Fajr Press

بنك المستقبل خطوة أولى: سياسة المناطق المقفولة وإعادة إنتاجها في السودان. 

كتب - إسماعيل يونس

مرّ عامٌ آخر منذ إعلان تحالف «تأسيس» عن نفسه كجسم سياسي، في سياق حالة انسداد تاريخية أصابت مشروع الدولة المركزية في السودان، بعد عقود طويلة من سياسات فاشلة ورثتها النخب الحاكمة عن المستعمر، وفي مقدمتها سياسة المناطق المقفولة.

سياسة استعمارية بواجهة وطنية:

انتهج الاستعمار البريطاني سياسة المناطق المقفولة بوصفها أداة لإخضاع شعوب المقاومة، حيث طُبّقت بشكل كامل في جنوب السودان، وبصورة جزئية في دارفور وكردفان.

لم يكن الهدف تنمية هذه المناطق أو دمجها في الدولة، بل تفكيك المقاومة من الداخل عبر صناعة نخب موالية، وتوظيفهم لقيادة مطالب تخدم المستعمر نفسه.

وبالفعل، نجحت هذه السياسة في إخضاع السودان بأكمله، ليس بالقوة العسكرية وحدها، بل عبر إضعاف البنية الاجتماعية للمقاومة، وخلق شبكة من المؤيدين والمخبرين.

وبعد إحكام السيطرة، لم يهتم المستعمر بربط هذه المناطق بالأسواق، أو إدماجها في نظم التعليم والصحة، بل اهتم فقط بتمكين الزعامات التي صنعها، ومنحها السلطة والمال وتعليم أبنائها.
استمرار العقل الاستعماري بعد الاستقلال:
المؤسف أن الحكومات السودانية بعد الاستقلال لم تتحرر من هذا النهج. فقد استمرت في إدارة الدولة بعقلية استعمارية، مدفوعة بإملاءات خارجية، لا سيما من مصر، التي لعبت دورًا مباشرًا في اقتراح السياسات القمعية ضد أي تمرد أو ثورة تطالب بتغيير جذري.
تجلّى ذلك في دعم الانقلابات، أو إجهاض مسارات التغيير، سواء بالقوة المباشرة كما حدث في فض الاعتصام، أو عبر اختراق الثورة من الداخل، من خلال أجسام وشخصيات دخلت باسم الثورة ثم انقلبت عليها، في إطار منظومة تهدف إلى الحفاظ على الهيمنة على السودان وموارده، بما في ذلك العلاقة البنيوية مع المؤسسة العسكرية.
سياسة المناطق المقفولة اليوم.. بأدوات جديدة:
كثير من السودانيين يمرّون على مصطلحات مثل سياسة المناطق المقفولة وفرّق تسد دون إدراك أنها لا تزال حاضرة وفاعلة في الواقع السياسي الحالي.
جوهر هذه السياسة هو:
تضييق اقتصادي وخدمي متعمّد، وعنف دولة مستمر ضد مناطق المقاومة، وصناعة وكلاء محليين لإدارة الصراع من الداخل.
وبعد حرب 15 أبريل، لجأت بقايا العقل المركزي إلى إعادة تطبيق هذه السياسة، عبر قطع مصالح ثلثي الشعب السوداني، على أمل أن تضغط الشعوب على قوى المقاومة للاستسلام لحلول تفرضها السلطة المركزية.
تمثّل ذلك في تبديل العملة وإغلاق البنوك وتعطيل الصحة والتعليم، وتهديد أي كادر يحاول تقديم خدمات في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع سابقًا، ثم قوات «تأسيس» لاحقًا
والهدف واحد: تجويع الشعوب لإخضاعها سياسيًا.
بنك المستقبل.. من كسر الحصار إلى بناء الثقة:
غير أن الواقع أظهر أن تحالف «تأسيس» يمتلك رؤية مغايرة، حتى وإن تقدّمت ببطء. ففكرة إنشاء بنك يؤدي وظيفة التبادل المالي بين الناس ليست مجرد إجراء اقتصادي، بل خطوة سياسية واجتماعية لبناء الثقة بين المجتمعات والسلطات القائمة.
في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، يعتمد الناس أساسًا على الزراعة بشقّيها الحيواني والنباتي، ولا يمكن لهذا النشاط أن يستمر دون نظام مالي وبنكي فعّال.
وتكمن الخطوة التالية في:
إنشاء بورصات للمنتجات الزراعية، وفتح منافذ للتصدير
والتواصل المباشر مع دول الجوار (جنوب السودان، تشاد، ليبيا)واستخدام موانئ بديلة عبر الكاميرون أو كينيا أو بنين
فالإنسان، في نهاية المطاف، لا يتخلى عن مصالحه.
التعليم.. معركة لا تقل عن السلاح:
كما أن تعيين وزير للتربية والتعليم يُعد خطوة محورية. فالحركة الشعبية تمتلك أصلًا نظامًا تعليميًا قائمًا في كاودا، مستمدًا من التجارب الكينية والأوغندية، ومماثلًا لما هو معمول به في جنوب السودان.
ويمكن تعميم هذا النموذج على المناطق التي أغلقتها الدولة المركزية من بورتسودان، إذا ما توفرت الإرادة، وتكاملت جهود القوى المدنية والفنية داخل تحالف «تأسيس».
إن بناء مستقبل مختلف لا يمر فقط عبر البندقية أو الخطاب السياسي، بل عبر الخدمات، والاقتصاد، والتعليم.
وإذا كانت الدولة المركزية لا تزال تراهن على سياسات الخداع والتجويع، فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على مصالح الشعوب وكرامتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.