«إذا لم يكنْ من الموتِ بُدٌّ
فمن العجزِ أن تموتَ جبانَا»
— المتنبي
غابرييل غارسيا ماركيز – «مئة عام من العزلة»
كان أهل ماكوندو يشعرون بأن كارثة ما تقترب، قبل أن يعرفوا لها اسمًا.
في الأزمنة التي يسبق فيها الإحساسُ الحدث، لا يكون الرحيل هروبًا، بل حكمة جماعية. فالناس لا تنتظر الحرب حتى تراها بعينها، بل تلتقط ارتجافها في الهواء، في صمت القرى، وفي حدسٍ يعرف متى تتحوّل البطولة الزائفة إلى خيانة للحياة.
بعد خروج المدنيين من كادقلي والدلنج بنسبٍ كبيرة، لم يكن المشهد تعبيرًا عن خوف، بل عن وعيٍ أخلاقي عميق بتجنيب الأرواح حربًا لا تخصّهم. انسحب الناس لأنهم أدركوا أن الإنسان أسبق من الأرض، وأن البقاء وسط طاحونة العبث ليس شجاعة، بل انتحارًا مجانيًا.
وفي السياق ذاته، جاء موقف القيادي من شرق السودان إبراهيم دنيا ليؤكد هذا الوعي نفسه: رفضٌ واضح لتحويل أهله إلى وقود حرب تخدم قوى المركز، ورفضٌ قاطع لاستغلال الشرق لصالح البرهان ومشروعه. قالها بوضوح: أهل الشرق، الذين ظلوا محرومين لعقود من السلطة والثروة، لن يحملوا حربًا لا تمثلهم، ولن يكونوا جسراً لعبور المركز.
وهنا تظهر المفارقة البنيوية بالأرقام، لا بالشعارات. شرق السودان، الذي يمثّل قرابة 8 إلى 10 في المئة من سكان البلاد، لم تتجاوز حصته التاريخية في السلطة السيادية واحدًا إلى اثنين في المئة. لا وزارات سيادية، لا قرار اقتصادي، ولا نفاذ حقيقي إلى مراكز القوة، رغم أن الشرق يحتضن الميناء الوحيد المتبقي للدولة، ورئتها الاقتصادية والسياسية.
في المقابل، تتركز السلطة والثروة في إقليم نهر النيل والمركز النيلي، الذي لا تزيد نسبته السكانية عن 5 إلى 6 في المئة، لكنه يهيمن على ما يقارب 65 إلى 70 في المئة من مفاصل السلطة السيادية: قيادة الجيش، الأجهزة الأمنية، المالية، القرار السياسي، والمفاوضات الخارجية. هذا ليس خللًا عابرًا، بل معادلة ثابتة: أقلية سكانية تحتكر الدولة، وأغلبية مهمشة تُستخدم عند الحاجة.
عبد الفتاح البرهان اليوم لا يملك ورقة تفاوض حقيقية مع العالم — روسيا، تركيا، السعودية، الإمارات — سوى ميناء بورتسودان. هذا الميناء تحوّل إلى «الحوت» الوحيد في سوق المساومات الدولية، بينما أهله، في شرق السودان، يعيشون الجوع الممنهج، وانعدام التنمية، وغياب الدولة. جغرافيا تُستثمر، وإنسان يُقصى.
إنسان الشرق، في حسابات البرهان ومجموعته، لا يُرى كمواطن كامل الحقوق، بل كاسم جغرافي يصلح للتفاوض، لا للتمثيل. يُساوَم بالميناء، ولا يُستشار في القرار. يُستخدم موقعه، ولا تُحترم حياته. هذه هي خلاصة التهميش البنيوي حين يُقاس بالأرقام.
هذا الوعي هو ما جعل أهل الشرق يرفضون نقل الحرب إليهم، كما رفضها أهل كادقلي والدلنج. وفي المقابل، يفضح هذا الواقع أداء نخبٍ أخرى لم تتردد في نقل المعركة إلى أهلها، وجعلت أبناءها وقودًا لحرب المركز، فكانت الهزيمة مضاعفة: عسكرية وإنسانية.
البرهان لا يفاوض من أجل السودان، بل يفاوض على السودان. يساوم على البلاد مقابل بقائه الشخصي في السلطة، مستلهمًا نموذج الحكم المطلق، لا الدولة العادلة. وهو يفعل ذلك باسم الشرق، الإقليم الذي لم يُمثَّل يومًا، ولم يُستشار يومًا، وظل محرومًا من السلطة والاعتراف بإنسانيته منذ تأسيس الدولة السودانية الحديثة.
هذه ليست أزمة أقاليم، بل أزمة دولة مركزية ترى الإنسان أداة، والجغرافيا سلعة، والحرب وسيلة لإعادة إنتاج السلطة. وما لم تُكسر هذه المعادلة، سيظل السودان يُدار بمنطق:
5 في المئة تحكم… والبقية تدفع الثمن.