في خطوة تعكس توجهات المرحلة الراهنة نحو تعزيز الأمن وبسط هيبة الدولة، عقد مجلس الأمن والدفاع اجتماعه الأول برئاسة الفريق أول محمد حمدان دقلو، وأصدر حزمة من القرارات والإجراءات التي تستهدف تحقيق الأمن والاستقرار ومواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد، مؤكداً أن الحفاظ على الأمن يمثل أولوية قصوى لا يمكن التهاون فيها.
وجاء الاجتماع في ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد، تتطلب تضافر الجهود الرسمية والشعبية لمواجهة التهديدات الأمنية والتحديات المرتبطة بالنزاعات والصراعات المجتمعية، إلى جانب مكافحة الجريمة المنظمة والأنشطة التي تستهدف زعزعة الاستقرار وإضعاف مؤسسات الدولة.
وأكد المجلس في مستهل اجتماعه دعمه للجهود العسكرية والأمنية الرامية إلى بسط السيطرة على مختلف المناطق، مشيداً بالانتصارات التي حققتها قوات تحالف تأسيس في عدد من المحاور، ومجدداً التزامه بمواصلة العمل من أجل استقرار السودان وإعادة بنائه على أسس العدالة والمواطنة وسيادة القانون.
وفي جانب يعكس اهتمام الدولة بالقضايا المجتمعية والتنموية، أشاد المجلس بالجهود التي بُذلت لإنجاح امتحانات الشهادة السودانية، مثمناً دور المعلمين وأولياء الأمور والطلاب في تجاوز التحديات التي فرضتها الظروف الراهنة، ومؤكداً أن استمرار العملية التعليمية يمثل أحد أهم عوامل الاستقرار الاجتماعي وحماية الأجيال القادمة.
غير أن الملف الأمني تصدر أجندة الاجتماع بصورة واضحة، حيث كشف المجلس عن رصد تحركات وصفها بالخطيرة تستهدف إثارة الصراعات القبلية بين المجتمعات المحلية، محذراً من مخططات ترمي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وإشعال الفتن والنزاعات بين المكونات المختلفة. ودعا المواطنين إلى التحلي بالوعي واليقظة وعدم الانجرار وراء الدعوات التي تستهدف تقويض الأمن والسلم الاجتماعي.
وتبرز أهمية هذا التحذير في ظل ما تشهده بعض المناطق من تحديات أمنية واجتماعية، حيث يرى مراقبون أن الحفاظ على التماسك المجتمعي بات يمثل أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق الاستقرار السياسي والأمني، خاصة في ظل محاولات استغلال الأوضاع الراهنة لإثارة الانقسامات والنعرات القبلية.
وفي إطار فرض هيبة الدولة، أصدر المجلس قرارات واضحة وحاسمة شدد من خلالها على ضرورة محاربة الجريمة بمختلف أشكالها والعمل على تحقيق الأمن والاستقرار في جميع المدن والمناطق. وأكد أن الأمن خط أحمر، وأن الأجهزة الأمنية ستتعامل وفق القانون مع أي مظاهر من شأنها تهديد أمن المواطنين أو تعطيل حياتهم اليومية.
وشملت هذه التوجيهات التصدي لظاهرة إغلاق الطرق العامة وإعاقة حركة المواطنين داخل المدن، باعتبارها ممارسات تؤثر بصورة مباشرة على حياة السكان وتعطل الأنشطة الاقتصادية والخدمية. ويعكس هذا التوجه حرص السلطات على ضمان انسياب الحركة الطبيعية داخل المدن وتأمين المرافق الحيوية والخدمات الأساسية.
كما أولى المجلس اهتماماً خاصاً بمكافحة التهريب الذي يمثل أحد أبرز التحديات الاقتصادية والأمنية، خاصة فيما يتعلق بالموارد الزراعية والحيوانية. وأكد ضرورة التصدي لكافة أشكال التهريب التي تستنزف موارد البلاد وتؤثر على الاقتصاد الوطني، مشيداً بالضبطيات والإنجازات التي حققتها الأجهزة المختصة خلال الفترة الماضية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن مكافحة التهريب لا ترتبط فقط بحماية الموارد الوطنية، بل تمثل كذلك جزءاً من منظومة الأمن القومي، باعتبار أن شبكات التهريب غالباً ما ترتبط بأنشطة غير مشروعة تسهم في تمويل الجريمة المنظمة وإضعاف الاقتصاد الرسمي.
وفي سياق متصل، شدد المجلس على أهمية متابعة ورصد الأنشطة التي تستهدف تأجيج الفتن وبث خطاب الكراهية والعنصرية داخل المجتمع، مؤكداً ضرورة التصدي لأي محاولات تستهدف إشعال الحرائق في الأسواق أو تخريب الاقتصاد أو إثارة الاضطرابات المجتمعية. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً لأهمية مواجهة التهديدات غير التقليدية التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار وإضعاف التماسك الوطني.
ولم تقتصر القرارات على الجوانب الأمنية الداخلية فحسب، بل امتدت لتشمل مكافحة الجرائم العابرة للحدود، حيث وجه المجلس جميع الأجهزة المختصة بالتعامل بحزم مع جرائم الإرهاب والاتجار بالسلاح والمخدرات والبشر. وتعد هذه الجرائم من أخطر التحديات التي تواجه الدول في المنطقة، نظراً لارتباطها بشبكات إجرامية منظمة تستغل الأوضاع الأمنية والحدود المفتوحة لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
كما وجه المجلس بتشكيل آليات خاصة لحماية الموسم الزراعي وتأمينه، في خطوة تعكس أهمية القطاع الزراعي باعتباره ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني ومصدراً رئيسياً للغذاء والدخل. ويُنظر إلى حماية الموسم الزراعي باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من مفهوم الأمن الشامل الذي يربط بين الاستقرار الأمني والاستقرار الاقتصادي.
وفي الجانب الإنساني، شدد المجلس على ضرورة تأمين حركة القوافل الإنسانية وتوفير الحماية للعاملين في المجال الإنساني والمنظمات الدولية، مشيداً بالجهود الدولية المبذولة في تقديم المساعدات للمحتاجين. ويأتي هذا التوجيه في ظل الحاجة المتزايدة لضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المتضررين دون عوائق أو تهديدات أمنية.
وختم المجلس اجتماعه بتوجيه دعوة مباشرة للمواطنين للتعاون الكامل مع الأجهزة الأمنية في تنفيذ القرارات والتدابير التي تم اتخاذها، مؤكداً أن حماية المواطنين والحفاظ على الأمن والاستقرار وفرض هيبة الدولة تمثل مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكاتف الجميع.
وتعكس مجمل القرارات الصادرة عن الاجتماع الأول لمجلس الأمن والدفاع توجهاً واضحاً نحو تعزيز سلطة القانون وترسيخ الأمن والاستقرار باعتبارهما المدخل الأساسي لمعالجة بقية التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما تؤكد أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من التركيز على مكافحة الجريمة وحماية المجتمع والاقتصاد الوطني، بما يسهم في تهيئة البيئة اللازمة لتحقيق الاستقرار والتنمية وإعادة بناء الدولة على أسس أكثر قوة واستدامة.