Fajr Press

تحرير مدينة الأبيض .. هل سيرسم ملامح التوازن العسكري؟

الأبيض - فجر برس

تتجه الأنظار مجدداً إلى مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، بعد تقارير ميدانية تحدثت عن حشود عسكرية كبيرة لقوات الدعم السريع في محيط المدينة، وسط توقعات بإطلاق هجوم واسع النطاق من عدة محاور خلال الأيام المقبلة.

وتكتسب هذه التطورات أهمية استثنائية بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي الذي تحتله الأبيض في خارطة الصراع السوداني، وما يمكن أن يترتب على أي تغيير في السيطرة عليها من انعكاسات عسكرية وسياسية واسعة.

وتشير معلومات متداولة من مصادر عسكرية وميدانية إلى أن قوات الدعم السريع دفعت بتعزيزات كبيرة من ولايات دارفور وغرب كردفان نحو المناطق المحيطة بالأبيض، مع تمركز قوات في محاور متعددة غرباً وجنوباً وشمالاً، في خطوة توحي بالتحضير لعملية عسكرية تهدف إلى استعادة السيطرة على المدينة التي تمكن الجيش السوداني من فك الحصار عنها في فبراير 2025، قبل أن يحولها لاحقاً إلى مركز متقدم لإدارة عملياته العسكرية في إقليمي كردفان ودارفور.

ولا تُعد مدينة الأبيض مجرد عاصمة إدارية لولاية شمال كردفان، بل تمثل واحدة من أهم العقد الاستراتيجية في السودان. فهي تقع عند نقطة التقاء طرق تربط غرب البلاد بشرقها، وشمالها بجنوبها، ما جعلها لعقود مركزاً تجارياً ولوجستياً حيوياً.

وتتحكم المدينة في شبكة طرق رئيسية تربط ولايات دارفور وكردفان بولاية النيل الأبيض ومن ثم العاصمة الخرطوم، كما تشكل بوابة عبور نحو الولايات الشمالية. ولهذا السبب ينظر إليها العسكريون باعتبارها مفتاح السيطرة على وسط وغرب السودان.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تحولت الأبيض إلى هدف استراتيجي للطرفين. فالدعم السريع سعى إلى فرض حصار طويل عليها بهدف عزل القوات الحكومية في كردفان، بينما اعتبر الجيش الاحتفاظ بها ضرورة لضمان استمرار خطوط الإمداد العسكرية والمدنية بين وسط السودان وغربه.

ويرى مراقبون أن أي نجاح لقوات الدعم السريع في السيطرة على الأبيض سيمثل تحولاً كبيراً في مسار الحرب، خاصة بعد سلسلة من الضغوط العسكرية التي تعرضت لها خلال الأشهر الماضية في مناطق مختلفة من البلاد.

فالمدينة تمثل مركز الثقل العسكري للجيش في كردفان، وتضم منشآت لوجستية ومخازن إمداد وقواعد انطلاق للعمليات العسكرية. كما أن السيطرة عليها ستمنح الدعم السريع فرصة لتقويض الوجود العسكري الحكومي في الإقليم وإعادة رسم خطوط التماس على نطاق واسع.

وتشير المعلومات الواردة من الميدان إلى أن الدعم السريع لا يستهدف مجرد شن هجوم تكتيكي محدود، بل يسعى إلى تحقيق اختراق استراتيجي يعيد له زمام المبادرة العسكرية في وسط السودان بعد أن تمكن الجيش من استعادة عدد من المواقع المهمة خلال الفترة الماضية.

وإذا تمكنت قوات الدعم السريع من دخول الأبيض وفرض سيطرتها عليها، فإن ذلك قد يؤدي إلى تغيير جوهري في المعادلة العسكرية الحالية.

فالمدينة تشكل نقطة ارتكاز رئيسية للعمليات العسكرية في كردفان، وسقوطها سيضعف قدرة الجيش على إدارة عملياته في غرب السودان، كما قد يفتح المجال أمام قوات الدعم السريع لتوسيع نطاق تحركاتها في عدة اتجاهات.

ومن الناحية العملياتية، فإن السيطرة على الأبيض ستمنح الدعم السريع ممراً استراتيجياً يربط مناطق نفوذه في دارفور وغرب كردفان بوسط السودان، الأمر الذي يمكن أن يعزز قدرته على نقل القوات والإمدادات بصورة أكثر فاعلية.

كما أن خسارة الجيش للمدينة قد تفرض عليه إعادة تموضع واسعة لقواته في كردفان، وربما نقل جزء من موارده العسكرية إلى خطوط دفاعية جديدة لحماية المناطق الواقعة شرق وجنوب الأبيض.

وتكمن الأهمية الأكبر للأبيض في أنها تقع على الطريق المؤدي إلى ولاية النيل الأبيض، التي تعد بدورها البوابة الجنوبية للعاصمة الخرطوم.

ويرى محللون أن أي سيطرة للدعم السريع على المدينة ستمنحه فرصة لإعادة بناء خطوط تحرك باتجاه النيل الأبيض، وهو ما قد يفتح المجال مستقبلاً لمحاولات استعادة نفوذ أو شن عمليات عسكرية باتجاه مناطق قريبة من الخرطوم.

كما أن الموقع الجغرافي للأبيض يمنحها أهمية خاصة فيما يتعلق بالاتصال مع الولايات الشمالية عبر شبكات الطرق البرية، الأمر الذي يجعلها نقطة مؤثرة في حركة القوات والإمدادات على مستوى السودان بأكمله.

ورغم أن الانتقال من السيطرة على الأبيض إلى تنفيذ عمليات واسعة في النيل الأبيض أو باتجاه الخرطوم يظل مرتبطاً بعوامل ميدانية وعسكرية معقدة، فإن كثيراً من الخبراء يتفقون على أن سقوط المدينة، إن حدث، سيمنح الدعم السريع دفعة استراتيجية كبيرة ويعيد ترتيب أولويات الصراع في المرحلة المقبلة.

إلى جانب أبعادها العسكرية، تحمل معركة الأبيض المحتملة مخاوف إنسانية كبيرة. فالمدينة تعد مركزاً رئيسياً لاستقبال النازحين القادمين من مناطق النزاع في دارفور وجنوب وغرب كردفان، كما تمثل محطة عبور مهمة للمدنيين الفارين من العمليات العسكرية.

وأي تصعيد واسع داخل المدينة أو حولها قد يؤدي إلى موجة نزوح جديدة ويزيد الضغوط على الخدمات الأساسية والبنية التحتية التي تعاني أصلاً من آثار الحرب المستمرة.

وفي ظل استمرار الحشود العسكرية وتبادل الهجمات بالطائرات المسيّرة والاستهداف المتكرر للبنية اللوجستية ومخازن الوقود، تبدو الأبيض أمام مرحلة مفصلية قد تحدد ليس فقط مستقبل شمال كردفان، بل أيضاً اتجاهات الصراع السوداني خلال الأشهر المقبلة.

وبينما يترقب السودانيون ما ستسفر عنه التطورات الميدانية، تبقى حقيقة واحدة حاضرة بقوة: أن مدينة الأبيض لم تعد مجرد ساحة معركة محلية، بل أصبحت إحدى أهم النقاط الاستراتيجية التي قد ترسم ملامح التوازن العسكري الجديد في السودان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.