تكشف زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى تركيا، أكثر مما تخفي، عن مأزق الرؤية لدى القيادة العسكرية في إدارة الحرب والدولة معًا. فهي زيارة لا تحمل جديدا في مسار إنهاء الصراع، بقدر ما تعكس إصرارا على تدوير الأزمة نفسها، عبر البحث عن سند خارجي يبرر استمرار خيار ثبت عجزه عن تحقيق أي حسم.
المشكلة لا تكمن في الزيارة ذاتها، بل في العقلية التي تقف خلفها. القيادة العسكرية ما زالت تتعامل مع الحرب بوصفها مسألة وقت ودعم سياسي، لا مسألة رؤية وطنية شاملة. كل جولة خارجية تقدم للرأي العام كانجاز دبلوماسي، بينما الواقع على الأرض يقول إن الدولة تتآكل، والمجتمع ينهار، والجيش نفسه يدفع ثمن حرب بلا أفق واضح.
من أنقرة، لم يسمع السودانيون حديثا عن حماية المدنيين، ولا عن مسؤولية الدولة تجاه ملايين النازحين، ولا عن خريطة طريق سياسية تعيد الحد الأدنى من التماسك الوطني. سمعوا فقط إعادة إنتاج خطاب الحسم، كأن عامين من القتال لم يكونا كافيين لإثبات أن هذه الحرب أعقد من أن تحسم بالبندقية، وأكبر من أن تدار بعقلية المؤسسة المغلقة.
القيادة العسكرية، بدل أن تفتح الباب لمراجعة شجاعة لمسار الحرب، اختارت أن تستقوي بالاعتراف الخارجي، وأن تقرأ الاستقبالات الرسمية بوصفها تفويضا لمواصلة القتال. هذا خلط خطير بين الدعم السياسي المؤقت والمصلحة الوطنية الدائمة. العواصم لا تدفع ثمن الدم السوداني، ولا تتحمل كلفة انهيار الدولة، مهما بدت داعمة في لحظة ما.
الأخطر أن هذه التحركات تعمق عزل القيادة عن واقع المجتمع. فكلما ارتفع سقف الخطاب العسكري، ضاقت المساحة أمام السياسة، وتآكل فرص الحل، وتحول الجيش من مؤسسة يفترض أن تحمي الدولة إلى طرف يختزلها في معركة واحدة. في هذا الطريق، لا منتصر حقيقي، حتى لو تغيرت خرائط السيطرة.
زيارة البرهان إلى تركيا لم تكن خطأ دبلوماسيا، لكنها تكشف خطاء أكبر في التفكير. فالحرب لا تدار بالصور التذكارية ولا بالبيانات المشتركة، والدولة لا تدأر عبر محاور إقليمية متقلبة. ما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيدا من الرحلات الخارجية، بل قيادة تعترف بأن استمرار الحرب فشل، وأن أول شروط إنقاذ الدولة هو الخروج من منطق السلاح إلى منطق السياسة، مهما كان ذلك صعبا ومؤلما.