Fajr Press

تقرير استقصائي يكشف عمليات رشوة وتزوير واستيلاء على المال العام تطال عشرات القضاة في السودان.

متابعات - فجر برس

كشف تقرير استقصائي جديد، حمل الرقم (8) ضمن سلسلة “الملف الأسود”، عن جملة من الاتهامات والشبهات المتعلقة بوجود تجاوزات مالية وإدارية داخل السلطة القضائية السودانية، شملت قضاة وموظفين، وتنوعت بين ادعاءات بالرشوة والتزوير والتلاعب في الإجراءات القضائية والاستيلاء على المال العام.

وقالت معدة التقرير، المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان رحاب مبارك سيدأحمد، إن المؤسسة القضائية في السودان تواجه ما وصفته بـ”أزمة غير مسبوقة من الفساد المؤسسي”، مشيرة إلى أن هذه الادعاءات، إذا ثبتت صحتها، تمثل تهديداً خطيراً لمبدأ استقلال القضاء وثقة المواطنين في منظومة العدالة.

ووفقاً لما ورد في التقرير، فقد شهد عام 2023 توقيف نحو 90 قاضياً عن العمل على خلفية اتهامات مرتبطة بالرشوة والتزوير والتجاوزات المالية.

ويربط التقرير بين هذه الظاهرة وبين الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها العاملون في القطاع القضائي، معتبراً أن ضعف الأوضاع المعيشية والضغوط المالية قد دفع بعض الأفراد إلى ارتكاب مخالفات، بينما يواصل آخرون أداء مهامهم في ظروف اقتصادية قاسية.

ادعاءات بشأن شبكات تزوير وتلاعب بالأحكام.

استعرض التقرير عدداً من الحالات التي قال إنها تخضع للتحقيق، من بينها ما وصفه بوجود شبكة داخل محكمة أمدرمان بمنطقة كرري، تورط فيها – بحسب الادعاءات الواردة – قاضٍ وموظفون في عمليات سحب أموال عبر أحكام رضائية مزورة.

وذكر التقرير أن هذه العمليات شملت أموالاً تخص أفراداً وشركات تابعة لقوات الدعم السريع، حيث صدرت أحكام جرى وصفها بالمزورة، ثم تم تنفيذها وسحب الأموال من البنوك، قبل توزيع العائدات بين المشاركين في العملية وفق ما أورده التقرير. وأشار إلى أن الواقعة اكتُشفت لاحقاً، وتمت إحالة المتهمين للتحقيق.

وتحدث التقرير عن اتهامات طالت قاضيين في محكمة الاستئناف بولاية النيل الأبيض بمدينة كوستي، بزعم الاتفاق على تعديل أحكام بالسجن بحق متهمين في قضايا مخدرات إلى غرامات مالية مقابل رشاوى. وأكد التقرير أن القاضيين أُوقفا عن العمل إلى حين انتهاء التحقيقات.

وفي ولايتي نهر النيل والجزيرة، أشار التقرير إلى وجود شبهات حول تزوير استمارات العقوبات النهائية، بما يسمح – وفق ما ورد فيه – بتحويل عقوبات السجن إلى غرامات مالية مقابل مبالغ مالية غير مشروعة.

شبهات حول إدارة أموال المحاكم والاستثمارات.

تطرق التقرير كذلك إلى ما وصفه بوجود مخالفات في تحصيل وإدارة الأموال داخل بعض المحاكم، مشيراً إلى أن بعض الغرامات المالية الصادرة بحق متهمين بالتعاون مع قوات الدعم السريع تم توريدها إلى جهات محددة، بدلاً من اتباع الإجراءات المالية المعتادة، وهو ما اعتبره التقرير مخالفة تستوجب التحقيق.

وأشار التقرير إلى وجود ملفات تتعلق بشبهات تزوير في معاملات الأراضي بمدينة بحري، إضافة إلى اتهامات بشأن إدارة أموال محاكم البلدية بصورة تفتقر – بحسب التقرير – إلى الرقابة المالية والإدارية، مع استخدام وسائل تحويل مالية إلكترونية خارج الأطر المؤسسية.

اتهامات تتعلق بإدارة الخدمات والاستثمارات القضائية.

وفي الجزء الثاني من التقرير، وجهت رحاب مبارك سيدأحمد اتهامات إلى القاضي مالك بكري، رئيس إدارة الخدمات بالسلطة القضائية، تتعلق بطريقة إدارة أصول واستثمارات تابعة للمؤسسة القضائية.

وبحسب التقرير، فإن القاضي مالك بكري استحوذ على إدارة أصول ومزارع تابعة للسلطة القضائية، وأن هذه الأصول جرى إدارتها بصورة مركزية دون مشاركة كافية من القضاة أو وجود آليات رقابية واضحة.

وذكر التقرير أن هناك استثمارات مرتبطة بإدارة الخدمات تشمل مجالات الطاقة الشمسية، وإنتاج الزيوت، والإنتاج الحيواني، إضافة إلى التعدين في ثلاثة مناجم ذهب في ولايات البحر الأحمر ونهر النيل والشمالية، مقدراً حجم هذه الاستثمارات بما يزيد على 16 تريليون جنيه سوداني.

وزعم التقرير كذلك وجود مبالغ مالية كبيرة، من بينها مبلغ قدره تريليونا جنيه سوداني، قال إنه يتعلق بإدارة التوثيقات، وإنه لم تتم إعادته رغم المطالبات بذلك.

ولم يقدم التقرير مستندات منشورة تثبت هذه الادعاءات، كما لم يصدر – وفق المعلومات المتاحة – رد رسمي من الجهات المعنية بشأنها.

أسئلة حول الرقابة والشفافية.

وأشار التقرير إلى أن لجنة لمراجعة أعمال لجنة الخدمات تم تشكيلها في وقت سابق، لكنها جُمّدت لاحقاً، بحسب ما ورد في التقرير، وسط اتهامات بوجود ضغوط حالت دون استمرار عملها.

وتناول التقرير مسألة تكليف أكثر من 37 قاضياً بالعمل في إدارة الخدمات والاستثمارات، معتبراً أن ذلك أدى إلى تقليص الكادر القضائي المتاح في المحاكم، وأثر – بحسب رأيه – على مستوى الخبرة القانونية في بعض الدوائر القضائية.

ضرورة التحقيق المستقل

وتثير هذه الادعاءات، في حال ثبوت صحتها، تساؤلات واسعة حول آليات الرقابة والمحاسبة داخل السلطة القضائية السودانية، ومدى قدرة المؤسسات المختصة على حماية استقلال القضاء وتعزيز ثقة الجمهور في العدالة.

ويرى مراقبون أن التعامل مع مثل هذه الاتهامات يتطلب تحقيقات مستقلة وشفافة تكشف الحقائق، وتحدد المسؤوليات القانونية بعيداً عن التعميم أو الأحكام المسبقة، بما يضمن محاسبة أي شخص تثبت مخالفته للقانون، وحماية سمعة القضاة والمؤسسة القضائية من الاتهامات غير المثبتة.

وحتى وقت إعداد هذا التقرير، لم يصدر رد رسمي من السلطة القضائية السودانية بشأن الاتهامات الواردة في تقرير “الملف الأسود”.

 

التقرير إعداد: رحاب مبارك سيدأحمد – محامية ومدافعة عن حقوق الإنسان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.