Fajr Press

مجلس الأمن والدفاع .. خطوة في الاتجاه الصحيح.

متابعات - فجر برس

في إطار ترتيبات المرحلة الانتقالية التي تشهدها البلاد، أصدر المجلس الرئاسي لحكومة السلام الانتقالية القرار رقم (12) لسنة 2026م، القاضي بتشكيل مجلس الأمن والدفاع، مستنداً إلى أحكام المادة (97) من دستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 2025م، وذلك إلى حين صدور القانون المنظم لتكوين واختصاصات المجلس بصورة دائمة.

ويأتي القرار في توقيت بالغ الأهمية، إذ تواجه البلاد تحديات أمنية وسياسية معقدة تتطلب وجود آلية عليا قادرة على تنسيق الجهود الوطنية في مجالات الأمن والدفاع وحماية المدنيين وبسط الاستقرار في مختلف أنحاء البلاد.

ونص القرار على تشكيل مجلس الأمن والدفاع برئاسة رئيس المجلس الرئاسي وعضوية نائب الرئيس وأعضاء المجلس الرئاسي وحكام الأقاليم، إلى جانب رئيس مجلس الوزراء وعدد من الوزراء المعنيين بالملفات السيادية والأمنية، فضلاً عن النائب العام وقيادات الأجهزة النظامية والعسكرية والأمنية.

ويعكس هذا التكوين حرص حكومة السلام الانتقالية على ضمان مشاركة مختلف المؤسسات ذات الصلة في صناعة القرار الأمني والاستراتيجي، بما يتيح تنسيقاً أكبر بين المستويات السياسية والتنفيذية والعسكرية، ويسهم في توحيد الرؤى تجاه القضايا الوطنية الكبرى.

كما أن إشراك حكام الأقاليم في عضوية المجلس يمنح الأقاليم صوتاً مباشراً في مناقشة القضايا الأمنية، ويعزز من قدرة الدولة على التعامل مع التحديات المحلية وفق رؤية وطنية شاملة.

وحدد القرار جملة من الاختصاصات المهمة للمجلس، على رأسها إعداد الخطط والسياسات الاستراتيجية للأمن والدفاع الوطني، وصياغة السياسات العامة لتحقيق الأمن والسلم ومحاربة الإرهاب والجريمة المنظمة والعابرة للحدود والهجرة غير الشرعية.

وتبرز أهمية هذه الاختصاصات في ظل الحاجة إلى بناء مؤسسات أمنية قادرة على مواجهة التهديدات التقليدية وغير التقليدية، خاصة مع تعقيدات البيئة الأمنية الإقليمية وتزايد المخاطر المرتبطة بالجريمة المنظمة والاتجار بالبشر والأنشطة العابرة للحدود.

كما منح القرار المجلس صلاحية اتخاذ القرارات الملزمة لأجهزة الدولة فيما يتعلق بالأمن القومي والدفاع الوطني وحماية المدنيين، وهي صلاحية من شأنها أن تعزز سرعة الاستجابة للأزمات وتحد من تضارب القرارات بين المؤسسات المختلفة.

ومن أبرز ما تضمنه القرار إسناد مهمة إجازة الخطة العامة لتأسيس جيش وطني جديد بعقيدة قتالية جديدة، تكون نواته قوات الدعم السريع والجيش الشعبي لتحرير السودان وحركات الكفاح المسلح الموقعة على ميثاق السودان التأسيسي.

ويعد هذا البند من أكثر البنود أهمية في القرار، باعتباره مرتبطاً مباشرة بمشروع إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس جديدة تستجيب لمتطلبات المرحلة الانتقالية وتدعم مسار السلام والاستقرار.

يبدو إن نجاح أي عملية انتقال سياسي يتطلب وجود مؤسسة عسكرية وطنية موحدة ومهنية، تعمل تحت مظلة الدولة وتلتزم بحماية الدستور والسيادة الوطنية، بعيداً عن الانقسامات والصراعات التي أرهقت البلاد خلال العقود الماضية.

وفي السياق ذاته، نص القرار على إجازة الخطة العامة لتأسيس قوات الشرطة وجهاز الأمن والمخابرات وفق المرجعيات الواردة في الميثاق والدستور، بما يؤكد أن عملية الإصلاح المؤسسي لا تقتصر على القوات المسلحة وحدها، وإنما تشمل مختلف الأجهزة الأمنية والنظامية.

ويمنح القرار مجلس الأمن والدفاع صلاحيات تنظيمية مهمة، من بينها إصدار اللوائح اللازمة لتنظيم أعماله والاستعانة بمن يراه مناسباً من الخبراء والمختصين، وهو ما يوفر قدراً من المرونة في إدارة الملفات الأمنية والاستراتيجية.

كما أن ربط اختصاصات المجلس بالنصوص الدستورية يعزز من مشروعيته القانونية ويضع إطاراً مؤسسياً واضحاً لممارسة مهامه، إلى حين صدور القانون المنظم له بصورة نهائية.

ويرى مراقبون أن وجود مجلس للأمن والدفاع خلال المرحلة الانتقالية يمثل ضرورة عملية لضمان وحدة القرار في القضايا السيادية، خاصة في ظل تشابك الملفات الأمنية والعسكرية والسياسية، والحاجة إلى جهة عليا تتولى التنسيق والإشراف على السياسات الاستراتيجية للدولة.

بصورة عامة، يمكن النظر إلى قرار تشكيل مجلس الأمن والدفاع باعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح نحو بناء مؤسسات الدولة الانتقالية وتعزيز قدرتها على إدارة الملفات الأمنية والدفاعية بكفاءة أكبر.

ورغم أن نجاح المجلس سيظل مرهوناً بمدى فاعلية أدائه وقدرته على تحويل الاختصاصات الممنوحة له إلى سياسات وبرامج عملية، فإن مجرد إنشاء هذا الجسم المؤسسي يمثل مؤشراً على السعي نحو ترسيخ مبدأ العمل المؤسسي وتوحيد مراكز اتخاذ القرار في القضايا ذات الصلة بالأمن القومي.

وفي بلد يسعى إلى تجاوز آثار الصراعات والانقسامات وبناء مستقبل أكثر استقراراً، فإن وجود مجلس للأمن والدفاع يتمتع بتمثيل واسع وصلاحيات واضحة يمكن أن يشكل ركيزة أساسية لدعم عملية السلام وتعزيز الأمن وحماية المواطنين، بما يفتح المجال أمام استكمال بقية استحقاقات المرحلة الانتقالية وصولاً إلى دولة مستقرة وآمنة وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.