Fajr Press

أرض الصومال: ساحل الاستقرار في بحر الفوضى

كتب - إبراهيم الميرغني

مما لا شك فيه ان الإستقلال الحقيقي يولد من داخل النفوس لا من قرارات المكاتب البعيدة ، وان الوحدة التي لا تعترف بان حرية الانسان هي كرامته والعدالة حقه ومساواته انسانيته هي مجرد خيال جماعة تريد ان ترى الجميع مرآة لها تعكس صورتها وترتدي قناعها .

أرض الصومال أو صوماليلاند كما يُحب اهلها تسميتها هي المنطقة الشمالية الغربية من شبه الجزيرة الصومالية تاريخها يختلف عن بقية الصومال فقد كانت مستعمرة بريطانية حصلت على استقلالها في 26 يونيو 1960 باسم “دولة أرض الصومال”، واعترفت بها آنذاك 35 دولة بما فيها الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن لكن بعد خمسة أيام فقط اختارت الاتحاد طوعاً مع الصومال الإيطالي ليكونا معاً الجمهورية الصومالية التي سرعان ما برزت تناقضاتها الثقافية والادارية العميقة كنتيجة طبيعية للفرق بين الاستعمارين الايطالي والبريطاني .

عندما انهار نظام محمد سياد بري عام 1991 انزلقت معظم الأقاليم الصومالية في حرب أهلية طويلة أدت إلى فراغ في السلطة وصراعات عشائرية ومجاعات ثم سيطرة حركة الشباب المتطرفة على مناطق واسعة لتفرض حكما إرهابياً قاسياً . في المقابل سلكت أرض الصومال مساراً مختلفاً تماماً ففي مايو 1991 أعلنت استعادة استقلالها ضمن حدودها الاستعمارية البريطانية السابقة وأسست نظاماً سياسياً هجيناً يجمع بين الديمقراطية الحديثة الهياكل العشائرية التقليدية.

ما يستحق الإعجاب حقاً أنها حققت هذا الإنجاز بجهودها الذاتية عقدت مؤتمرات مصالحة محلية بتمويل من المهاجرين والتحويلات المالية دون تدخل خارجي كبير دمجت الميليشيات في جيش وطني ومهني لا تستخدمه لقمع مواطنيها وأعادت بناء مدن مثل هرجيسا بعد ان كانت ركاماً. أجرت انتخابات متعددة حرة ونزيهة بحضور مراقبين دوليين. واليوم تمتلك عملتها الخاصة (ورقية ورقمية)، وجواز سفر وبرلمان وقوات شرطة فعالة و42 جامعة و 21 مطاراً وثلاثة موانئ و 6 شركات اتصالات تقدم خدمات الهاتف المحمول والانترنت والتحويلات المالية تغطي 95% من مساحتها وبنك مركزي بقاعدة بيانات وخدمات الكترونية واقتصاداً ينمو تدريجياً يعتمد على ميناء بربرة الاستراتيجي على خليج عدن وتصدير الماشية، وبداية استغلال الثروات المعدنية ليصل نصيب الفرد من الناتج المحلي الاجمالي الى 900-1361 دولار لتتفوق على اكبر الدول الافريقية ومعظم الدول العربية .

عندما نقارن هذا الاستقرار بالوضع في بقية الصومال رغم كل التدخلات الدولية الواسعة، يتضح أن هناك حكمة حقيقية وإرادة شعبية قوية دفعتهم لأخذ مصيرهم بأيديهم.
ثم جاء الحدث الأهم في 26 ديسمبر 2025 أصبحت إسرائيل أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف رسمياً بأرض الصومال كدولة مستقلة ذات سيادة ( مرة أخرى )هذه الخطوة الفارقة بعد 34 عاماً من الاستقلال الفعلي فتحت أبواب التعاون الاقتصادي والتكنولوجي على مصراعيها.
و كما كان متوقعاً رفضت الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي والحكومة الصومالية هذا الاعتراف، معتبرين إياه انتهاكاً لسيادة الصومال ومساساً بوحدة أراضيه. الموقف مفهوم من منظور المبادئ الكلاسيكية في العلاقات الدولية لكنه لم يقترن بحلول عملية للفوضى المستمرة منذ عقود ولم ينظر للاسباب وانما للنتائج الموضوعية التي دفعت شعب ارض الصومال لكي يمضي في هذا الطريق الذي اختاره لنفسه.

أرى شخصياً أن قصة أرض الصومال ليست مجرد نجاح محلي ، بل درس عميق لكل الشعوب التي تسعى لبناء مستقبلها وسط الدمار من شعب اختار الاعتماد على نفسه، وأجرى مصالحات داخلية، وبنى مؤسسات فعالة، وأثبت أن الحرية والتنمية ممكنان معاً عندما توجد إرادة جماعية صادقة فليس من الضروري دائماً انتظار موافقة الآخرين للبدء في العيش بكرامة وحرية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.