تواجد الفيلق الأفريقي في إفريقيا الوسطى .. هل سيقود إلى إضطراب الأوضاع الأمنية في دارفور؟
كتب - عبدالرحمن العاجب
في قلب أفريقيا الوسطى، حيث تتقاطع التحديات الأمنية مع هشاشة البنية السياسية والاقتصادية، يظهر الفيلق الأفريقي التابع للجيش الروسي كتهديد يتجاوز حدود الجغرافيا ليطال إستقرار دول الجوار، وعلى رأسها السودان، وتحديداً إقليم دارفور، ويبرز هذا الفيلق كقوة غير تقليدية تسعى لفرض نفوذها في المنطقة، مما يهدد توازن القوى في واحدة من أكثر المناطق هشاشة في القارة، فما بين التدخلات العسكرية المباشرة، وتعزيز الجماعات المسلحة، وإغراق المنطقة بالأسلحة والموارد المدمرة، يُشكّل الفيلق الأفريقي عنصراً معقداً في معادلة الأمن الإقليمي، ويُثير تساؤلات حول دوره في تأجيج الصراعات القائمة.
إن تأثير هذا الفيلق، الذي يمتلك خبرة في تكتيكات الحرب غير التقليدية، لا يقتصر على توجيه العمليات العسكرية، بل يمتد إلى نشر الفوضى السياسية، ودعم الأنظمة المتهاوية، وخلق بيئة خصبة للتطرف والعنف. وفي ظل هذه الصورة، يصبح تأثير الفيلق على أمن واستقرار إقليم دارفور أكثر من مجرد تهديد مباشر؛ إذ يتداخل مع تاريخ طويل من الصراعات العرقية والسياسية التي ما زالت تقوض آمال السلام والتنمية في المنطقة.
من خلال هذا التقرير، سنسلط الضوء على هذا الفيلق الروسي وتداعياته على الأمن في إقليم دارفور، وفهم الروابط المعقدة بين العمليات العسكرية في أفريقيا الوسطى، وتداعياتها المحتملة على إحدى أكثر المناطق التي تعاني من عدم الاستقرار في السودان، وفي السياق إتهم مسؤول في قوات الدعم السريع جهات أمنية في بورتسودان بالتعاون مع عناصر مرتبطة بمجموعة فاغنر الروسية لتنفيذ تحركات عسكرية في مناطق غرب السودان قرب الحدود مع جمهورية أفريقيا الوسطى، وجاءت الاتهامات بعد تقارير نقلتها وكالة الأنباء الألمانية عن مصادر محلية تحدثت عن دخول قوة روسية إلى بلدة “كركر” الواقعة جنوب محلية أم دافوق بنحو 55 كيلومتراً في ولاية جنوب دارفور.
وفي ذات المنحى قال الباشا طبيق، مستشار قائد قوات الدعم السريع، لموقع “سكاي نيوز عربية” إن القوة التي دخلت المنطقة تعمل ضمن مجموعة فاغنر، مضيفاً أنها تتحرك، وفق قوله، بتنسيق مع مسؤولين في المخابرات العامة والاستخبارات العسكرية في السودان، وأوضح طبيق أن القوة المتوغلة أزاحت عناصر الشرطة والموظفين الإداريين التابعين لقوات الدعم السريع من “كركر” ما أدى إلى تغيير الترتيبات الأمنية التي كانت قائمة بين قوات الدعم السريع وجهات محلية في أفريقيا الوسطى.
وأضاف طبيق أن حوادث مماثلة وقعت في السابق، مشيراً إلى أن هذه القوات دخلت الأراضي السودانية في مرات سابقة واحتكت بمجموعات محلية، وهو ما دفع رئيس وزراء حكومة السلام والوحدة التابعة لتحالف السودان التأسيسي إلى إصدار بيان أدان فيه تلك الانتهاكات، وأشار طبيق إلى أن وجود هذه القوات في المناطق الحدودية يرتبط، بحسب تقديره، بالسعي للسيطرة على مناجم الذهب والموارد الطبيعية في المنطقة، مؤكداً أن دوافعها تتجاوز الاعتبارات الأمنية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المناطق الحدودية بين السودان وأفريقيا الوسطى توتراً متزايداً وتداخلات عسكرية متعددة، ما يثير مخاوف من تداعيات أمنية وسياسية على إقليم دارفور والمناطق المجاورة، وتفيد متابعات صحيفة “فجر برس” بتمركز قوات روسية في مواقع داخل جمهورية أفريقيا الوسطى قرب الحدود السودانية، وتعد مدينة “بيراو” في شمال شرق أفريقيا الوسطى نقطة رئيسية لهذا الوجود.
وتعتبر إفريقيا الوسطى أحد النقاط الساخنة في القارة الإفريقية، حيث تتعدد الأزمات السياسية والإنسانية في ظل غياب الأمن والاستقرار، وفي هذا السياق، بات تواجد الفيلق الأفريقي التابع للجيش الروسي في الدولة مصدر قلق كبير على الأمن الإقليمي، خاصة في المناطق المجاورة مثل إقليم دارفور غرب السودان، في هذا التقرير، سنقوم بتحليل أسباب تواجد هذا الفيلق في إفريقيا الوسطى، ودوافع روسيا من وراء ذلك، وتأثيره على الوضع الأمني في دارفور، وكذلك التوترات الأخيرة بين السودان وإفريقيا الوسطى، وسيتم النظر في احتمالية تدخل الفيلق في النزاع الداخلي السوداني، وتأثير ذلك على المنطقة.
وتفيد متابعات صحيفة “فجر برس” إلى أن الفيلق الأفريقي التابع للجيش الروسي هو وحدة عسكرية خاصة، تم إرسالها إلى إفريقيا الوسطى في عام 2018، تحت غطاء تقديم الدعم الحكومي لمكافحة الجماعات المسلحة والمتمردين الذين كانوا يعيثون فسادًا في البلاد، ولكن وراء هذا الدعم الظاهر، تكمن دوافع استراتيجية وعسكرية واقتصادية لروسيا، ومن الناحية العسكرية، تسعى روسيا إلى تعزيز وجودها العسكري في القارة الإفريقية من خلال مراكز تدريب عسكرية ومناطق انتشار للقوات الخاصة، كما أن روسيا تعمل على تقوية علاقاتها مع الحكومات المحلية في الدول التي تشهد صراعات، وهو ما يتيح لها استغلال الموارد الطبيعية الثمينة التي تملكها هذه الدول، خاصة في قطاع المعادن والذهب، ومن الناحية الاقتصادية، فإن إفريقيا الوسطى تشكل بوابة لروسيا للاستثمار في الموارد الطبيعية مثل الذهب والماس، إذ تسعى موسكو للحصول على عقود استثمارية طويلة الأمد في هذه القطاعات، والتي من الممكن أن تسهم بشكل كبير في دعم اقتصادها.
ومنذ تواجد الفيلق الروسي في إفريقيا الوسطى، استفادت موسكو بشكل واضح من تعزيز علاقاتها العسكرية والاقتصادية مع الحكومة المركزية في العاصمة “بانغي” حيث قدم الفيلق الأفريقي دعمًا حيويًا للرئيس “فوستين – أركانج تواديرا” في مواجهة المتمردين والمليشيات المسلحة التي كانت تهدد استقرار البلاد. بالإضافة إلى الدعم العسكري، وتمكنت روسيا من توقيع اتفاقيات أسلحة وصفقات تجارية مربحة، خصوصًا في مجالي المعادن والموارد الطبيعية، فيما تحاول موسكو أيضًا استغلال هذه العلاقة لتعزيز نفوذها في إفريقيا بشكل عام، حيث شكلت إفريقيا الوسطى نقطة انطلاق لاستثمارات روسيا في القارة الإفريقية على الرغم من ضعف القاعدة الاقتصادية المحلية.
ويبدو واضحاً أن تأثير الفيلق الأفريقي في إفريقيا الوسطى على الوضع الأمني في إقليم دارفور بغرب السودان سيكون كبيراً، وبالتالي يجب الأخذ في الاعتبار العلاقات الجغرافية والقبلية بين سكان المنطقة في كلا البلدين، وتشير متابعات “فجر برس” إلى أنه في السنوات الأخيرة نشأت بعض التوترات على الحدود بين السودان وإفريقيا الوسطى، والتي كانت نتيجة لتزايد عمليات تهريب الأسلحة والتعاون بين جماعات مسلحة من الجانبين.
وبحسب المتابعات فأن العديد من الجماعات المسلحة في دارفور تتخذ من المناطق الحدودية مع إفريقيا الوسطى ملاذًا آمنًا لها، حيث تستخدم هذه المناطق كطرق لتوريد الأسلحة والموارد من خلال الحدود غير المراقبة. وهذا يخلق بيئة خصبة لزيادة الأنشطة الإرهابية والجماعات المتمردة، مما يؤدي إلى تدهور الأوضاع الأمنية في إقليم دارفور، وبذلك يمكن القول إن تواجد الفيلق الأفريقي في إفريقيا الوسطى قد يسهم في تعزيز دور بعض الجماعات المسلحة في دارفور، إذ توفر لهم وسائل الدعم العسكري والتسليح، ما يجعل الوضع الأمني أكثر هشاشة في الإقليم.
وشهدت الحدود السودانية – الإفريقية الوسطى في الفترة الأخيرة توترات على خلفية عمليات تهريب الأسلحة من إفريقيا الوسطى إلى بعض الجماعات المسلحة في دارفور، وظهرت تقارير تحدثت وجود عن تعاون غير رسمي بين بعض الجماعات المسلحة في كلا البلدين، مما أدى إلى تصاعد التوترات في المنطقة، وفي السياق عبرت حكومة الوحدة والسلام عن قلقها من تزايد النفوذ العسكري الروسي في دولة أفريقيا الوسطى، خاصة في وقت تشهد فيه البلاد تحولات كبيرة على صعيد الصراع الداخلي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، فيما ظهرت بعض التسريبات حول أن هناك محاولات لتوسيع التعاون بين الفيلق الروسي وحكومة الأمر الواقع في مدينة بورتسودان، وهو ما قد يغير موازين القوى في المنطقة.
ومع استمرار الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، يثار التساؤل حول إمكانية تدخل الفيلق الأفريقي الروسي في هذا النزاع، وفي هذا السياق يشير البعض إلى أن روسيا قد تقدم دعمًا عسكريًا لحكومة الأمر الواقع ببورتسودان في حال تطلبت الظروف ذلك، خاصة في حال تطور النزاع إلى حرب شاملة قد تهدد مصالحها في المنطقة، ومع تصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية في السودان، يمكن أن تكون روسيا في موقف يسمح لها بتوسيع نفوذها في المنطقة، إما من خلال تقديم دعم عسكري مباشر أو من خلال تقديم استشارات لوجستية واستخباراتية للجيش السوداني.
ومن المتوقع أن تظل الأوضاع الأمنية في إقليم دارفور وإفريقيا الوسطى محفوفة بالمخاطر في المستقبل القريب. مع تزايد نفوذ الفيلق الأفريقي الروسي في إفريقيا الوسطى، وقد تتسع دائرة العنف في المناطق الحدودية بين السودان وإفريقيا الوسطى، كما أن هناك مخاوف من أن يؤدي هذا التواجد العسكري إلى زيادة تعقيد الأزمة السودانية، لكن مع ذلك، يمكن أن تكون هناك فرصة لتحقيق الاستقرار في المنطقة إذا تم التوجه نحو حلول سلمية عبر الحوار والتعاون الإقليمي، بما في ذلك تعزيز التنسيق بين الحكومات المحلية في غرب السودان وإفريقيا الوسطى، وكذلك التنسيق مع القوى الدولية ذات الاهتمام المشترك في استقرار المنطقة.
ولتقليل التأثيرات السلبية على إقليم دارفور طالب بعض المهتمين بتعزيز التعاون الأمني الإقليمي ومطالبة الدول المعنية في المنطقة بتكثيف التعاون في مراقبة الحدود ومنع تهريب الأسلحة والموارد عبر الحدود بين السودان وإفريقيا الوسطى وأن يشمل ذلك دعم قوات حفظ السلام وفرق المراقبة على الحدود، إضافة إلى تحفيز الحوار بين الأطراف المتنازعة، والعمل على تعزيز الحوار بين حكومة بورتسودان وقوات الدعم السريع، بالإضافة إلى إشراك المجتمع الدولي لضمان الوصول إلى اتفاقات سلمية قائمة على التسوية السياسية.
فيما طالب أخرون بضرورة الاستثمار في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز التنمية الاقتصادية في إقليم دارفور وإفريقيا الوسطى كي تكون جزءًا من الحلول طويلة المدى، وطالب البعض المجتمع الدولي بدعم المشاريع التنموية التي تستهدف خلق فرص عمل وتقديم خدمات أساسية للمواطنين في المناطق المتضررة، فيما توقع بعض المهتمين أن تلعب الأمم المتحدة دوراً مهمًا في تسهيل محادثات السلام وفرض رقابة على اتفاقات وقف إطلاق النار بين الأطراف المختلفة.
وما بين هذا وذاك يبقى تواجد الفيلق الأفريقي التابع للجيش الروسي في إفريقيا الوسطى قضية معقدة من حيث تأثيراتها الأمنية على إقليم دارفور والسودان بشكل عام. في حين أن هناك مصالح استراتيجية وعسكرية لروسيا في القارة، فإن وجودها قد يفاقم التوترات الأمنية في المنطقة إذا لم يتم اتخاذ خطوات جادة نحو تعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي، كما إن استقرار المنطقة يعتمد على التعاون الإقليمي، والالتزام بحلول سلمية وشاملة.