Fajr Press

قانون الحكم المحلي .. خطوة نحو تعزيز الفدرالية.

نيالا - فجر برس

يمثل مشروع قانون تنظيم الحكم اللامركزي الذي تستعد حكومة تأسيس في السودان لإجازته، محطة مهمة في مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة تستند إلى توسيع المشاركة الشعبية، وتعزيز العدالة في توزيع السلطات والموارد، وترسيخ مفهوم الحكم الفدرالي القائم على الشراكة بين المركز والأقاليم والمستويات المحلية.

ويأتي مشروع القانون في سياق رؤية سياسية أوسع عبر عنها ميثاق السودان التأسيسي ودستور السودان التأسيسي، اللذان يضعان مسألة إعادة هيكلة الدولة ومعالجة الاختلالات التاريخية في إدارة الحكم ضمن أولويات مرحلة تأسيس الدولة السودانية. ويستند هذا التوجه إلى قناعة بأن مركزية السلطة ظلت لعقود طويلة أحد العوامل التي أسهمت في تعميق الفجوة بين المركز والأقاليم، وإضعاف قدرة المجتمعات المحلية على التأثير في القرارات التي تمس حياتها اليومية.

وأكد وزير الحكم اللامركزي بجمهورية السودان – حكومة تأسيس، معالي سيلا موسى كنجي، أن مشروع قانون تنظيم الحكم اللامركزي وصل إلى مراحله النهائية، وأن إجازته باتت قريبة عقب اكتمال عمليات المراجعة والحصول على موافقة الهيئة التشريعية. وأوضح أن القانون يمثل إحدى الركائز الأساسية لمشروع إعادة تأسيس الدولة السودانية، باعتباره إطاراً قانونياً ينظم انتقال السلطات والاختصاصات من المركز إلى مستويات الحكم الإقليمي والمحلي.

ويهدف القانون، وفق رؤية الوزارة، إلى تأسيس نظام حكم لامركزي فعّال يقوم على توزيع الصلاحيات السياسية والإدارية والمالية والثقافية بين مستويات الحكم المختلفة، بما يضمن مشاركة أوسع للمواطنين في إدارة شؤونهم، ويجعل عملية اتخاذ القرار أكثر ارتباطاً باحتياجات المجتمعات المحلية.

وتبرز أهمية الحكم المحلي باعتباره الحلقة الأقرب إلى المواطنين والأكثر قدرة على معرفة الأولويات التنموية والخدمية في المناطق المختلفة. فالمجالس المحلية والإقليمية ليست مجرد وحدات إدارية، بل تمثل أدوات أساسية لترجمة مفهوم المشاركة الشعبية إلى واقع عملي، من خلال منح المجتمعات دوراً مباشراً في تحديد احتياجاتها، ومراقبة أداء المؤسسات، والمساهمة في صياغة الخطط التنموية.

وفي التجارب الفدرالية الناجحة، يشكل الحكم المحلي أحد الأعمدة الرئيسية لاستقرار النظام السياسي، إذ يمنح الأقاليم والمحليات مساحة من الاستقلالية في إدارة مواردها وتنظيم خدماتها، مع بقاء الدولة الاتحادية مسؤولة عن وضع السياسات العامة وحماية وحدة البلاد وضمان التوازن بين المناطق المختلفة.

ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز الحكم المحلي في السودان لا يمثل انتقالاً إدارياً فقط، بل يعد تحولاً مؤسسياً يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. فكلما اقتربت مراكز اتخاذ القرار من المجتمعات، زادت فرص الاستجابة السريعة لقضايا التعليم والصحة والبنية التحتية والتنمية الاقتصادية والخدمات الأساسية.

ويرتبط مشروع القانون كذلك بمضامين ميثاق السودان التأسيسي الذي يؤكد على بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية، وإنهاء أشكال التهميش السياسي والاقتصادي، وضمان مشاركة جميع مكونات الشعب السوداني في إدارة الدولة. فالحكم اللامركزي، وفق هذا التصور، يمثل وسيلة لمعالجة المظالم التاريخية التي عانت منها مناطق واسعة، عبر منح الأقاليم والمحليات سلطات حقيقية تمكنها من إدارة شؤونها وفق خصوصياتها واحتياجاتها.

كما يعكس دستور السودان التأسيسي توجهاً نحو بناء نظام حكم يوازن بين وحدة الدولة وتنوعها، بحيث لا تكون الفدرالية مجرد تقسيم إداري، وإنما نظاماً سياسياً يضمن توزيع السلطة والثروة والفرص بصورة أكثر عدلاً. ويعد الحكم المحلي المستوى الذي تتحول فيه مبادئ الفدرالية إلى ممارسات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

ويرى مراقبون أن نجاح تجربة الحكم اللامركزي في السودان سيعتمد على عدد من العوامل، من بينها وضوح الصلاحيات بين مستويات الحكم المختلفة، وتوفير الموارد المالية الكافية للمحليات، وبناء مؤسسات إدارية مؤهلة، وتعزيز الرقابة والمساءلة لضمان عدم تحول اللامركزية إلى إعادة إنتاج للمشكلات نفسها على مستويات أدنى.

كما أن نقل الاختصاصات إلى الأقاليم والمحليات يتطلب بناء ثقافة سياسية جديدة تقوم على التعاون بين المركز والمستويات المحلية، بعيداً عن مفهوم السيطرة المركزية التقليدية. فالفدرالية الناجحة لا تعني ضعف الدولة المركزية، وإنما تعني توزيعاً أكثر كفاءة للمهام والمسؤوليات بما يعزز وحدة الدولة واستقرارها.

ويؤكد مشروع قانون تنظيم الحكم اللامركزي أن بناء الدولة السودانية الجديدة يرتبط بقدرتها على إقامة مؤسسات تستجيب لتطلعات المواطنين، وتمنح المجتمعات المحلية دوراً أكبر في صناعة مستقبلها. فالحكم المحلي يمثل البنية الأساسية التي تستند إليها الفدرالية، ومن خلاله يمكن تحقيق تنمية أكثر توازناً، وتقليل الفوارق بين المناطق، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

وبينما يقترب القانون من مرحلة الإجازة النهائية، تتجه الأنظار إلى كيفية ترجمته على أرض الواقع، ومدى قدرته على إحداث تحول حقيقي في إدارة الدولة. فنجاحه سيكون مرتبطاً بمدى الالتزام بروح ميثاق السودان التأسيسي ودستور السودان التأسيسي، وبناء نظام حكم يقوم على المشاركة والعدالة والاقتراب من المواطنين.

إن قانون الحكم المحلي، في جوهره، ليس مجرد تشريع لتنظيم الصلاحيات، بل خطوة استراتيجية نحو ترسيخ الفدرالية وبناء دولة أكثر توازناً، يكون فيها المواطن شريكاً في الحكم، وتصبح التنمية والخدمات حقاً متاحاً لكل السودانيين بعيداً عن هيمنة المركز أو تفاوت الفرص بين الأقاليم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.