لم تكن الحركة الإسلامية السودانية (الكيزان)، منذ ليل انقلابهم البهيم، سوى تجسيد لمبدأ الميكافيلية في أبشع صورها الراديكالية.
هؤلاء الذين جثموا على صدر السودان لثلاثة عقود، محولين السودان إلى سجن كبير ومختبر للفشل، لم يكتفوا بإحراق الداخل وتشريد الملايين، بل عادوا اليوم عبر أبواقهم ليثبتوا للعالم أن التطرف ملة واحدة، وأن بوصلتهم لا تتجه نحو مصلحة السودان، بل نحو مراكز زعزعة الاستقرار الإقليمي؛ من البحر الأحمر حتى الخليج العربي.
تأتي الفتوى الأخيرة للقيادي الإخواني السوداني عبدالحي يوسف من منابر إسطنبول، لتعري ما تبقى من خداع.
فالدعوة الصريحة للقتال بجانب إيران ضد العالم، ووصف الصراعات السياسية والمعقدة بأنها “حرب بين الإسلام والكفر”، ليست مجرد شطحة متشدد، بل هي استراتيجية “إخوان السودان” التاريخية: الهروب للأمام عبر صناعة الأعداء وتجييش العواطف الدينية، بينما يحترق بيتهم في الخرطوم بنيران حرب هم من أشعل فتيلها.
إن هذا الفكر الإقصائي هو ذاته الذي قادهم إلى انقلاب 1989 ثم انقلاب 2021، وهو ذاته الذي دمر الجيش الوطني وحوله إلى مليشيا حزبه، ثم استنسخ “قوات الدعم السريع” لحماية سلطتهم، قبل أن ينقلبوا عليها حين استعصت على الطاعة، فيحولوا البلاد إلى ساحة رماد.
وحين ضاقت عليهم الأرض بعد ثورة ديسمبر المجيدة، عادوا يتسللون عبر الجيش الذي تم “تمليشه”، مختطفين بندقيته وقراره، ومحاولين جر السودان إلى محور “المقاومة الإيراني” المزعوم، نكاية وحقداً على جيرانهم العرب ومن أجل هدم استقرار المنطقة.
ولا يمكن قراءة فتوى عبد الحي يوسف بمعزل عن تصريحات العميد في الجيش السوداني، الإخواني “طارق كجّاب”، الذي دعا صراحة لاستهداف المنشآت الحيوية في دول الخليج العربي، وتجويع وتعطيش أهلها، كما جوعت جماعته السودانيين وقتلتهم وشرّدتهم، وجعلتهم يهيمون على وجوههم في الشتات بلا مأوى!
إن “الكيزان” السودانيين يثبتون يوماً بعد يوم أن ولاءهم ليس للتراب السوداني – كما بقية الجماعة الإرهابية في الدول الأخرى – بل لأيديولوجيا التدمير التي تتقاطع مع المشروع الإيراني المزعزع للأمن الخليجي والدولي.
إن بكاء عبد الحي يوسف على إيران ودعوته للحرب بجانبها وتباكيه على “المظلومية الإيرانية”، مع تجاهله التام للعدوان الإيراني المستمر على الدول الخليجية والعربية، يكشف ارتهان مشروعهم الإجرامي القائم على تصدير الدين والتجارة به للخارج. ذلك المشروع الذي لم يعد يجد سوقاً في السودان بعد أن لفظه الشعب، فبدأوا يبحثون عن مشترٍ في أسواق التطرف العابرة للحدود.
إن أمن البحر الأحمر واستقرار الخليج العربي لا ينفصلان عما يحدث في السودان، وبقاء هذا التنظيم الشيطاني متغلغلاً في مؤسسات الدولة السودانية، وقدرته على تصدير الفتن والإرهاب من منابر الشتات، يشكل خطراً داهماً على السلم الدولي.
لقد ذاق الشعب السوداني الويلات من هؤلاء؛ من التعذيب في بيوت الأشباح إلى الإبادة الجماعية، صولاً إلى حرب أبريل التي قتلت السودانيين ودمرت السودان بالكامل. وها هم الآن يحاولون تحويله إلى منصة انطلاق للحروب الدينية العبثية والوكالات الإيرانية.
إن المعالجة الأمنية والسياسية لهذا التنظيم يجب أن تكون حازمة وشاملة. لا مجال للمداهنة مع من يرى في الهدم والتخريب “جهاداً” وفي القتل “رأياً”.
إن اقتلاع جذور الإرهاب الإخواني في المنطقة عامة، وفي السودان خاصة، هو المدخل الوحيد لاستعادة الدولة، وحماية المنطقة من حريق شامل يسعى “الكيزان” لإشعاله كستار أخير لجرائمهم التاريخية.
وما لم يُحاصر هذا الفكر الضال ويُقتلع من جذوره، فلن يعرف السودان السلام، ولن تهنأ المنطقة بالأمان.
السابق بوست