لم تكن استقالة الدكتور علي رباح، أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، أمس الأربعاء، إجراءً شكليًا يمكن تجاوزه، بل كانت جريمة مكتملة الأركان، وبلاغًا أخلاقيًا ضد سلطة قررت أن تجعل من التزوير أسلوب حكم، ومن الصمت شرط بقاء.
وما جرى في الجامعة ليس معزولًا عن سياق الانقلاب على الحكم المدني، إذ أصبحت الدولة تُدار بالحرب وتُحكم بعقلية العصابة!
لم يغادر الرجل منصبه هربًا من المسؤولية، بل انسحب لأن البقاء كان يعني التواطؤ. كان المطلوب منه تعطيل التحول الرقمي وفتح السجل الأكاديمي لطرف ثالث غير مشروع، أي تسليم مفاتيح السمعة العلمية لأعرق جامعة سودانية لمشروع تزوير منظم.
وهنا تصبح الاستقالة فعل مقاومة، لا انسحابًا، وفضح الجريمة واجبًا لا خيارًا.
الأخطر في القضية ليس مجرد تزوير شهادات، بل إعادة إنتاج الدولة العميقة بأكثر نسخها وقاحة. سلطة بورتسودان، الخاضعة لهيمنة الكيزان، هي سلطة مافيوية بامتياز: لا محاسبة، ولا مؤسسات محصنة، ولا احترام لمستقبل أجيال كاملة.
تزوير السجل الأكاديمي ليس شأناً داخليًا، بل تهديد مباشر للأمن القومي.
الاعتراف الدولي بالشهادات السودانية قائم على الثقة، وأي عبث ممنهج بها يفتح الباب لسحب هذا الاعتراف، بما يحمله من كوارث على الطلاب والخريجين، وعلى ما تبقى من سمعة التعليم العالي في السودان.
ما يحدث في جامعة الخرطوم مرآة مكبّرة لما آلت إليه الدولة: حرب في الميدان، وفساد في المؤسسات، وكيزان عادوا بثوب أكثر توحشًا.
إن استقالة الدكتور علي رباح ليست نهاية القصة، بل إنذار أخير: عندما يُزور الضمير الأكاديمي، يصبح الحديث عن وطن مجرد وهم!
إنهم الكيزان: إن عادوا نهبوا وفسدوا، وإن عجزوا عن العودة أحرقوا ما تبقّى وتركوا البلاد رمادًا.