في خضم واحدة من أعقد الأزمات التي عرفها السودان في تاريخه الحديث، أعاد رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان طرح فكرة الحوار السياسي الشامل، معلناً عن ترتيبات لعقد حوار سوداني داخل البلاد بهدف التوافق على استكمال مسار الانتقال المدني الديمقراطي ووضع أسس جديدة للبناء الوطني.
غير أن هذه الدعوة لم تمضِ ساعات قليلة حتى اصطدمت برفض صريح من تحالف السودان التأسيسي “تأسيس”، الذي اعتبرها محاولة جديدة لإعادة إنتاج الأزمة السودانية وليس لحلها، في مشهد يعكس حجم الفجوة السياسية المتسعة بين أطراف الصراع، ويجسد ما يمكن وصفه بـ”حوار الطرشان” الذي يتحدث فيه الجميع ولا يسمع أحد الآخر.
وجاءت دعوة البرهان في توقيت بالغ الحساسية، بينما تستمر الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أكثر من ثلاثة أعوام، مخلفة واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية والأمنية في المنطقة. وفي كلمته بمناسبة عيد الأضحى، تحدث البرهان عن حوار سياسي شامل يشارك فيه “أصحاب الوجعة”، ويتوافق السودانيون من خلاله على مبادئ حاكمة تنهي حالة الانقسام المزمنة وتؤسس لإكمال الانتقال المدني الديمقراطي.
وشدد البرهان على أن الحوار سيكون سودانياً خالصاً يُعقد داخل البلاد، بعيداً عن المؤتمرات والمبادرات الخارجية التي قال إن الشعب السوداني لن يقبل بنتائجها أو بالإملاءات القادمة عبرها. وأكد أن الحكومة ستوفر كل ما يلزم لإنجاح العملية السياسية وتنفيذ مخرجاتها، مع استبعاد من وصفهم بالمتورطين في دماء السودانيين.
لكن المشكلة الأساسية في هذه الدعوة لا تكمن في شعاراتها أو أهدافها المعلنة، وإنما في البيئة السياسية والعملية التي تُطرح فيها. فالرجل الذي يتحدث اليوم عن استكمال الانتقال المدني الديمقراطي هو نفسه الذي قاد إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، والتي أطاحت بالشراكة المدنية العسكرية وأدخلت البلاد في نفق سياسي انتهى لاحقاً إلى الحرب الشاملة. ولذلك تبدو دعوة الحوار بالنسبة لكثير من القوى السياسية أقرب إلى محاولة لإدارة الأزمة وليس لمعالجتها جذرياً.
هذا الفهم تجلى بوضوح في رد تحالف السودان التأسيسي “تأسيس”، الذي رفض الدعوة بصورة قاطعة، معتبراً أنها تفتقر إلى الجدية والمصداقية، وأنها لا تمثل مدخلاً حقيقياً لإنهاء الحرب أو معالجة الأسباب العميقة للأزمة الوطنية. ويرى التحالف أن السودان تجاوز مرحلة البحث عن تسويات سياسية جزئية أو ترتيبات انتقالية مؤقتة، وأن جوهر الأزمة يكمن في طبيعة الدولة نفسها، وفي نموذج الحكم الذي تأسس تاريخياً على المركزية والإقصاء وهيمنة المؤسسة العسكرية على المجال السياسي.
وفي بيانه، ذهب التحالف إلى أبعد من مجرد رفض الحوار، إذ وصف الدعوات السياسية المطروحة في ظل استمرار الحرب بأنها محاولات لكسب الوقت وإعادة تدوير النخب القديمة وإحياء تجارب أثبتت فشلها سابقاً، مستحضراً تجربة “حوار الوثبة” وغيرها من المبادرات التي لم تنجح في إحداث تحول سياسي حقيقي أو وقف دوامات الصراع المتكررة.
ويطرح هذا الموقف سؤالاً محورياً حول مدى إمكانية نجاح أي حوار سياسي في ظل الظروف الراهنة. فالحوار، من حيث المبدأ، يفترض وجود أرضية مشتركة وحد أدنى من الثقة بين الأطراف المتحاورة، بينما يشهد السودان اليوم حالة غير مسبوقة من الاستقطاب السياسي والعسكري. كما أن الحرب نفسها ما تزال مستمرة، فيما تتبادل القوى المختلفة الاتهامات بشأن مسؤولية اندلاعها وإطالة أمدها.
ويبدو أن الفجوة بين رؤية البرهان ورؤية تحالف “تأسيس” ليست خلافاً حول آليات الحوار فحسب، بل هي خلاف حول طبيعة الدولة السودانية ومستقبلها. ففي حين يتحدث البرهان عن استكمال الانتقال الديمقراطي ضمن إطار الدولة القائمة ومؤسساتها الحالية، يدعو التحالف إلى مشروع تأسيسي جديد يقوم على إعادة بناء الدولة من جذورها، وإقامة عقد اجتماعي جديد يستند إلى العدالة والمواطنة المتساوية وفصل الدين عن الدولة وإعادة هيكلة المؤسسات العسكرية والأمنية.
هذه الهوة الفكرية والسياسية تجعل من الصعب تصور التقاء الطرفين حول طاولة واحدة في المدى المنظور. فكل طرف يتحدث عن مستقبل مختلف للسودان، وينطلق من تشخيص مغاير للأزمة وأسبابها. وبينما يرى الجيش أن الأولوية تتمثل في استعادة الاستقرار وإطلاق عملية سياسية تقود إلى انتقال ديمقراطي، ترى قوى أخرى أن الأزمة أعمق من مجرد انتقال سياسي، وأنها تتطلب إعادة تأسيس الدولة نفسها.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تبدو الدعوات المتكررة للحوار أقرب إلى تبادل للرسائل السياسية منها إلى مشروع وطني قابل للتنفيذ. فالخطاب الرسمي يتحدث عن توافق وطني شامل، بينما تتعامل قطاعات واسعة من القوى السياسية مع تلك الدعوات باعتبارها محاولة لإعادة إنتاج موازين القوى القديمة تحت عناوين جديدة.
ومع استمرار الحرب وتفاقم المعاناة الإنسانية والانهيار الاقتصادي وتفكك مؤسسات الدولة، يزداد الشعور العام بأن النخب السياسية والعسكرية ما تزال تدور في الحلقة نفسها التي أوصلت البلاد إلى هذه المرحلة الحرجة. ولهذا يكتسب وصف “حوار الطرشان” دلالة خاصة في المشهد السوداني الراهن؛ إذ لا يبدو أن المشكلة تكمن في غياب المبادرات أو قلة الدعوات للحوار، بل في غياب الإرادة السياسية الحقيقية للاعتراف بجذور الأزمة والاستعداد لتقديم التنازلات اللازمة لإنهائها.
وفي نهاية المطاف، فإن نجاح أي عملية سياسية لن يتوقف على عدد المؤتمرات أو البيانات التي تُصدرها الأطراف المتصارعة، بل على قدرتها على الإجابة عن السؤال الذي ظل معلقاً منذ سنوات: هل المطلوب إصلاح الدولة السودانية أم إعادة تأسيسها؟ وحتى يتم حسم هذا السؤال عبر توافق وطني حقيقي، ستظل الدعوات المتبادلة للحوار تدور في فضاء السياسة السودانية كأصداء متقاطعة لا تجد من يصغي إليها، فيما تستمر الحرب في فرض أجندتها القاسية على الجميع.