تشهد العلاقات بين السودان وإيران والولايات المتحدة تطورات متسارعة في ظل الحرب المستمرة في البلاد، بعد تقارير أمريكية ودولية تحدثت عن استمرار صلات بين مجموعات إسلامية سودانية وطهران، مقابل مساعٍ من الجيش السوداني لإعادة تموضعه خارجيًا وتخفيف اعتماده على الدعم العسكري الإيراني.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن مجموعات إسلامية سودانية لا تزال على صلة بإيران، بما في ذلك الحرس الثوري الإيراني، وتتلقى دعمًا فنيًا وتدريبًا، وفق ما ورد في تصريح رسمي صادر من واشنطن. وأوضح متحدث باسم الوزارة أن عناصر مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في السودان ما زالت تحصل على تدريب من الجانب الإيراني، في وقت تتابع فيه الولايات المتحدة تطورات الحرب في السودان وتداعياتها الإقليمية المتزايدة.
ويأتي هذا التصريح في سياق أوسع من التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالنفوذ الإيراني في المنطقة، حيث تربط واشنطن بين بعض الفاعلين المحليين في السودان وشبكات إقليمية يُشتبه في ارتباطها بطهران، لا سيما في ظل الصراع الداخلي الذي دخل مرحلة معقدة منذ اندلاعه.
بالتوازي، نقلت وكالة بلومبيرغ عن مصادر دبلوماسية وإقليمية ومسؤول أمني سوداني أن الجيش السوداني أبلغ واشنطن بأنه لم يعد يعتمد على إيران في شراء الأسلحة، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لإعادة صياغة علاقاته الخارجية، خصوصًا مع الولايات المتحدة ودول خليجية مثل السعودية، في إطار جهود محتملة للتوصل إلى تسوية سياسية تنهي الحرب.
ووفق التقرير، فإن هذا التحول في الخطاب العسكري السوداني يهدف إلى تعزيز صورة الجيش كشريك يمكن التعويل عليه في أي مسار تفاوضي مستقبلي، مع الإشارة إلى أن الخرطوم خفّضت بالفعل مشترياتها العسكرية من إيران خلال الأشهر الماضية. ومع ذلك، فإن تقارير سابقة تحدثت عن استخدام الجيش السوداني لطائرات مسيّرة وأسلحة يُعتقد أنها ذات منشأ إيراني، والتي ساهمت في استعادة بعض المواقع الميدانية خلال المعارك الجارية.
وتشير هذه المعطيات إلى وجود حالة من التناقض بين الخطاب السياسي والدبلوماسي من جهة، والواقع الميداني من جهة أخرى، في ظل حرب معقدة تتداخل فيها العوامل الداخلية والإقليمية والدولية، وتتشابك فيها التحالفات العسكرية والسياسية.
وبحسب بلومبيرغ، فإن إعادة العلاقات الدبلوماسية بين السودان وإيران في أواخر عام 2023، بعد قطيعة استمرت نحو سبع سنوات، شكلت نقطة تحول في طبيعة التعاون بين الطرفين. وقد أتاح هذا التقارب، وفقًا للتقرير، للجيش السوداني الحصول على تقنيات عسكرية متقدمة، من بينها طائرات مسيّرة هجومية استخدمت في العمليات القتالية داخل السودان.
وفي المقابل، تتابع الولايات المتحدة هذه التطورات بقلق، إذ ترى أن استمرار أي قنوات تعاون بين أطراف داخل السودان وإيران قد يعقّد جهود التوصل إلى وقف إطلاق النار، ويزيد من احتمالات اتساع رقعة الصراع إلى مستويات إقليمية، خاصة في ظل حساسية البحر الأحمر والقرن الأفريقي والتنافس الدولي في هذه المنطقة.
كما أشارت الخارجية الأمريكية إلى أن وجود مجموعات ذات توجهات إسلامية مرتبطة بالحرب الحالية يظل أحد العناصر التي تعقد المشهد السياسي والأمني في السودان، خصوصًا مع الاتهامات المتبادلة بين أطراف الصراع بشأن الدعم الخارجي والتسليح.
في هذا السياق، يحاول الجيش السوداني تقديم نفسه للولايات المتحدة ولشركاء دوليين آخرين كطرف يسعى إلى تقليل اعتماده على مصادر تسليح مثيرة للجدل، والعمل على إعادة ترتيب أولوياته العسكرية والدبلوماسية. ويُنظر إلى هذه الخطوات باعتبارها جزءًا من محاولة أوسع لكسب دعم سياسي واقتصادي، أو على الأقل تخفيف الضغوط الدولية المفروضة على الأطراف المتحاربة.
ومع ذلك، لا تزال الصورة العامة في السودان معقدة، إذ تتداخل فيها الانقسامات الداخلية بين القوى العسكرية والسياسية، إضافة إلى تعدد الفاعلين المسلحين وتفاوت ولاءاتهم الإقليمية. ويجعل هذا التشابك من الصعب التحقق بشكل مستقل من طبيعة العلاقات العسكرية أو حجم الدعم الخارجي المقدم لأي طرف.
من جهة أخرى، يشير محللون إلى أن أي تقارب أو ابتعاد بين الخرطوم وطهران سيكون له تأثير مباشر على توازنات الحرب، وعلى علاقات السودان مع القوى الغربية والعربية، خصوصًا في ظل الاهتمام الدولي المتزايد بإيجاد حل سياسي للنزاع الذي تسبب في أزمة إنسانية واسعة النطاق ونزوح الملايين داخل وخارج البلاد.
وتأتي هذه التطورات في وقت تكثف فيه واشنطن وشركاء إقليميون جهودهم للبحث عن مسارات لوقف الحرب، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار التدخلات الخارجية إلى إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص التسوية السياسية.
وفي ظل غياب حل واضح حتى الآن، تبقى الاتهامات المتبادلة بشأن الدعم الخارجي، بما في ذلك الاتهامات المتعلقة بإيران، أحد أبرز العوامل التي تغذي الجدل الدولي حول طبيعة الحرب في السودان واتجاهاتها المستقبلية.