سماء السودان المستباحة وتقاطعات المصالح المريبة بين “قاعدة العوينات” وإخوان السودان من خلال مسيّرات الخديوية
بقلم - نفيسة حجر
جاء تقرير صحيفة “نيويورك تايمز” الأخير حول قاعدة “شرق العوينات” المصرية السرية ليرفع القناع عن حجم التورط المصري المباشر في المحرقة السودانية، مكملاً فصولاً بدأت منذ اليوم الأول للحرب. فخلف ستار المشروعات الزراعية، تُدار اليوم حرب “الدرونز” العابرة للحدود، والتي تؤكد أن القاهرة لم تعد تكتفي بالدعم السياسي، بل باتت شريكاً ميدانياً في حربٍ استنزفت أرواح جنودها قبل أسلحتها، في استدعاء دموي لاشواق الخديوية القديمة.
إن هذه الأطماع التي بدأت مع محمد علي باشا عام 1820م، وتوسعت في عهد الخديوي إسماعيل، قد تطورت فاستبدلت “الخيالة” بطائرات الدرونز المسيّرة.
إن ما تراه القاهرة اليوم حماية لـ “أمنها القومي”، يراه السودانيون إصراراً على التعامل مع بلادهم كحديقة خلفية.
إن تواجد الطيران الحربي المصري في مطار “مروى يمثل “الخطيئة الأولى” التي فجرت الحرب “، هناك، حيث لقي ضباط وجنود مصريون حتفهم وتحطمت طائرات (MIG-29) لمصرية،حينها تبخرت ادعاءات الحياد وظهر الانحياز الكامل للجيش السوداني الذي بات يُدار في كثير من مفاصله وكأنه “كتيبة” تابعة للجيش المصري.
ومن الملاحظ ان هنالك تناقض صارخ يثير السخرية السياسية، فالسيسي الذي صعد إلى سدة السلطة بعد إطاحته بحكم الإخوان المسلمين في مصر عبر الانقلاب ، يجد نفسه اليوم الحليف الأقوى لـ “إخوان السودان”. فالحركة الإسلامية السودانية، التي تُعد الامتداد الفكري والتنظيمي لإخوان مصر، هي المحرك الفعلي لقرار الجيش السوداني اليوم. وفي مفارقة تاريخية مذهلة، يدعم النظام المصري “إسلامويي الخرطوم” بالسلاح والمسيرات، بينما يزج بـ “إخوان القاهرة” في السجون، مما يكشف أن المصالح الجيوسياسية والأطماع التوسعية تتقدم لدى القاهرة على المبادئ والأيديولوجيا.
وبعد صدمة مروي، انتقل التكتيك المصري إلى “حرب الظل”. ووفقاً لـ “نيويورك تايمز”، أصبحت قاعدة شرق العوينات منصة انطلاق لطائرات “أقنجي” المسيرة، لتنفيذ عمليات قصف عميقة تصل إلى دارفور.
استخدام التكنولوجيا “عن بُعد” هو محاولة لتقليل الخسائر البشرية المصرية مع الاستمرار في إدارة الصراع لضمان بقاء السودان تحت الوصاية، حتى لو كان ذلك عبر بوابة “إخوان السودان” الذين حاربتهم القاهرة في الداخل وتحالفت معهم في الخارج.
إن تمدد الحرب إلى دول الجوار ليس مجرد احتمال، بل هو واقع يؤكده إصرار القاهرة على التمسك بأطماع تاريخيةوتحالفات متناقضة.
فاستقرار وادي النيل لن يتحقق طالما ظلت سماء السودان مستباحة لمسيرات تقلع من قواعد سرية لتعيد رسم حدود الدم، طالما ظلت القاهرة تنظر للخرطوم من فوهة بندقية الخديوي، وتلعب بالنار مع حلفاء الأمس وأعداء اليوم.
اخر قولي: ان السُّودانَ سيَنفُضُ عنه غبارَ المحنة، ليُحلقَ في سماءِ المجدِ كطائرِ الفينيقِ الذي لا يزيدُه الرمادُ إلا تجدداً وبهاءً، فقد علمنا التاريخ أن المحن العظيمة غالبًا ما تسبق التحولات الكبرى.