هل ستعصف خلافات التمثيل باجتماع “الخماسية” بشأن الأزمة السودانية؟
متابعات - فجر برس
تتجه الأنظار إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا حيث كان من المقرر أن تستضيف اجتماعات الآلية الخماسية المعنية بالسودان، وسط أجواء من الترقب والحذر بسبب خلافات متصاعدة حول تمثيل القوى السياسية المشاركة، وهي خلافات تهدد بتعطيل الاجتماع أو تأجيله في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تحريك العملية السياسية وإيجاد مخرج للأزمة السودانية المستمرة منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.
وتضم الآلية الخماسية كلاً من الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيقاد)، وهي الأطراف التي ظلت خلال الفترة الماضية تسعى إلى تنسيق الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب وتهيئة الظروف أمام عملية سياسية شاملة تقود إلى استعادة الاستقرار والحكم المدني في السودان.
غير أن التحضيرات للاجتماع المرتقب اصطدمت بعقبات تتعلق بطبيعة القوى السياسية المدعوة للمشاركة، وعدد ممثلي كل طرف، فضلاً عن اعتراضات متبادلة بين بعض المكونات السياسية بشأن شرعية تمثيل بعض الكتل والتحالفات.
وبحسب مصادر مرتبطة بالتحضيرات الجارية للاجتماع، فإن الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية ومنظمة إيقاد أبدت تحفظات على ترتيبات التمثيل التي جرى إعدادها للمشاورات، معتبرة أن بعض القوى السياسية حصلت على تمثيل أكبر من حجمها السياسي، بينما جرى تقليص أو استبعاد أطراف أخرى ترى تلك الجهات أنها ينبغي أن تكون جزءاً من أي حوار سوداني شامل.
كما أشارت المصادر إلى أن عدداً من القوى السياسية السودانية نفسها أبدى اعتراضات على مشاركة بعض الكتل والتحالفات، الأمر الذي أدى إلى تعقيد المشاورات السابقة للاجتماع وألقى بظلال من الشك حول إمكانية انعقاده في موعده المحدد.
وتعكس هذه الخلافات عمق الانقسامات التي لا تزال تعاني منها الساحة السياسية السودانية، حيث فشلت العديد من المبادرات السابقة في تجاوز أزمة التمثيل السياسي وتحديد الأطراف التي تمتلك الحق في التحدث باسم القوى المدنية أو القوى المناهضة للحرب.
ويبرز في هذا السياق الجدل الدائر حول مشاركة تحالفات سياسية تشكلت خلال فترة الحرب، إلى جانب قوى أخرى تمتلك حضوراً سياسياً منذ ما قبل اندلاع الصراع، وهو ما جعل قضية التمثيل واحدة من أكثر القضايا حساسية في أي عملية سياسية مقبلة.
وفي مؤشر على هشاشة التوافقات الحالية، أعلن المتحدث باسم تحالف “تأسيس” أحمد تقد لسان أن التحالف تلقى دعوة رسمية للمشاركة في الاجتماعات الخاصة بالمشاورات الأولية للعملية السياسية، مؤكداً استعداد التحالف للمشاركة في النقاشات المتعلقة بمستقبل العملية السياسية في السودان.
في المقابل، لوّح تحالف “صمود” بالانسحاب من الاجتماعات حال إجراء أي تعديلات على التفاهمات السابقة المتعلقة بالمشاركة والتمثيل.
وقال الناطق باسم التحالف جعفر حسن عثمان إن مشاركة “صمود” تظل مرهونة بالالتزام الكامل بما تم الاتفاق عليه مسبقاً بين الأطراف المشاركة، محذراً من أن أي إخلال بالتفاهمات القائمة قد يؤدي إلى تقويض الثقة اللازمة لإنجاح العملية السياسية.
وأضاف أن إنهاء الحرب وتحقيق السلام والاستقرار يتطلبان الالتزام بالأسس المتوافق عليها وعدم فتح الباب أمام تغييرات قد تعيد الخلافات إلى نقطة الصفر.
ويرى مراقبون أن هذه المواقف المتباينة تكشف عن صعوبة المهمة التي تواجهها الآلية الخماسية، إذ لا يقتصر التحدي على جمع القوى السياسية حول طاولة واحدة، بل يمتد إلى بناء توافق حول قواعد المشاركة نفسها، وهي قضية ظلت تمثل عقبة رئيسية أمام معظم المبادرات السابقة.
ويعتقد محللون أن نجاح الاجتماع، في حال انعقاده، سيكون مرتبطاً بقدرة الوسطاء الإقليميين والدوليين على إيجاد صيغة توازن بين متطلبات الشمول السياسي من جهة، وضرورات الفعالية العملية من جهة أخرى، بما يمنع تحول الاجتماعات إلى ساحة جديدة لتصفية الخلافات بين القوى السياسية.
كما أن الآلية الخماسية تواجه ضغوطاً متزايدة لإثبات قدرتها على تحقيق اختراق حقيقي في الأزمة السودانية، خاصة بعد تعثر العديد من المسارات التفاوضية السابقة وعدم تمكنها من وقف الحرب أو إطلاق عملية سياسية تحظى بقبول واسع من مختلف الأطراف.
ويشير متابعون إلى أن أهمية اجتماع أديس أبابا لا تكمن فقط في جدول أعماله، وإنما في رمزيته السياسية باعتباره محاولة جديدة لإعادة توحيد الجهود الدولية والإقليمية تجاه السودان بعد أشهر من التباينات في المبادرات والرؤى بشأن كيفية إدارة الأزمة.
وفي حال تمكنت الآلية من تجاوز الخلافات الحالية وعقد الاجتماع وفق ترتيبات توافقية، فقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إطلاق حوار سياسي أوسع يضم القوى المدنية المختلفة ويبحث ترتيبات المرحلة الانتقالية ومستقبل الحكم في البلاد.
أما إذا فشلت الأطراف في التوصل إلى تفاهمات بشأن التمثيل والمشاركة، فإن ذلك قد يؤدي إلى تأجيل الاجتماع أو إضعاف مخرجاته المحتملة، وهو ما قد ينعكس سلباً على الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان.
وفي ظل استمرار المعارك وتفاقم الأزمة الإنسانية واتساع دائرة النزوح والانهيار الاقتصادي، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى إلى توافق سياسي يضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الحزبية والتنظيمية الضيقة.
ومع اقتراب موعد الاجتماع، يبقى السؤال مطروحاً بقوة: هل تنجح الآلية الخماسية في احتواء خلافات التمثيل وفتح نافذة جديدة للحل السياسي، أم أن الانقسامات بين القوى السودانية ستلقي بظلالها مجدداً على أي محاولة لبناء توافق وطني ينهي الحرب ويضع السودان على طريق الاستقرار؟