الضجيج الذي تثيره سلطات بورتسودان وحلفاؤها حول مؤتمر برلين، المزمع عقده الأربعاء المقبل 15 أبريل الموافق للذكرى الثالثة للحرب، لا يعدو أكثر من كونه زوبعة في فنجان من الافتعال السياسي، ومناورة مكشوفة تفتقر إلى الصدق الموضوعي.
إن الفحص المتأني لقائمة المدعوين السودانيين يكشف مفارقة صارخة؛ إذ يبدو أن السلطة القائمة في بورتسودان هي الأكثر تمثيلاً وحضوراً عبر شبكة من الممثلين المستترين والمتواطئين الذين يمررون أجندتها وأجندة حلفائها الإقليميين تحت عباءات مختلفة.
وإذا كانت السلطة القائمة في بورتسودان قد أبدت تبرماً من غياب تمثيلها الرسمي بوزير خارجيتها، فإن الواقع يؤكد وجود أطراف خارجية تتبنى رؤيتها وتلعب الدور ذاته بكفاءة تفوق التمثيل البروتوكولي، مما يجعل الخسارة المدّعاة لا تتجاوز الرمزيّة المحدودة التي لا تؤثر في جوهر المشاركة ونفاذ الكلمة.
إن هذه المعطيات تبرهن على أن الصراخ العالي ليس احتجاجاً على “الإقصاء” كما يُروّج، بل هو وسيلة ضغط براغماتية تهدف إلى إرباك منظمي المؤتمر ودفعهم لتبني أجندة بورتسودان في البيان الختامي لجلسة المدنيين السودانيين المنعقدة على هامش المؤتمر.
لقد تيقن الجيش وسلطته في بورتسودان، عبر تجاربه السابقة، أن رفع وتيرة الابتزاز والصراخ والتلويح بالمقاطعة أو التشكيك في المؤتمر سيدفع دوائر المجتمع الدولي، ولا سيما الدول الأوروبية، إلى اتباع سياسة الاسترضاء وتقديم التنازلات تجنباً للتصعيد.
إن المبتغى الحقيقي من هذا الضجيج هو انتزاع تنازلات جوهرية، لعل أهمها شطب الإشارات المتعلقة بمبادرة “الرباعية” وإعلانها، وإزاحة خريطة طريقها ومقترحها الخاص بالهدنة الإنسانية من طاولة التداول، وهو ما يُرجّح حدوثه بالنظر لحجم المشاركين السودانيين المرتبطين بالجيش، وحلفائه الخارجيين، مقابل القوى الديمقراطية المدنية الحقيقية التي يتقدمها تحالف “صمود”.
ولن يكون هناك – لغاية الأسف – أي ذكر للرباعية في البيان الختامي للقاء السودانيين – وغداً لناظره قريب.
وثمّة خشية من أن ينجح ضجيج وابتزاز سلطة بورتسودان، بتواطؤ قوى إقليمية، في دفع بعض الدول الأوروبية إلى الرضوخ، تحت ذرائع إنسانية كرفع المعاناة عن السودانيين أو إنجاح المؤتمر بأي ثمن.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار الأهمية البالغة التي يكتسبها مؤتمر برلين في هذا التوقيت الدقيق، سواء من حيث حجم التمثيل الدولي الواسع الذي يعكس إدراكاً متزايداً لخطورة الأزمة السودانية، أو من حيث كونه منصة جامعة لمناقشة واحدة من أعقد الأزمات السياسية والإنسانية في العالم اليوم.
فالسودان يمر بلحظة فارقة تتقاطع فيها المأساة الإنسانية مع الانسداد السياسي، الأمر الذي يجعل من هذا المؤتمر فرصة حقيقية – إن أُحسن استثمارها – لدفع الجهود الدولية نحو مقاربة أكثر جدية ومسؤولية تخاطب معاناة السودانيين وتطلعاتهم نحو وقف الحرب واستعادة مسار الانتقال.
بيد أن استقراء التاريخ والتجارب الإنسانية المريرة مع الأنظمة التي تتسم بالنزوع الإقصائي والدموي يؤكد حقيقة ثابتة: وهي أن سياسة الاسترضاء لا تزيد هذه القوى إلا تعنتاً وصلفاً.
إن الفاشية الإجرامية، بشتى صورها، لا تفهم لغة الملاطفات الدبلوماسية ولا تستجيب لسياسات “خطوة مقابل خطوة” التي تمنحها الوقت لترسيخ واقعها؛ بل هي لا تنصاع إلا تحت وطأة الضغوط الجادة والمنظمة التي لا قبل لها بمواجهتها.
إن مؤتمر برلين لا ينبغي أن يستجيب لضجيج الافتعال الساعي لإفراغه من محتواه الإنساني والسياسي، بل يتمسّك بالحقائق ويضع حداً لسياسة الابتزاز والتآمر على حياة الشعب السوداني التي تمارسها سلطة الجيش في بورتسودان وحلفاؤها.