار معه سنوات عديدة في حياته، لا يزال ملء السمع والبصر بما تركه من إرث وإبداع لا يمحوه الزمن.
كابلي؛ إن تكن أنت بعيداً فحب الناس لك يرتاد الثريا
زاخر بالكرم والعطاء كاسمه عبد الكريم، أعطى بلاده بعملة لا تصدأ وتزداد قيمة مع الزمن اسمها الإبداع، ولم يسأل عنها مقابلاً، ويكفيه إنه رمز من رموزها ونجم ساطع من أنجمها. كرس حياته في محراب الفن، ونشر درره الغوال على مر الأيام والسنوات والعقود. غنى للحب والجمال والناس والمدن القريبة والبعيدة من مروي إلى “باندونق” ولـ“كينياتا” و”ناصر” وغنى للأعياد وللنساء، وبشّر في “فتاة الغد” التي غناها لمناصرة تقدم المرأة وتحرير النساء، ونحو (سودان جديد) قبل أن يصبح شعار (السودان الجديد) ماركة سياسية مسجلة بسنوات طويلة.
في انتباهاته العديدة انتبه للتراث، وأغاني الحماسة والشجاعة والكرم والمروءة والنجدة والمعاني الإنسانية التي لا تشيخ ولا تموت. غنى أغاني السيرة، والدلوكة، والدليب، وألمّ بإيقاعات السودان وموسيقاه، وغنى لديوان النعيم ودحمد الأصَلوا ما بنسد، و”للجنزير في النجوم عقد الهيكل المنظوم ما بخاف، وإنت يا فرنيب جازم ما تجيب العيب، وإنت للضرس عرديب، ما ترا الجنزير سمح وخايل، والجنزير شرابه سموم”. وأجاد بالفصحى، وكان “عصيّ الدمع” مع أبي فراس الحمداني، و“ليلة المولد سرّ كل الليالي” مع محمد المهدي المجذوب، وأبحر مع “جندول” علي محمود. وأبدع بالدراجي، وغنى “سعاد” لعمر الطيب الدوش الممتلئ بالود، وتفاعل مع نهوض الطبقة الوسطى التي انضم لها في مروي، وغنى لرموزها من أطباء ومعلمين ومهندسين وضباط، حينما كانت الطبقة الوسطى قلب الاستنارة النابض في ستينات وسبعينات القرن الماضي، قبل أن ترحل ماسوفا على شبابها وتفسح الطريق للطفيلين من كل شاكلة ولون، وتخلف حنيناً وأسى وفراغاً واهتزازاً في المدن. ومؤخراً انتشرت في وسائط التواصل الاجتماعي إحدى إبداعاته من الأغاني الشعبية عن (مدير الري)، قبل أن تجف القنوات ويفقد الري ومديره قيمتهما، وقبل أن تجدب أرضنا الطيبة في أزمنة القحط وأعوام الرمادة:
(الضباط قاموا شبلوا زماموا،
مدير الري المضت أيامو،
الضباط قاموا عدلوا زمامو)
(أنا الجنيت طريت معشوقي،
أبقى قمرية في ديارهم أقوقي)
(يا زمّالة بموت بنارها،
طرينا القومة ونسينا النومة،
وللديوان أب علامتن دومة).
في عيدنا الأخير امتلأت عيوننا وفاضت بالأحزان في خطوط الطول والعرض في كامل بلادنا. أتى العيد ولم يكن بموقد الفقراء نار، ولم يمر على بيوتهم التي نهشها الجوع الخليفة العادل عمر بن الخطاب حتى يحمل إلى قدر امرأة ضربها العوز وهي تصدر أصواتاً فارغة من قدرها حتى ينام أطفالها، حينما حمل عمر بن الخطاب ما يقيم أودهم، بل وشاركها في طبخ الطعام، وحين أقام العدل نام قرير العين هانئها حتى صباح أبو لؤلؤة المجوسي الذي أخطأ عنوان جريمته، ولا يزال الفاروق يردد: “لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لأخذت فضول أموال الأغنياء وقسمتها على الفقراء”، وهو يبصر بأوسع من إنسان العين مرمى، يرى ما خلف الجبل (يا سارية الجبل).
من قبل أمضيت ما يقارب 50 عيداً بعيداً عن الأسرة والأهل والجيران والأصدقاء وأصوات الناس الذين نحبهم، ولكني لم أحزن بقدر ما حزنت في عيدنا الأخير. لم تفارقني صور أطفال المناصير الفقراء من قرية “كبنة” التي من هول الحياة مات أهلها على قيد الحياة في عبارة سديدة للراحل نجيب سرور. أطفال المناصير لم يبتلعهم النيل، بل ابتلعهم الفقر والضياع والإهمال، وهم هدية عجز الحاكمين إلى مياه النيل، ولو تحدث النيل لغضب وما قبل الهدية، فهو سليل الفراديس ونهر مقدس رسم قوس صلاحه على جبل البركل ولا يعرف الخيانة، والرد لم يكن بالسد بل بأطفال المناصير.
قبل أن يبتلع النيل الأطفال، ابتلعت الإنقاذ أراضي وقرى أهلهم في مشاريع هلامية لم تنتج زرعاً أو تسمن ضرعاً أو كهرباء، في أراضٍ صالحة من علامات صلاحها حاج الماحي في الكاسينجر. إيها إخوتي الصغار الميتون، كم رجوت النيل أن يحنو عليكم والتراب وتعودوا إلى الحياة ونغني دون ذنب أو عتاب. طال صمتنا منذ حروب الجنوب والدم المسفوح في سبتمبر على شوارع في ضباب الانتظار.
عشية يوم عيدنا الأخير (يوم الوقفة)، وفي محطة القطارات بلندن، استقبلني الصديق علي عسكوري، وهو من يستحق العزاء في الأطفال الراحلين من على ظهر مركبهم العتيق، تاركين ذكريات الطفولة وأماني المستقبل في قاع النهر الذي كم جاد بالعطاء لسكانه منذ أيام تهارقا، فقد ظل كريماً حتى أتى حكام بداية الألفية الثالثة في مفارقة لن يستطيع المؤرخ أن يجد لها منطقاً وتفسيراً.
تحدثنا وعلي عسكوري عن برنامج العيد، وتلقيت بعض الرسائل من الأصدقاء، ووجدت أنني للمرة الأولى لم تكن لي رغبة لزيارة أحد، وقررت أن أمضي صباح العيد وحيداً. فاتصلت باكراً ذاك الصباح بالأسرة والأهل والأصدقاء مهنئاً لهم، وأرسلت رسائل لعدد كبير من أصدقائي وتلقيت أخريات، وجلست متأملاً ما مضى وما سيأتي في مدن لا تحفل بأعيادنا ومليئة بالأحزان مثل الوجبات السريعة تلاحق أهلها صباحاً ومساءً، وآخرين منهم ينثرون الفرح. وأرسلت رسالة عزاء مكتوبة لأهلنا المناصير صبيحة يوم العيد، ومضى العيد و“الأشعريون” يوزعون صورهم في وسائط التواصل الاجتماعي في مباهاة وإذلال في شكل عيدية!
عشية العيد وصباحه طافت بخاطري صور الأستاذ
عبد الكريم الكابلي وهو يمضي عيده على بعد آلاف الأميال من وطنه الذي أحبه وغنى له، وأجد نفسي أحد الممتنين لما أتحفنا به من إبداع وسماوات شاهقات. وقد أتاح لي الحظ لقائه في أكثر من مناسبة والاستماع إليه في مناسبات متفرقة، واستعدت أحاديث وصوراً تم نشرها له مؤخراً في الولايات المتحدة الأمريكية وبعضها في ميادين عامة. ورغم أن غالبية السودانيين في أمريكا احتفوا به وأظهروا محبتهم وتقديرهم له، لكن قلة من المتطفلين لم يراعوا خصوصيته وخصوصية أسرته. وقد استمعت لأحد ردوده عن عائد مناسبة أقيمت له، وكان شفيفاً عفيفاً في توضيحه للحقائق، وشعرت بالغضب من سلوك بعض الذين لا يشعرون بوخز الضمير.
الكابلي إنسان رفيع المقام ووطني من معدن نفيس يستحق منا الاهتمام والامتنان والتكريم، وإن لم يسعده البعض بفعلهم فليسعدوه بقولهم، وإن لم نكرم أمثاله فمن نكرم؟
بلادنا اليوم طاردة لأمثاله، لم توفر له الرعاية والعناية التي يستحق، ولكن بنات وأبناء وطننا في غالبيتهم يضعونه في حدقات العيون، وسيصله دفء البلاد وهو على بعد آلاف الأميال. وهو إنسان امتلك بضاعة لو أراد بيعها في مزادات النفاق لعادت عليه بثروات مادية طائلة، ولكنه لم يغنِّ لقهر الشعب، وسار في طرق أوصلته لضفاف الشعب، فتمسك بالإبداع والوطنية على طريقته الخاصة، وهو مبدع فرد يشكل أغلبية، وقد ظل يبث الليل أسرار الهوى ويصوغ الصبح ذوقاً بابلياً.
عبد الكريم الكابلي متحدث لبق ذو صوت مترع بالدفء والإبداع، ويجيد الحديث بالعربية والإنجليزية، واستخدم مواهبه لنشر الثقافة السودانية في حله وترحاله، وكان وفياً لبلاده ولزملائه الكبار ومن سبقه من مبدعين، وجسد ذلك مليئاً حينما أعاد التغني بأغاني أستاذه القامة السامقة حسن عطية (أبو علي)، وأعاده إلى آذان الشباب وصخب الحياة.
نحن نحتاج لإعادة نظر في اهتمامنا بكثير من المبدعين والعلماء والوطنيين الكبار بعد أن ترجلت الدولة عن مهامها وأفسحت مكانها للصوص، وعلينا أن ننظر في كيفية القيام بعمل شعبي للاهتمام والعناية بهم وقت حاجتهم الماسة، فإن بعض الصور التي ظهرت في السنوات الأخيرة عن مبدعين في مختلف ضروب الحياة تشكل إدانة للضمير الوطني. وكثيرون ممن استحقوا الاهتمام لم يجدوه، ومن ضمنها صورة البروفيسور محمد هاشم عوض في أيامه الأخيرة، وحمدي بدري الدين، وعبد الدافع عثمان، وعز الدين عثمان، ممن كانت لهم مساهمات ثرة في مختلف المواقع. ولقد كانت صورة كابتن المحينة أول كابتن للفريق القومي صادمة لكل ذي ضمير حي.
انتهى العيد، ومن وحي أحزانه أتت هذه الخاطرة، ولأطفال السودان أقول إن أعيادنا القادمة ستكون حبلى بالجديد وبالماء النقي وبالدواء وبالحليب، وإن النيل سيحنو علينا جميعاً ورداً وزهراً وكهرباء وحقولاً وقمحاً. ومن على البعد أرسل باقة من أزهار الحب والمودة والتقدير والأماني الطيبات لأستاذنا عبد الكريم.
وأقول له: إن تكن أنت بعيداً فحب الناس لك يرتاد الثريا
لندن أغسطس ٢٠١٨