Fajr Press

سؤالُ المبتدأ.. جوابُ الخبر؟

كتب - الجميل الفاضل

تحت مجهر “لو بوان” وعيون واشنطن: هل يتحولُ البرهانُ إلى حارسٍ للتطرف؟!

بينما ينشغلُ العالمُ برصدِ الحرائقِ الممتدة من ضواحي بيروت المثقلة بالبارود، إلى جبالِ مران التي تنفثُ جمرها في رئة البحر الأحمر؛ تضعُ تقاريرُ “لو بوان” الفرنسية و”فيسغارد 24″ عدستها المكبرة على بورتسودان والخرطوم، لترقبَ مشهداً يُعيد صياغة التاريخ بالدم.
هنا، يبرز السؤالُ الأكثرُ إلحاحاً الآن: هل ينزلقُ الجنرالُ عبد الفتاح البرهان الي فخِّ “الوكالة العقائدية”، ليتحولَ أمامَ أنظارِ العالم من قائدٍ لجيشٍ يفترض أنه وطني، إلى حارس أمين لمشروعِ “التطرف” الذي بدأ يمدُّ أذرعهُ الي قلبِ القارة السمراء؟

لعبةُ “شدِّ الأطراف”: عشبٌ بين مفاصلِ الصخر

إن طهران التي تجيدُ “رقصةَ المضائق” ببراعةِ مقامرٍ محترف، تمارسُ اليوم لعبةَ “شدِّ الأطراف” الاستراتيجية؛ فهي تضغطُ بقوةٍ على عصبِ العالم بين مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
وفي هذه المساحةِ القلقة، يبدو انبثاق السودان المستقطب بحدة شبيهاً بوصفِ محمود درويش: “كعشبٍ ينبتُ بين مفاصلِ صخرة”؛ إذ حين تحاولُ الهويةُ السودانيةُ النمو وسطَ شقوقِ المشاريعِ الكبرى الصماء.
تنشغل إيران بسدِّ فراغها الجيوسياسي من خلال إلحاقِ الساحلِ السوداني بمدارِ نفوذها، ليتحولَ عشبُ السودان الأخضر إلى حطبٍ في موقدِ صراعِ المضائق، ويغدو ساحلُه محطةَ وصلٍ لوجستية تُكملُ بها طهران إغلاقَ القوسِ البحري حول خاصرةِ العرب والعالم.

تحت مجهر “لو بوان”: القناعُ الذي تذروه الرياح

هذا “المخاضُ المريب” لم يعد طلسماً عصياً على التفكيك في غرفِ الاستخبارات الأوروبية؛ فبينما يجهدُ البرهانُ لترميمِ صورته كـ “ربّانٍ للاستقرار”، جاءت مباضعُ مجلة “لو بوان” الفرنسية لتبقرَ بطنَ هذه الحقيقة.
لقد بات الجنرالُ، في ميزانِ القرارِ الغربي، لا يقودُ جيشاً قومياً بالمعنى الاحترافي، بل يحرسُ “غابةً تنظيمية” نبتت في أحشائها أنيابُ الراديكالية.
في صورة “ثورةُ مضادة” استعارت هيبةَ البزة العسكرية لتستردَّ سلطةً أطاحها نبضُ الشارع في أبريل 2019، محولةً المؤسسة العسكرية إلى مجردِ “ستارٍ سيادي” لاعادة تمكين دولة الإخوان العميقة الموالية الآن لـ طهران.

“عيونُ واشنطن”: حين تُفضحُ شفرةُ الوكيل

لم يحدث هذا الانزلاقُ في “غسقٍ” بعيد عن الرصد؛ فقد كانت عيون واشنطن تحصي أنفاس المشهد بدقة.
الولايات المتحدة انتقلت في 9 مارس 2026 من “الرقابة الصامتة” إلى “الإدانة القانونية”، بتصنيف “الحركة الإسلامية” وذراعها “لواء البراء” كـ منظمة إرهابية أجنبية. هذا التصنيفُ هو اعترافٌ دولي بأن هذا اللواء -بمسيراته الإيرانية الصنع وعقيدته العابرة للحدود- صار هو “النخاع الشوكي” لنظام البرهان، والأداةَ التي تُنفذُ بها إيران حلمَ الوصولِ إلى “المياه الدافئة” في البحر الأحمر.

تآكلُ الهيكل: حين يبتلعُ “العقائديُّ” “القوميَّ”

بيد أن الخطر الأدهى، كما تلمحُ تقاريرُ “فيسغارد 24″، ليس في فوهة البندقية، بل في “التآكل الهوياتي” الذي ينخرُ عظم المؤسسة العسكرية. “لواء البراء” لا يقاتل بجانب الجيش فحسب، بل يمتصُّ رمزيته التاريخية، ليحلَّ مقاتلُوه محل “الجندي المحترف”.
إنها الوصفةُ الإيرانيةُ الشهيرة؛ حين يستحيل الجيشُ النظامي لمجرد واجهةً بروتوكولية لجنرالاتٍ ينوؤون بأحمال الماضي، بينما تنمو في أحشاء مؤسساتهم، ميليشيات عقائدية تدينُ بالولاء لمرجعياتٍ تضعُ بوصلتها حيثُ تشيرُ أصابعُ الحركة والتنظيم.

شروقٌ أم غروب؟

علي أية حال، فإن “لواء البراء” هو السهمُ الذي انطلق لِيصيب قلب هذه القارة في مقتل، فيما يقف الجنرال البرهان اليوم كـ “حارس” لهذا السهم لا ككاسرٍ لنصله.
لكن تري هل ينجحُ السودان في استنقاذ جيشه من مخالب “الوكالة العقائدية” قبل أن يتحول الساحلُ السوداني إلى “ضاحيةٍ بحرية” أخرى لـ إيران؟ أم أننا سنشهد فصلاً دموياً جديداً، تلتقي فيه طموحات طهران بصرامة واشنطن على رمال السودان، ليظلَّ السؤالُ معلقاً: هل يحملُ “المبتدأُ” في أحشائهِ هذه المرة جواباً عملياً لمثلِ هذا الخبرِ الفاجع؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.